تعرف على أسرار كنز الصين المفقود منذ 2000 سنة

17-10-2019 | 16:10

كنز الصين المفقود منذ 2000 سنة

 

جيجيانج – الصين – محمود سعد دياب

يعرف الكثير من الناس كتاب "لاتينج شو"، الذي يقدسه الصينيون ويعتبرونه أعظم تحفة تاريخية ثقافية في التاريخ، تقدم مجموعات من القصائد التي يعود زمنها إلى ٢٥٣ ميلادية مكتوبة بالخط الصيني القديم، ولكن لا يعرف الكثيرون أسرار هذا الكتاب والقصص التي دارت حوله في قديم الزمان، خصوصًا وأن أحدًا لا يعرف مكانه حتى الآن.

"بوابة الأهرام" زارت قصر الخطاط الصيني والشاعر وانج شي تشي، الذي أقامه وسط غابات أشجار البامبو في منطقة لانتج بمدينة شاوتشينج القريبة من هانجتشو عاصمة مقاطعة جيجيانج جنوب شرق الصين، وهو مكان ثقافي تاريخي من الدرجة الأولى لا يقدم فقط تاريخ الصين، ولكنه يتحدث عن الثقافة الصينية في عهد أسرة تانج الملكية التي شهدت أزهي عصور الأدب والشعر، حيث يتضمن القصر غابات البامبو وبحيرة جيانهو الكبيرة والنهر المتدفق من مياه ينابيع جبل كويجيشان، عدة أماكن تاريخية، ومتاحف أقامتها الحكومة حديثًا تحوي لوحات حجرية وورقية قديمة مكتوبة بالخط الصيني وتحكي كيف كان يعيش الناس في ذلك الوقت، فضلا عن مصنع النبيذ الأصفر ومتحف خاص له وأسرار كثيرة أخرى.

واعتاد وانج شي تشي منذ عام ٢٥٣ ميلادية دعوة ٤٢ شخص من الشعراء المشهورين ورموز الدولة ومسئوليها إلى قصره، ويقيم لهم مأدبة غداء ثم يقدم لهم نبيذ الأرز الأصفر من خلال طريقة صينية قديمة تعتبر تقليد للترحيب بالضيوف معمول به حتى الآن مع السائحين من زوار المكان، حتى أنك تشعر مع شرح المترجم بآلة الزمن تعود بك إلى تلك الحقبة التاريخية لكي تتخيل ما كان يحدث وقتها.

وتقوم عدد من الجميلات مرتدين ملابس صينية تقليدية بوضع النبيذ في أكواب خزفية، وتضعن الأكواب على صفحة ماء النهر الصغير الذي يقطع القصر من الشمال للجنوب قادما من أعالي الجبال، وعندما يتوقف الكوب عند أحد الضيوف، يجب أن يتناوله ويشرب النبيذ ثم يجلس ويكتب قصيدة على أوراق البردي، في منضدات حجرية مخصصة لذلك مستخدما الفرشاة وإناء حجري كبير فيه حبر أسود، ثم يقوم صاحب الدعوة في نهاية اليوم بجمع كل تلك القصائد في ورق مرتب ويعيد كتابتها، وبمرور الزمن أصبحت تلك القصائد عبارة عن مجلد ضخم حصل على اسم لاتينج شو.

الكنز المفقود

يعتبر الصينيون كتاب لاتينج شو أحد الكنوز التراثية الثقافية لهم، ولكن لم يستطع أحد الوصول له حتى الآن لأن تانج تاي زونج الإمبراطور الثاني في أسرة تانج الملكية، أمر بدفن الكتاب بجوار جسده بعد وفاته وتم تنفيذ الوصية ووضع الكتاب في مقبرته التي لا يعلم أحد مكانها حتى الآن إلا أنها في أحد الأماكن تحت الأرض في شيان عاصمة الصين القديمة والعاصمة الحالية لمقاطعة شانشي.

وفي ساحة الأوركيد التي اعتاد الخطاط وانج شي تشي استقبال ضيوفه فيها، تجد مبنى خشبي مقام على مساحة دائرية مرتفعة، ويظلله غطاء خشبي مخروطي بالشكل الصيني التقليدي، وفي منتصف تلك المساحة لوحة حجرية كبيرة منقوش عليها بعض أجزاء من القصائد التي وردت في الكتاب، والتي حاول الصينيون لاحقًا بعد فقدان الكتاب تقليد ما كتبه الخطاط المشهور، حيث أمر بنقشها الإمبراطور كانج شي في عهد أسرة تشينج الملكية، وبجوارها تجد حوالي 20 منضدة أمامها مقاعد صغيرة وإناء كبير كلها مصنوعة من أحجار البازلت الناعم، مع ريشة تصر إدارة المكان على وضعها لإفاء الجو التاريخي على المكان، وبين مبنى الأوركيد والمناضد الحجرية مجرى النهر الصغير الذي كان يحمل فناجين النبيذ الأصفر الخزفية.

أكبر متحف للخط

على مقربة من تلك الساحة وفي عام 1988، أنشأت الحكومة الصينية متحف لانتنج وهو أكبر متحف للخط الصيني القديم، وتمت توسعته عام 2004، ويضم لوحات حجرية مكتوبة في عهد الأسر الملكية التالية لحقبة الخطاط المشهور، والتي حاول الأباطرة وقتها تقليد خطه وكتابة القصائد التي وردت في الكتاب وتحكي حياة الناس اليومية والعادت والتقاليد، فضلا عن مخطوطات مكتوبة على أوراق البردي، وأخرى على ألواح خزفية.

ويعكس المتحف الثقافة الصينية القديمة وعادات وتقاليد الناس عبر القصائد المنظومة، وتبلغ مساحته 12191 متر مربع، ويعتمد في ديكوراته على الشكل القديم للمباني في حقبة الخطاط الصيني المشهور، مع أسقف منحدرة مليئة بعناصر الثقافة التقليدية.

معبد وانج شي تشي

في عام 1698 ميلادية أقامت إحدى الأسر الملكية معبد تذكاري للخطاط وانج شي تشي، تقديرًا لدوره في إثراء الأدب والثقافة والحفاظ على الخط الصين القديم، على مساحة 756 متر مربع من الخشب الخالص، تم تجديده عام 1869 ميلادية، وهو مبنى على بحيرة عذبة وعبارة عن ساحة كبيرة غير مسقوفة وثلاثة طرقات تأخذك من المدخل إلى قاعة فيها تمثال بالرخام الأبيض للخطاط المشهور وأمامه أواني الفاكهة والخضروات التي كانت تقدم هدية إلى روحه، حيث كان يؤمن الصينيون في ذل كالزمان أنه هناك حياة أخرى بعد الموت، ولذا فإن روح ذلك الخطاط تأتي كي تأخذ الهدايا التي منحها إياه محبوه، وعلى يمين ويسار الساحة غرف صغيرة مخصصة لاستراحة زوار المكان.

في هذا المعبد كانت تقام مهرجانات ثقافية، تحيي ذكرى الخطاط وانج شي تشي، وعلى جانبي الممرات حوالي 17 نقشًا حجريًا كتبت في عهد الأسر الملكية اللاحقة، وتتحدث عن ساحة الأوركيد وعظمة الشعر والأدب في الصين القديمة وقد نحتت معظمها في عهد أسرة تشينج الملكية، فضلا عن صندوق بريد حجري قديم كان يستقبل رسائل المحبين وتقوم إدارة المعبد بتقديمها إلى الخطاط بوضعها أمام تمثاله لكي يقرأها بعدما ينصرف الجميع.

حكيم الخط الصيني

وانج شي تشي كان يطلق عليه حكيم الخط الصيني وقد عاش في الفترة ما بين (303–361) ميلادية، وتعود شهرته ليس فقط للقصائد التي جمعها في كتاب لاتينج شو، ولكن لأنه تفوق في براعة كتابة الرموز الصينية بإتقان لم يسبقه إليه أحد، وتقول الحكايات أن بداية اكتشافه امتلاك تلك الموهبة كانت عندما تناول النبيذ الأصفر المصنوع من الأرز، وأمسك الفرشاة وبدأ يكتب قصيدة بشكل عفوي، كانت من أبدع ما كتب في براعة الخط وجودة القصيدة، وأنه حاول فيما بعد تكرار التجربة 100 مرة لكنها لم تكن بنفس درجة إتقان في المرة الأولى، وقيل عنه أن كتاباته تشعر القارئ بحيوية كاتبها وأنه يسير ويتحرك في الكلمات المكتوبة، لدرجة أن الصينيون دشنوا مدرسة خاصة به فيما بعد اسمها مدرسة شينج في فن الخط، والتي تسمح للكاتب بالتعبير عن مشاعره ومحالته المزاجية عبر الفرشاة.

نشطت عملية تقليد قصائد كتاب لاتينج شو، في مخطوطات كتبت بماء الذهب على أوراق البردي في عهد الإمبراطور هوي زونج من أسرة سونج الشمالية (1101-1125 م)، والموجودة بعضها حتى الآن بحالته الأصلية، وتظهر تقليد لخط الخطاط بطل قصتنا، وتظهر الحبر الذهبي الذي بهت بمرور الزمن، وفي عهد الإمبراطور تشيان لونج من أسرة تشينج الملكية (1555–1636 م)، تطورت بوضع ملصقات وأشرطة حمراء على الزاوية اليمني العليا للمخطوطة، واستمر الحال بنفس الوتيرة مع بعض التغيرات في الخط بعهد أسرة مينج الملكية (1736–1795 م).

ضياع المخطوطات

وبقيت من كل تلك المخطوطات 21 مخطوطة فقط، صمدت مع التقلبات التي شهدتها الصين والاحتلال المغولي ثم الياباني، وكلها صنعت خلال عهد أسرة تانج (618-907 م)، ومن بين تلك القطع 5 في متاحف يابانية وواحدة في جامعة برينستون بالولايات المتحدة، و7 في متحف قصر تاييه عاصمة تايوان، و7 في متاحف متفرقة في الصين منها متحف المدينة المحرمة التي كانت سابقًا مقر الحكم الإمبراطوري، فيما اختفت واحدة ولا يعلم أحد مصيرها حتى الآن، لكن المخطوطات الحجرية هي التي لا تزال صامدة والتي تم استنساخ العشرات منها في العصر الحديث، واتخاذها، كما قامت أجيال من الطلاب بدراسة هذه النصوص واستخدامها كأمثلة لتعلم وممارسة فن الخط الصيني.

"مى تشى تاي" هو اسم لأحد المخطوطات المقلدة للمخطوطة الأصلية والتي كتبها وانج شي تشي ضمن كتاب لاتينج شو، وهي بطول 25.3 سم وعرض 5.3 سم، وتضم 17 شخصية في عهد أسرة تانج الملكية تحدث عنها الخطاط المشهور في حياته خلال حفلات الشعر التي كان يستضيفها في ساحة الأوركيد بقصره، وهي موجودة في متحف باليابان.

وتم عرضها في مزاد في هونج كونج عام 2007، وقدرت قميتها وقتها بـ 24 مليون دولار أمريكي، إلا أن مالكها وهو أحد المعابد اليابانية أجهض المزاد بعدما اكتشف مسئولي المعبد التاريخي الذي لم تذكر المعلومات اسمه أن قيمتها الحقيقية لا تقدر بثمن، وقد حصل عليها ملاكها بداية القرن العشرين لكنها لم تعرض للجمهور إلا في عام 1973 بمتحف جوتوه في اليابان، فيما تتحدث المخطوطة الموجودة بالولايات المتحدة عن طقوس معينة كانت تمارس من أجل الحصول على محصول وفير وقت الحصاد، وتحظى بتقدير عالمي حاليًا حتى في عصر الأباطرة اللاحقين لفترة الخطاط حيث زينت أختامهم ونقوشهم المخطوطة .

متحف النبيذ الأصفر

على مساحة 10000 متر مربع، وعلى مسافة ليست ببعيدة من ساحة الأوركيد، بمدينة شاوتشينج، أقامت الحكومة الصينية متحف الصين الوطني للنبيذ الأصفر، والذي يتضمن المعامل القديمة التي كان يتم فيها تخمير النبيذ وتصنيعه من الأرز، وهو أول متحف يوضح ثقافة النبيذ الأصفر الذي يعتبر ابتكار صيني خالص منذ قديم الزمان، والذي اتخذته دول آسيا من بعد نموذج يحتذى به في صناعة النبيذ الأصفر، حيث كان يستخدمه الخطاط وانج شي تشي للترحيب بضيوفه، ويكشف المتحف من خلال تماثيل مراحل صناعة النبيذ من الأرز التي بدأت في تلك المدينة خلال الفترة من (770-476 قبل الميلاد)، ونشطت خلال فترة الممالك المتحاربة (475-221 قبل الميلاد)، ففي ذلك الوقت، كان النبيذ أداة مهمة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالسياسة والدبلوماسية والشئون العسكرية.

وذكرت السجلات التاريخية النبيذ الأصفر أكثر من مرة، خصوصًا في عهد جوجيان ملك ولاية يوي "أحد الممالك الصينية القديمة" عام 496 ق.م، حيث ذكرت أنه قاد شعبه لتحقيق نصر كاسح على الأعداء وكان ذلك النوع من النبيذ سبب التفاف الشعب حوله، فيما طورت أسرة هان الغربية (206 ق.م. - 24 م) تلك الصناعة حتى باتت تمثل عصب الاقتصاد، وأحدثت أسرة هان الشرقية (25-220 م) نقطة تحول في جودة نبيذ شاوتشينج الأصفر.

بحيرة جيانهو

ما بين ساحة الأوركيد والمتاحف المختلفة في غابات البامبو، تبرز بحيرة جيانهو، والتي نشأت في أسرة هان الشرقية نتيجة مشروعات الحفاظ على المياه لتطوير الزراعة، وأنشات عليها كباري خشبية وحجرية لا تزال موجودة حتى الآن، ومشروعات إنشاء خزانات احتجاز المياه وقت الفيضانات، وفي عام 140م، شارك شعب المدينة كله في بناء سد كبير لاحتجاز مياه الينابيع من جبل كويجيشان ومياه الفيضانات، وتنظيم مياه الري وزيادة الإنتاج الزراعي، تكونت خلفه تلك البحيرة التي وفرت مياه صافية منحت صناعة النبيذ الأصفر دفعة قوية، ولعب دورًا متزايد الأهمية في الحياة الاجتماعية، ومع الوقت تطورت لكي تصبح المنتج الأكثر إقبالا في الصين كلها.






الأكثر قراءة