"كمال الملاخ" .. فرعون الصحافة الأخير

21-10-2019 | 19:07

 

من حُسن حظي أننى تعلمت وعملت مع اثنين من كبار الإعلاميين فى مصر والعالم العربي، ولا أكون مبالغاً إن قلت والعالم، ومن باب الصدفة أن كليهما يدعى "كمال"، الأول " كمال نجيب، تحدثت عنه الأسبوع الماضى، واليوم يأتى دور الثاني وهو الصحفي الكبير" كمال الملاخ "، وهو حكاية صحفية كبيرة عامرة بالإنجازات و

الفتوحات الصحفية ، وهو إن جاز لنا القول" فرعون الصحافة المصرية الأخير".

هذا الرجل له فى رقبتى دين كبير، منه تعلمت التواضع فى أعلى مراتبه والأستاذية فى أرقى معانيها، ففى كل لقاء لى مع طلابنا الجدد فى الإعلام، لابد أن أحكى لهم دور هذا الرجل الأب والإنسان والمُعلم فى حياتى المهنية.. تعرفت إليه فى بداية عملى بالأهرام عام 1976، كان هرماً صحفياً كبيراً، ومع شخصيته الطاغية والمشهورة، كان طفلاً ودوداً، أرسلنى إليه الأستاذ ماهر الدهبى مدير تحرير الأهرام الفنى، ببروفة الصفحة الأخيرة، وكانت هذه المرة الأولى التي أقترب منه فيها، سألني عن اسمى وتطرق الحديث عن اهتماماتي، ومن يومها سرت منجذباً لكوكب كمال الملاخ ، كان وقتها قد أسس جمعية كتاب ونقاد السينما التى تولت تنظيم مهرجان القاهرة السينمائى، ثم مهرجان الإسكندرية السينمائى، وعن طريق" الملاخ" أصبحت من بين رواد هذه المهرجانات بصفة دائمة.

وذات يوم وبروح الأبوة التي كانت سمة تعامله معنا جميعاً وجدته يقول لى: أنا ذاهب غداً للترحيب برئيس مهرجان كان، الذى لبى دعوتنا لحضور مهرجان القاهرة السينمائى، هل تحب أن تأتي معي وتجري حواراً معه؟" لم أصدق نفسي الأستاذ كمال الملاخ يدعوني أنا الذي لم يمض على عملى بالأهرام سوى عام أن أصحبه لعمل حوار مع رئيس مهرجان كان السينمائى!.

ركبت سيارة الأهرام معه وتوجهنا إلى فندق مينا هاوس، وقدمنى إلى ضيفه بشكل يجعلنى ما حييت أذكر فضله، ويكفى أنه قال للضيف الفرنسى، إننى زميله فى الأهرام، وأنه اختارني لعمل حوار معه، كان الحوار باللغة الإنجليزية، وبرغم أنني طوال دراستي في قسم الصحافة بآداب القاهرة كنت متفوقاً في الترجمة الصحفية التي كان يدرسها لنا الأستاذ كمال عبدالرءوف مدير تحرير أخبار اليوم - رحمه الله - فإنني من هول الموقف، وجدت نفسي عاجزًا عن التحدث بها، وبروح الأستاذ والأب والمعلم، أحس"الملاخ" بحالي، فوجدته يربت على كتفي ويقول لي بصوت كله حنان وأبوة: ثق بنفسك، اسأل باللغة العربية، وأنا سأتولى الترجمة، وأجريت الحوار، وكان العملاق كمال الملاخ هو المترجم لي.. هذا ما حدث معي، وكان درسًا لاينسى، جعلني أعود ليس إلى بيتي، ولكن إلى المعهد البريطاني لكي استعيد لغتي الإنجليزية، وأعرف قيمة الأستاذ في حياتي، وكيف يمكن للمُعلم أن يكون أباً وأستاذاً ودافعاً إلى الأمام.. هذا هو كمال الملاخ الذي عرفته.

الذي قالت عنه الأستاذة سناء البيسى: "‏..‏ كان توليفة صحفية ابتدعها أو ابتدعته لم يسبق لها مثيل‏، ولم يلحق بها شبيه‏:‏ فنون جميلة‏، مهندس أثري‏، خبير مصريات‏، رسام وخطاط وكاتب وناقد فني للفنون التشكيلية والمرئية والمسموعة‏، وإلى جانب ذلك كله كان صحفيًا حتى أطراف أصابعه‏، يتقن فنون الخبر والحوار والتحقيق‏، وإثارة أشواق القارئ‏، وإخراج الصفحات‏، فخرجت من مجموع هذه المواهب وتشابكها تلك التوليفة الصحفية الفذة التي ليس لها سابقة ولا لا حقة‏، ولا يدخل مع غيره فى باب من أبواب الصحافة‏، ولا يدخل معه غيره في الباب الذي تنفرد فيه؛، ولذلك لم تكن صفحته صفحة أدب‏، ولا صفحة فن‏، ولا صفحة مجتمع‏، ولا صفحة عالم الحيوان‏، ولا صفحة أوبرا‏، ولا صفحة آثار‏؛ ولكنها صفحة كمال الملاخ ‏..‏

هكذا كان يسميها القارئ‏، وهكذا كنا نسميها نحن أبناء المهنة التي جعلتنا نقرأ الجرنال من الشمال لليمين‏، وهكذا كان تفرده بلون أو مزيج خاص به من خط العنوان إلى آخر سطر فى الصفحة‏..‏ كان أول محرر يوقع باسمه على خبر فى الأهرام لهذا لقبوه بشامبليون‏، ولم يكن توقيعه باسمه الحقيقى أول الأمر بل كان يكتب تحت اسم مستعار هو القناع الأبيض الذى اعترض عليه المسئولون في الأهرام فقرر أن يكتب اسمه بطريقته الخاصة التى يمد فيها ذيل حرف الخاء فى الملاخ ليشتبك فى ميم كمال‏، وكما تغنى أسمهان لبدع الورد كان للملاخ إبداعاته الخاصة التى توارثناها لتدخل أجروميتنا الصحفية فنختصر مثله الدكتور إلى د‏.‏ والمهندس والمحافظ إلى م.‏ وهو الذى اختصر حروف الجمهورية العربية المتحدة أثناء الوحدة بين مصر وسوريا إلى ج‏.‏ع‏.‏م‏. ‏

وكنا عندما نكتب لصفحة الملاخ نخلع أسلوبنا ونرتدى أسلوبه التلغرافى الذي يكتب به تحقيقاته وحواراته الصحفية المشهورة مع عمالقة عصره فى الأدب والفن‏، حيث قدم لنا أحاديثه المثيرة مع ملوك السينما العالمية مثل جريجورى بيك وجلين فورد، موريس شيفالييه وصوفيا لورين وجينا لولو بريجيدا ونرى صورته معهم جميعا فننبهر بهذا العالم المضىء‏، ونحلم بالاقتراب منه ذات يوم‏".

هذا هو كمال الملاخ الذى عملت معه وتعلمت منه، أحد أهم العاملين فى مجال البحث والتنقيب عن الآثار الذى اكتشف مراكب الشمس ، والذى أصبح بعد ذلك علامة من علامات الصحافة الخفيفة فى الأهرام، والذى جعل الصفحة الأخيرة، تقرأ مثل الصفحة الأولى، كان كمال الملاخ عالم آثار وكاتبا وصحفيا وأديبا..هو نموذج نادر المثال فقد استطاع أن يترك بصمة واضحة في كل مجال على حدة .وأنا أراه كما قلت فى كتابى" الإعلام السياحى .. الأسس والمبادىء" هو مؤسس الإعلام السياحى فى مصر وفى صحافتنا العربية قاطبة، وكانت الصفحة الأخيرة بالأهرام، والتى تولى كمال الملاخ الإشراف عنها، تزخر بأخبار الآثار والسياحة،وكلما كان هناك اكتشاف كان يتم تسليط الضوء عليه، فهو الذى أوجد لأخبار الآثار والاكتشافات الأثرية مكاناً ثابتا فى صفحته.طوال عمله بالآثار وبالصحافة ظل كمال الملاخ –رحمه الله- شامخاً برأسه كما الفراعنة ، حتى توفاه الله فى 24 أكتوبر 1998.

Dr.ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

"صبري سويلم".. الصحفي والإنسان الطيب الخلوق

الطيبون يرحلون في صمت وبلا ضجيج، يأخذون قلوبنا معهم في رحلة أبدية، يتركون لنا الذكريات الحلوة الجميلة، التي تبقى أملاً في الحياة، ونورًا يضيء لنا الطريق، ومهما شغلتنا الدنيا بالسعي من أجل الرزق ومشاق الحياة، يبقى في الذاكرة رائحة هؤلاء الطيبين، الذين عطروا الأجواء برحيق أحاديثهم وأفعالهم الطيبة.

"حسين فتح الله".. الصحفي الكبير الذي لم يأخذ حقه

في زحمة الحياة، وفي مصر بالذات تذوب رفقة العمر، وتضيع معالم أيام الشباب، تغيب تلك الذكريات الجميلة خلف غيوم وضباب مشكلات المعيشة اليومية، التي لا تسمح باستعادة لحظات الصداقة البريئة، وشقاوة أيام الدراسة والزمالة، إلا كشريط سينمائي عابر، حتى بين الزملاء والأصدقاء الذين جمعهم مكان واحد،

سامي دياب.. ودروس في مهنة القلم

في زمننا كان هناك أساتذة يحبون تلامذتهم، ويعاملونهم معاملة الأبناء، يتعهدونهم بالرعاية والتوجيه، ولا يبخلون عليهم أو يضنون بما تعلّـموه، لأنهم كانوا يرون

كمال نجيب .. عاشق "الأهرام" حتى آخر أيامه

كانت حياته كلها في الأهرام، يأتي إليها حوالي الثامنة صباحًا، ويظل يعمل بجد واجتهاد، حتى الثانية بعد الظهر؛ حيث يذهب إلى بيته في الزمالك، ليعود مرة أخرى

سامي فريد.. الصحفي "الفريد"

في حياة كل منا أشخاص لا يمكن أبدًا أن ننساهم؛ لأنهم شاركوا في مسيرة حياتنا، وساعدوا على تحقيق أحلامنا، ووسعوا من أفقنا، وصوبوا من الأخطاء، التي وقعنا فيها بحكم فتوتنا وشبابنا، ولولاهم، ما وصلنا إلى بر الأمان.

"مصطفى سامي".. المثل الأعلى للعطاء والسمو والرفعة

خلال سنواتي في "الأهرام" أحببت بعض الشخصيات التي كان لها دورها المؤثر في حياتي الشخصية والمهنية، وفي كل مرحلة من حياتك، هناك من تجد نفسك مرتبطًا بهم نفسيًا

الأكثر قراءة