اتفاق على الأكراد

20-10-2019 | 19:29

 

يعرف الرئيس أردوغان وأقطاب نظامه وحليفه الأمير تميم في قطر أن عودة السيادة التركية على الشرق أمر غير وارد في الزمن الراهن؛ لذلك فإن المسعى هو السيطرة السياسية لتكون تركيا هي اللاعب الأول في سياسات المنطقة، والباب الرئيسي في تعاملاته مع الغرب، والسيطرة العسكرية من نوع القاعدة التركية في قطر، والاقتصادية بحيث تكون أنقرة متصدرة عمليات التصنيع الك

برى واكتشافات الغاز وترسيم الحدود..

كل ذلك يأتي لخدمة مشروعها في الضغط على أوروبا وبدلا من استجداء العضوية في الاتحاد الأوروبي ، سيكون على هذا الاتحاد التقدم بعروضه لتركيا.. فتركيا هي الضامن لأمن المنطقة واقتصادها وشطحات السياسة فيها..

هذا المشروع التركي مات إكلينيكيا بإنهاء مشروع الإخوان المسلمين في مصر ودول المنطقة تقريبًا، مما أعاد تركيا للعمل بمفردها بعيدًا عن الدول العربية، باستثناء قطر الدولة العربية الوحيدة التي أيدت الاجتياح التركي لأراضي سوريا، بهدف اقتطاع جزء من هذه الأراضي، كما أكد أمين عام جامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، ومن ثم إقامة منطقة نفوذ كما أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري للوزراء العرب في اجتماعهم الطارئ الأخير.

ولم يكن الإخوان المسلمون كجماعة سوى أرامل النظام العثماني، فقد تأسست الجماعة عام 1928 في الإسماعيلية بعد عشر سنوات من سقوط دولة الخلافة، وفي أدبيات التأسيس أن الهدف هو إعادة الخلافة، وعندها تحل الجماعة نفسها..

وظلت الجماعة في إرهاب معارضيها وقتلهم قبل وبعد ثورة يوليو حتى وصولهم إلي السلطة في قبضة ذلك الحلم البعيد.. والتقى أردوغان مع الجماعة، أو أنه لم يكن بعيدًا عنهم يومًا حتى أفضى الربيع العربي إلى وصولهم للسلطة في مصر وقربهم منها في غيرها وسيطرة أردوغان بالكامل على بلده، لتعود أحلام الخلافة.. لكنها لم تعد أبدًا..

فعاد الحقد التركي الكامل على العنصر العربي بنفس الوتيرة التي كان عليها لمئات السنين منذ الاحتلال العثماني لغالبية الدول العربية.

أما النتائج التي أفضى إليها الاجتياح التركي للأراضي السورية فإنها مرضية جدًا لتركيا، أشبه بالنصر، وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه وجد الرئيس أردوغان سعيدًا جدًا لوقف إطلاق النار، وبالتالي فإن واشنطن سترفع عنه كل العقوبات التي فُرضت يوم الإثنين الماضي.

حصلت تركيا على الـ30 كيلو مترًا التي أرادت والعالم سعيد بنكبة الأكراد وباقتضام الأراضي السورية.. فلطالما كان العالم سعيدًا بمآسي العرب..

إن الأتراك غادروا سوريا في غضون عامي 1918 و1919 بعد أن صمتت أصوات المدافع في الحرب العالمية الأولى، غادروها خصوصًا في الشمال السوري في حلب وأيضًا من دمشق نفسها، وهم في غاية الحزن والأسى لإلغاء امتيازاتهم وألقابهم، وطلب الحاكم مغادرتهم، لدرجة افتعال أخبار كاذبة عما يتعرضون له من قتل جماعي وتصفية، وأن خروجهم هو عدوان عليهم.. كما يبرر أردوغان الآن بأن عدوانه على سوريا هو لرد عدوان.. واتفق الأمريكيون مع الأتراك على البقاء لفترة مؤقتة هناك.

لا أثق في بقاء الملف السوري في أيدي غربية أبدًا، فهذه الأيدي ممثلة قديمًا في الاستعمار الفرنسي، هي التي انسحبت فجأة من منطقة الإسكندرونة سنة 1939، وتعد هذه المنطقة المحافظة الخامسة عشرة في سوريا، وكانت تتبع ولاية حلب (مساحتها 4800 كيلو متر مربع)، ومن ثم اجتاحتها القوات التركية، وضمت المنطقة إلى الجمهورية التركية باسم إقليم "هاتاي".. ولم تحافظ دولة الانتداب (فرنسا) علي عهودها ضمن اتفاقية سايكس بيكو بالمحافظة على حدود الدولة المنتدبة (سوريا).. ويعيش سكان المنطقة من العرب السنة والعلويين والمسيحيين والأرمن في ظل القمع التركي واضطهاد الأقليات الذي تشتهر به أنقرة.

ولم تعد تركيا أبدًا منطقة الإسكندرونة، ولن تتزحزح من المنطقة التي احتلتها جراء عملية "نبع السلام".. لذلك فإن الملف السوري ينبغي أن يعود عربيًا، وأن تستمر الدول العربية أو تباشر تنفيذ توصيات اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير.. وأن تنفذ القرارات، خصوصًا النظر في اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة العدوان التركي على سوريا، بما في ذلك خفض العلاقات الدبلوماسية ووقف التعاون العسكري ومراجعة مستوى العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياحية مع تركيا.. فما حدث من توافق تركي أمريكي أخيرًا لا ينفي أن العدوان التركي خرق واضح لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن وتهديد مباشر للأمن القومي العربي.

تركيا لن يهدأ لها بال إلا بابتلاع ما تريد من الأراضي السورية؛ لأن المزيد من هذه الأراضي يحاصر القومية الكردية برغم أنها ارتضت بأن تكون جزءًا من المكون السوري.. لكن هذا لا يكفي أنقرة التي خبرت حروب الإبادة، التي بدأتها باليونانيين الذين كانوا يعيشون في أرضها ذات يوم، ثم بالأرمن وهي الإبادة التي رفضت الاعتراف بها حتى الآن، ثم الأكراد المسلمين الذين تقتل أكبر عدد منهم كلما سنحت الفرصة.

أدعو مرة أخرى إلي قرار يعيد سوريا إلى مقعدها في الجامعة العربية، وإلى اليقظة وفتح العين على ما تبقى من أراضيها، لأن الاتفاق الأمريكي - التركي السعيد هو تدمير لما بقي من أمن سوريا، أمن مناطق كانت آمنة للأكراد السوريين قبل وطوال الأزمة، والضحايا مئات أو آلاف المدنيين.

وللأسف فإن روسيا والولايات المتحدة متفقتان على تفريغ مناطق شمال سوريا من سكانها وإحداث تغيير ديموغرافي شامل، بغطاء تركي، وفتح صراعات الدول الإقليمية والقوات المحلية الكردية، ويبدو أن كل الجيوش التي تمرح على الأرض السورية تتصارع الآن على الجغرافية الكردية، والذي سيطرح على الأكراد السوريين الهجرة أو الإبادة.. والدمار سيطال العرب المتخاذلين بعد ذلك..

مقالات اخري للكاتب

سد النهضة والدبلوماسية المصرية

أدارت الدبلوماسية المصرية ملف أزمة سد النهضة بأسلوب هادئ ومرن، ربما لم يعجب البعض من أنصار استخدام القوى الصلبة في التعاطي مع الأزمة، والكشف من دون إبطاء عن أنياب وأظافر.. ونجحت هذه الدبلوماسية أخيرًا في إدخال طرف دولي، للمساهمة في التوصل إلى حل عادل للخلافات بين أطرافها الثلاثة..

المعلمون أولا

بدأت وزارة التربية والتعليم في مصر في إجراءات لسد العجز في المعلمين؛ حيث احتفت الوزارة قبل شهر تقريبًا بإطلاق البوابة الإلكترونية للوظائف، للتعاقد مع 120

فقر التعلم

ربما لم يلتفت كثيرون لما كتبته الخبيرة الدولية آنا بيردي قبل أيام، على صفحة البنك الدولي المتوافرة بلغات عدة منها العربية، عن "خطة جديدة لبناء رأس المال البشري بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"..

من أجل سوريا

​عودة سوريا إلى مقعدها في مجلس جامعة الدول العربية لن يعيد الاستقرار والسلام إلى سوريا في نفس اليوم؛ فالاستقرار في هذا البلد العربي المنكوب يحتاج إلى سنوات، ربما ضعف السنوات التي مرت على انهياره الأمني والسياسي والاقتصادي والمجتمعي.

أكتوبر السادس والأربعون

الحرب كانت ومازالت تعبيرًا وطنيًا شديد التلاحم نحو تحقيق الهدف، وتزداد شرعيتها، خصوصا عندما يكون هذا الهدف مدعمًا بالحق ومُؤازرًا بالواجب. لذلك كانت أكثر

مصر تعيد اكتشاف قدراتها

اكتشفت مصر قوتها وقدراتها خلال الأيام الماضية، وعرفنا إلى أي مدى كانت انطلاقتنا في التنمية مطمئنة إلى وعي جمعي بضرورة هذه التنمية، وأن أزماتنا الواضحة

الأكثر قراءة

مادة إعلانية