الفوضى الخلاقة والوطن العربي (3)

20-10-2019 | 18:16

 

يمثل الوطن العربي موقعًا إستراتيجيًا مهما للعالم أجمع؛ سواء من حيث الموقع أو الموضع، فمن حيث الموقع وما يمثله للعالم نجد أن الوطن العربي يقع في قلب آسيا وإفريقيا ومجاور لأوربا وقريب نسبيًا من أمريكا وأستراليا ويطل على أهم الممرات ال

دولية مثل قناة السويس، التي تصل البحرين إلى باب المندب إلى مضيق هرمز ومضيق جبل طارق.

ومن حيث الموضع يتكون الوطن العربي من 22 دولة على مساحة أرض تقترب من نحو 14 مليون كيلو متر كممر ب الوطن العربي ، بذلك يحتل المركز الثاني بعد روسيا من حيث المساحة، ومن ثم يملك مساحة ذات أهمية عظمى تعطيه حرية الحركة ومميزات كثيرة أخرى.

ويكفي هنا لتوضيح أهمية هذه المساحة بالمقارنة بالعدو الذي يعيش على مساحة محدودة جدًا، لا تمكنه حتى من حرية استخدام أسلحته، ويملك الوطن العربي أراضي زراعية وموارد طبيعية مختلفة، تمكنه من تحقيق الاكتفاء الذاتي والتصدير الخارجي، وينتج 25% من إنتاج النفط العالمي، ويحتوي هذا الموضع داخل أراضيه على65% من الاحتياطي العالمي للنفط، ونحو ثلث احتياطي الغاز، ويصل عدد سكانه إلى 412 مليونًا، ويأتي في المرتبة الثالثة بعد الصين والهندـ مع ملاحظة أن هؤلاء السكان أحفاد حضارات عريقة بداية من أنه مهبط الأديان السماوية، ومنبع الحضارات من المصرية القديمة وحضارة العراق واليمن إلى الحضارة الإسلامية وغيرها، ويقترب الناتج القومي الإجمالي من نحو ثلاثة تريليونات دولار، ويضم جيوشًا يقترب عددها من نحو ثلاثة ملاييـن، وينفق على التسليح أكثر من قارة بأكملها.

كل ما سبق مجرد فكرة مبسطة عن إمكانات وثروات الوطن العربي ، التي لو أحسن إدارتها لأصبح للوطن العربي مكانة كبرى وسط القوى العالمية، خاصة أن عوامل الوحدة والتكامل بين جميع بلدانه أقوى بكثير من دول الاتحاد الأوروبي مثلًا أو حتى شعوب الولايات المتحدة الأمريكية التي تضم جنسيات ولغات وأصول مختلفة، وأي مقارنة موضعية بين عوامل الوحدة والتكامل بين مواطني الوطن العربي وغيرهم من مواطني أمريكا أو الاتحاد الأوروبي توضح أنهم يجمعهم تاريخ ولغة وثقافة ومصالح أكبر من أي تجمعات أخرى، ولديهم مصادر قوى لو تجمعت لأصبحت الولايات المتحدة العربية في مقدمة قوى العالم، ولكل ما سبق كان وطنًا وما زال وسيظل مستهدفًا لمؤامرات الفوضى والصراعات الدولية حول موارده وإمكاناته.

ويقول حمدان عن مصر إنها تتمتع بموقع إستراتيجي مهـم للعالم، وبموضع غني، مما يجعلها مستهدفة دائمًا من كل القوى المحيطة، بحكم الجغرافيا، ولذلك يؤكد تاريخ مصر أنه لا يوجد أمامها سوى طريقين فقط؛ إما التوسع والخروج خارج حدودها لتكوين إمبراطورية دفاعية، وإما الانكفاء والكمون والرضا بالمستعمرة، هذه حقائق التاريخ التي تحتمها الجغرافيا ومصر مثال وتمثل وطنها الكبير، واعتقد أن ما قاله حمدان عن مصر ينطبق لحد كبير على وطننا العربي، إما وحدة وقوى عظمى يحترمها ويخشاها الجميع، وإما الرضا بالمستعمرة، وهذا يعني إما أن نكون فاعلين ومؤثرين فيمن حولنا أو نكون مفعولا به وعرضة لمؤامرات التقسيم والاقتتال الداخلي، ومن هنا أهمية دراسة عوامل الضعف القائمة في وطننا للعمل على التخلص منها، وإزالة كافة أشكال الخلاف والمشكلات، لمواجهة مؤامرات الفوضى، وفي هذا فليجتهد الجميع في دراسة وبحث هذه المشكلات، وكيفية المواجهة؛ لأن الوقت ليس في صالحنا جميعًا والمؤامرات تتزايد في الكم والحدة، وأعتقد أن نقطة البداية لمواجهة الفوضى، والتي تعني عدم وجود قائد، تكون بعودة مصر للقيادة، وذلك ليس بالكلام أو الأمنيات ولكن بالقدرات والعطاء، وطبيعي أن يستلزم ذلك الكثير من الوقت والجهد، وبداية هذا لا يعني وحدة عربية شاملة، ولكن علي الأقل اتحاد عربي علي غرار الاتحاد الأوربي أو مجلس التعاون الخليجي أو ما شابه، لتوحيد المواقف والمصالح المشتركة، وقيادة مصر ليست شرفًا أو وجاهة؛ لأن قيادة مصر مستمدة من حقائق جغرافية وتاريخية عميقة وليس تعصبًا، فمصر حلقة الوصل بين آسيا العربية وإفريقيا العربية، وهي عاصمة العربـ وتمثل نحو 25% من سكان وطننا، ومالا يقل عن 50% من القوى الناعمة العربية من علماء ومفكرين وفنانـيـن، والتاريخ يؤكد عندما كانت مصر قوية، وفي القيادة استطاعت تحرير أراضي وثروات كل الوطن العربي ، بل والعالم الثالث في الخمسينيات والستينيات.

ووقفت ضد مشروعات الفوضى الخلاقة ، التي حاولت تقسيم لبنان وفرض كيميل شمعون، ثم ضد تهديد عبدالكريم قاسم بغزو الكويت، وضد أطماع شاه إيران ضد العراق والأطماع التركية في سوريا، وللأسف بعد كامب ديفيد وتراجع مصر عن القيادة تم إعادة وتنفيذ كل هذه المؤامرات، بنجاح لغياب القائد، كما أنه أثناء قيادة مصر كان الدور التركي والإيراني محدودًا وصغيرًا.

ونعاني جميعًـا كعرب الآن من أخطار وأطماع إيران وتركيا في وطننا، والحل الوحيد لتحجيم إيران وتركيا هو استعادة الدور المصري في القيادة فهذه مصلحة مصر والعرب؛ لأنه كما يقول حمدان إن بالشرق ثلاث قوى عظمى بحكم الجغرافيا والتاريخ والسكان، وهم مصر وإيران وتركيا، وتراجع دور وقوة أي منهم يكون لمصلحة الأخرتين.

هذه هي نقطة البداية لمواجهة الفوضى الخلاقة في وطننا، وكما يقول ميلاد حنا إن مصر بمثابة عمود الخيمة العربية، وإذا سقط هذا العمود وقعت الخيمة، وأصبح هذا العمود مجرد قطعة حديد ليس لها قيمة، وخسرت مصر والعرب، وبعد ذلك هناك مشكلات مهمة لابد من مواجهتا وأهمها الفتنة المذهبية، وهي نقطة الضعف التي نجحوا من خلالها في تمزيق العراق وسوريا واليمن، وهناك مشكلات الديمقراطية والفقر وغيرها، وهي بالطبع تختلف نسبيًا من قطر لآخر..

وغير ذلك من مشكلات وللحديث بقية.

مقالات اخري للكاتب

الإصلاح الاجتماعي والبيئي الشامل لمواجهة الفوضى الخلاقة (5)

انتهت المقالات السابقة إلى أن الفوضى الخلاقة ظاهرة موجودة منذ خلق البشرية، وفي العصر الحديث تعود جذورها إلى الفكر الماسوني، وهى تعتمد في نجاحها على نقاط ضعف داخلية.

الفوضى الخلاقة ومصر (4)

مصر تحديدًا هدف للفوضى الخلاقة عبر تاريخها إلى الآن، لعدة أسباب متكاملة، بداية نهضة مصر وتقدمها؛ يعني نهضة عربية وإسلامية كبرى تهدد مصالح القوى العظمى في أي عصر، ثم إن لمصر- تحديدًا - تاريخًا كبيرًا في الحضارة وموقعًا متميزًا، فهي حجر الزاوية في خريطة العالم.

التغيرات المناخية وأمطار القاهرة المشكلة والحلول

تزايد الأنشطة الصناعية الملوثة للبيئة وتزايد استخدامات الطاقة بصورها المختلفة من بترول إلى غاز إلى فحم وخلاف ذلك من ملوثات صناعية عديدة وبشكل متزايد وخطير

خطوات الفوضى الخلاقة ومجالات استخداماتها (2)

إرساءعرضنا في المقال السابق جذور فكرة الفوضى الخلاقة، والتي ترجع للماسونية العالمية، وهي منظمة سرية تتبع الصهيونية العالمية ويتفرع من هذه المنظمة أو يتبعها

مفهوم الفوضى الخلاقة

يعتبر مفهوم الفوضى الخلاقة من المفاهيم القديمة والحديثة معًا؛ بل وأتوقع استمراره في المستقبل؛ لأنه يرتبط بطبيعة النفس البشرية لدى بعض البشر، ويرتبط بالأطماع البشرية منذ بدء الخليقة، وقتل قابيل لأخيه هابيل؛ فالمؤامرة موجودة وسوف تظل في حياة البشرية.

المصريون بين المحافظة والتجديد والمركزية (9)

نتناول في هذا المقال ثلاث قضايا مهمة في تاريخ مصر، الأولى هى قضية المحافظة على القديم وخاصة في الجانب المادي من الثقافة، ثم قضية التجديد في الشخصية المصرية

الأكثر قراءة