"بذور الرمان" وسيلة صينية لخلق التعايش والتناغم بين أقلياتها | صور

21-10-2019 | 16:38

شجرة اتحاد القلوب في حي عدي عيشي في شينجيانج الصينية

 

الصين – محمود سعد دياب

نجحت الصين في تحويل التنوع العرقي، إلى بوتقة تصهر فيها القوميات المختلفة التي تعيش على أرضها، لكي تشعل أتون التقدم والازدهار، وتستخدمه كوقود في تسريع وتيرة قطار التنمية الذي انطلق منذ 70 عامًا وقت تأسيس الجمهورية الجديدة حتى الآن.


بذور الرمان
ووعت الحكومة الصين ية مبكرًا منذ عهد الزعيم ماوتسي تونج عام 1949، إلى أن الصين يجب أن تتخذ من ذلك نقطة قوة وليست ضعفًا، فهي يعيش على أرضها 56 قومية، أكبرها قومية الهان وهي العرق الأصلي للصينيين، بالإضافة إلى قوميات وأعراق أخرى كانت تعيش جنبًا إلى جنب معها منذ مئات السنين، حيث قررت الدولة الجديدة تطبيق برنامج " بذور الرمان " المتلاصقة والمتحدة، ومعناها التقريب بين القوميات وحث كل منها على احترام عادات وتقاليد وثقافة الأخرى، مع منح الجميع حق الحفاظ على ما توارثوه عن الأجداد من تقاليد مختلفة، باعتبار أن الوحدة العرقية أساس التنمية والازدهار.

برنامج " بذور الرمان "، أثبت كفاءته وصمد أمام محاولات الغرب بث الفتنة بين القوميات وتسليط الضوء على بعض الحوادث الفردية كالتي حدثت في منطقة شينجيانج الأويغورية ذاتية الحكم شمال غربي البلاد، فكل فترة تطالعنا الأخبار في وسائل الإعلام الغربية عن وجود فتنة بين القوميات في الصين ، ولكن إذا قدر لك الذهاب لتلك المنطقة ستكتشف معنى وعمق ذلك البرنامج، بالتعايش والوحدة الحادثين بين القوميات الـ 13 التي أقامت هناك على مدار الـ 70 سنة الماضية، وتسارع تطبيق ذلك البرنامج والاستفادة من ثماره مع تسارع وتيرة التنمية باعتبار المنطقة أهم نقطة على طرق التجارة الواصلة بين الصين ودول آسيا الوسطى وروسيا ثم أوروبا، فضلا أن كل قومية حافظت على استقلاليتها بدون تغيير في الثقافة أو حتى تأثير في ممارسة طقوس العبادة وكل ذلك بما لا يخالف القانون الصين ي الذي يحكم الجميع وينظم سير الحياة.


تمثال عدي عيشي



المتحدث باسم الخارجية الصين ية هوا تشونينج، طالب واشنطن بالتوقف عن التدخل في شئون الدول الأخرى بذريعة الدفاع عن حقوق الإنسان، مشيرًا في مؤتمر صحفي إلى أنها انسحبت من المجلس الدولي لحقوق الإنسان العام الماضي، ورغم ذلك لا تتوقف عن إملاء شروطها على الآخرين تحت ذلك الغطاء، مثلما تفعل مع الصين وفنزويلا ودول أخرى، وأن مثل هذه السلوكيات لن تؤدي إلا إلى إضعاف صورتها وسمعتها وستقابل بمعارضة من المجتمع الدولي، مضيفًا أن القوميات في شينجيانج تعيش في وئام بدون أي مشاكل وليس كما توحى الصورة المزيفة التي تصدرها وسائل الإعلام الغربية عن الأوضاع هناك.

شواهد
في تلك المنطقة ذاتية الحكم، عدة شواهد على تعايش وتماسك القوميات ووحدتها، أهمها مبنى مكون من 56 دور في العاصمة أوروموتشي هو عدد القوميات التي تعيش على الأراضي الصين ية، وفي كل دور تجد مكاتب إدارية وشقق سكنية يعيش فيها قومية من القوميات، بالإضافة إلى مجمع "عدي عيشي" وهو حي سكني في العاصمة أيضًا يقطن فيه أناس من القوميات الـ 13 التي تعيش في المنطقة.


سكان حي عدي عيشي يتناولون الطعام



وصية شي
عندما زار المنطقة الواقعة شمال غربي البلاد، أوصى الرئيس الصين ي شي جين بينج بضرورة حماية أهل المنطقة الوحدة العرقية مثلما يحمون أعينهم لضمان المساواة العرقية، وتعزيز القوانين واللوائح المحلية التي تضمن الحقوق والمصالح المشروعة لكل مجموعة عرقية، فيما قررت الحكومة المحلية برئاسة شهرت ذاكر تعيين 50% من قوة الموظفين في الأجهزة الحكومية من مختلف القوميات الأخرى غير قومية الهان بما يعادل 428 ألف موظف و233 ألف موظفة، مع التشجيع على استخدام كل قومية اللغة الخاصة بها بجانب اللغة الصين ية، فضلا عن وجود صحف وقنوات وإذاعات ناطقة بتلك اللغات.

عدي عيشي عربي في مكان أعجمي
ويعتبر "عدي عيشي" اسم عربي مسلم لحي في غرب العاصمة أوروموتشي لا يتحدث أهله العربية، وتعود تسميته إلى الحرف العربي الذي يستخدمه حتى الآن أبناء القومية الأويغورية، في هذا الحي، البالغ مساحته 600 كلم مربع، يقطن أبناء عدة قوميات مختلفة في الديانة والعقيدة والعادات والتقاليد، حيث إن ظروف عمل أجدادهم في مصنع للكيماويات على أطراف مدينة أوروموتشي، اضطر حكومة شينجيانج لإنشاء مجمع سكني كبير لهم، جمعهم في مكان واحد منذ تشييده فترة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب تأسيس جمهورية الصين الشعبية الحديثة عام 1949، حيث بدأ العمل منذ ما يزيد على نصف قرن في المصنع الذي يقوم بتوفير الأسمدة الكيماوية وعدد من المنتجات الأخرى في تلك المنطقة المشهورة بالأنشطة الزراعية.

سكان حي عدي عيشي يتناولون الطعام


"بوابة الأهرام"، زارت هذا الحي الذي يمثل أكبر نموذج للتسامح الديني والعرقي في الصين ، حيث يعيش فيه قرابة 2000 شخص ينتمون إلى قوميات "الهان"، وهي القومية التي ينتمي إليها 85% من الصين يين، والأويغور القومية المسلمة ذات الأغلبية في شينجيانج، و"الكازاخ" أو "القازق" المنحدرين من السهوب الكازاخية المجاورة، و"مان"، و"توفو" المنغولية التي تعتنق البوذية، وغيرها من القوميات الصغيرة في الحجم والعدد.

شجرة اتحاد القلوب
يعود سبب التسمية إلى عامل في مصنع الكيماويات اسمه "عدي عيشي" من أبناء قومية الأويغور المسلمة، وهو الذي حمل على عاتقه مهمة إحداث وفاق ووئام بين أبناء القوميات المختلفة، وقدم مبادرات عملت على تأصيل روح التعاون والإخاء، وهو ما ظهرت نتائجه بعد عقود من إنشاء المصنع، حيث تم تأسيس مجمع ثقافي في 6 مايو 2016، يستهدف تعزيز روح الوحدة الوطنية، فضلا عن تمثال كبير تم تشييده لتلك الشخصية بعد وفاته منتصف التسعينيات، والتي يكن لها أبناء المنطقة بكثير من الحب والاحترام، كما أن الأهالي قد حافظوا على شجرة لأحد أنواع "العنب" في فناء المجمع السكني، يصل عمرها إلى 40 سنة تقريبًا، أطلقوا عليها لقب "شجرة اتحاد القلوب"، ويعتبرونها مثالا للحالة الموجودة بين سكان المكان، حيث إن أغصانها متشابكة ومترابطة، والتي ترمز إلى الوحدة القومية المتأصلة في قلوبهم.

الطريف أن الأعياد والمناسبات الدينية والقومية يحتفل بها جميع الأهالي باختلاف دياناتهم وأعراقهم، ففي أعياد المسلمين الأضحى والفطر، يقوم أبناء قومية الويغور بإعداد الأطعمة التي تعبر عن تراثهم الثقافي، مثل "رز بالو" وهو أرز محشو بالمكسرات وبعض الخضروات واللحوم، والخبز كبير الحجم والفواكه المختلفة، ويقومون بوضع تلك الأطعمة على مناضد كبيرة في الشارع الرئيسي وسط المجمع السكني، ويصطف الجميع صباح أول أيام العيد، لكي يتناولوا الطعام بشكل جماعي، فضلا عن توزيع لحوم الأضاحي في عيد الأضحى، وفي رمضان يتلقون التهاني من أبناء القوميات الأخرى.

وبخلاف الأويغور تقيم كل قومية احتفالية بمناسبة العيد الخاص بها، فضلا عن الأعياد الرسمية التي يحتفل بها الصين يون بشكل عام، وتتضمن جميع الاحتفاليات عروضًا راقصة وعروضًا غنائية تعبر عن الفلكلور الشعبي لكل قومية، والتي توارثتها الأجيال منذ آلاف السنين.

تقول ميخيدجل عبدالغني، لـ "بوابة الأهرام"، وهي سيدة أويغورية ستينية، إنها تعيش في هذا المكان منذ 55 سنة تقريبًا، وتشعر بسعادة لمشاركة الأفراح والأحزان مع أصدقائها وأخوتها من أبناء القوميات الأخرى، حيث عوضوها عن وفاة زوجها الذي كان يعمل بالمصنع منذ أكثر من 60 عامًا، مضيفة أنها تتقن فن الطبخ على جميع الطرق التي يقوم بها أبناء مختلف القوميات.

حماية التراث
ألكين تونياز نائب رئيس الحكومة المحلية، قال لـ "بوابة الأهرام"، إنهم عملوا على حماية التراث غير المادي، مثل فن المقامات الأويغوري، وفقًا للوائح علمية ومنهجية ضمنت عدم اندثار تلك الفنون التي تعبر عن تاريخ وحضارة المنطقة، فبحلول عام 2018، تم تحديد المنطقة باعتبارها موطنًا لأحد مواقع التراث الثقافي على مستوى عالمي موزعة على ستة أماكن، وخمس مدن تاريخية وثقافية على مستوى الدولة، وهي كاشجار وتوربان ويينينج وكوكا وتيكيس، مع إنشاء 113 وحدة لحماية الآثار الثقافية على مستوى الدولة، و642 وحدة على مستوى المنطقة المتمتعة بالحكم الذاتي، وأكثر من 450 ألف قطعة أثرية منقولة في الوقت نفسه.

وأضاف تونياز تم جمع الأدب الشعبي والكلاسيكي، ومقارنتها وترجمتها ونشرها ودراستها، ما عمل على نضج الكتاب والشعراء والمترجمين والفنانين والباحثين القادمين من أصول الأقليات العرقية المتنوعة، وشكل فرقة أدبية متعددة الأعراق والأداء والبحث، فازت العديد من أعمالهم بجوائز إقليمية وطنية مستقلة.

حماية الرياضات
ولفت إلى أنه تم إحياء وحماية رياضات الأقليات العرقية التقليدية، فبحلول عام 2018، كانت المنطقة قد أنعشت 629 رياضة خاصة لتلك الأقليات مثل المشي الأويغوري التقليدي المشدود المعروف عالميًا باسم "Darwaz"، وحصل سابقًا عن إنجازات قياسية في موسوعة جينيس للأرقام القياسية، ووضعت الحكومة الأقليات على مضمار التكنولوجيا بما جعل اللغات الإثنية موجهة نحو المعلومات بشكل متزايد وتستخدم على نطاق واسع في المجتمع، بمعالجة المعلومات بلغات الأقليات العرقية، مثل المنغولية والتبتية والأويغورية والكازاخستانية والقيرغيزية، مع تطوير أنظمة الترجمة الصوتية الذكية لدعم التطوير المنظم لمواقع اللغة العرقية ووسائل الإعلام الجديدة.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية