جائزة تتحدى سن الستين!

16-10-2019 | 18:35

 

فى كل بلاد الدنيا، الحياة تبدأ بعد الستين ، إلا عندنا، فما إن يقترب أحدنا - رجلا كان أو امرأة - من سن التقاعد أو حتى يكسر حاجز ال

خمسين من عمره، حتى تعتريه الهموم وتكسوه الكآبة..

والأسوأ من ذلك نظرة الناس إليه، وأحيانًا من رفاق العمل، الذين من فرط استعجالهم برحيله يكاد لسان حالهم يقول "كفاية عليك كده" أو "خلاص أنت رِجل برة ورِجل جوه" أو "عايز إيه تاني من الدنيا"، والأخف وطأة منهم من يقول فى وجه نصيحته المخلصة لأحد أفراد الأسرة "ده كان على أيامكم" أو "هتاخد زمانك وزمان غيرك"، وهو ما يشعر معه من شارف على الستين أو هو أقرب أنه بات عليه التعامل مع الحياة معاملة "مودع آن له الرحيل" وعليه أن "يجهز كفنه"!!

فحياة من بلغوا السن القانونية فى بلادنا، خاصة الرجال منهم، تتحول إلى كابوس فعلا، فوجودهم "القهري" في المنزل "قد" يخلق في "بعض" البيوت حالة " احتراب عائلي " من كثرة تدخلاتهم فى كل كبيرة وصغيرة، ويعتبر نفسه محظوظًا من يجد له صُحبة على المقهى القريب، والأوفر حظًا من يقضي معظم أوقاته فى المسجد المجاور، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا..

بالتأكيد "أصعب درجات سلم العمر أن تكون مُسنًا، خاصة عندما يعتبرونك مُسنًا عند الستين".. فما أصعب الشعور باقتراب الرحيل، حيث المرض وفقد الأعزاء، أو زملاء رافقتهم فى رحلة العمل حين تراهم يتساقطون واحدًا تلو الآخر، ناهيك عن الوحدة، وسط عزف ونزف الأيام من حولك..

منظمة الصحة العالمية كان لها رأي آخر يزف البشرى لكبار السن، حيث قدمت فى فبراير 2018 تصنيفًا جديدًا ل مراحل عمر الإنسان ، وأعلنت أن الأشخاص حتى سن الـ 65 يعتبرون فى سن الشباب، الذي يمتد وفق التصنيف الجديد للمنظمة من سن 25 حتى 65، ومتوسطو العمر بين سن 66 حتى 79، أما كبار السن فبين 80 حتى 90، وسن الشيخوخة يبدأ من بعد الـ 90!!

يعنى سعادتك وحضرتك تصلوا إلى "السن القانونية" وأنتم ما زلتم بعد فى سن الشباب، وفق تصنيف الصحة العالمية، لكن كما يقول المثل " تجرى الرياح بما لاتشتهى السفن "، فبدلا من أن يكون بلوغ "السن القانونية" عندنا حياة جديدة، كما يتمناها وينتظرها كل "غربي" حتى ينطلق فى السفر والترحال شرقًا وغربًا للاستمتاع بالحياة وتعويض ما فاته من التفرغ لهواياته، لدرجة أنك تجد مُعمرة يابانية تخطت حاجز المائة سنة تحقق أرقامًا قياسية فى السباحة! تجد من بلغ هذه السن عندنا ينطلق فى ماراثون من نوع آخر، نحو المستشفيات ومعامل التحاليل ويداهمه السكر والضغط ويصبح "زبونا" دائما فى عيادات الأطباء!

وربما لأننى مسكون مثل الكثيرين بقرب هاجس "السن القانونية"، ولأننا رأينا رأى العين أن المهنة ألقت ما فيها وتخلت، أجدني للعام الثاني على التوالي أراقب أعمار الفائزين ب جوائز نوبل ، فأجدها تحديًا آخر وبشرى هائلة لمن تجاوزوا سن الستين، أن في الحياة حتى بعد التسعين متسعًا للإنجاز..

فى العام الماضي، كان عمر الفائز بجائزة نوبل في الفيزياء آرثر أشكن 96 عامًا، وحتى بعد إعلان فوزه بالجائزة لم يتمكن من إجراء مقابلات صحفية؛ لأنه كان مشغولًا بمراجعة أحدث ورقة علمية له قبل إرسالها للمُحكمين من أجل النشر!!! والفائزان ب جوائز نوبل فى الطب الأمريكى جيمس أليسون واليابانى تاسوكو هونجو تجاوزا سن السبعين، بعدما ظلا 30 عامًا يحاولان إثبات نظرية تخدم البشرية فى علاج السرطان!!

هذا العام، كسر عالم آخر الرقم القياسي لعمر الفائزين بنوبل، إنه جود إناف الذى أجبروه على ترك العمل بجامعة أوكسفورد عندما بلغ 65 سنة، فهاجر لأمريكا للعمل بجامعة تكساس التى لا تلزم العلماء بسن للتقاعد.. اليوم عمره 97 سنة ومازال يذهب لمعمله ويشرح لطلابه، وتم تتويجه بجائزة نوبل للكيمياء بمشاركة عالمين بريطانى ويابانى لدورهم فى تطوير بطاريات الليثيوم بطريقة عبقرية، ستسهم فى تطوير تقنيات الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية.

ولما أبلغوه بفوزه بالجائزة كان فى عجلة من أمره لكتابة بعض الأوراق البحثية المطلوبة للتقديم على منحة الاتحاد الأوروبى العلمية لاستكمال بعض الأبحاث، وقال إنه سيذكر فى الأوراق المُقدمة أنه حصل على جائزة نوبل!!!!

وميشيل مايور بجامعة جنيف، الذى حصل على جائزة نوبل فى الفيزياء لهذا العام مناصفة مع عالم آخر لاكتشافهما كواكب خارج مجموعتنا الشمسية، عمره 77 عاما..

أما وليم كايلين الفائز بجائزة الطب، عمره 65 عامًا، فلم ينس رفيقة عمره التى رحلت عام 2015؛ حيث قال: "أعتقد أنها تبتسم لي..على الأقل أطفالها قادرون على الاحتفال معي بالجائزة".

كل هؤلاء العلماء وغيرهم الكثير في شتى المجالات، حتى في بعض المهن داخل بلداننا، ممن يضربون بحاجز السن عرض الحائط، يؤكدون أن لا عمر معين للإبداع والعطاء، وأن العمر هو مجرد رقم ليس أكثر..

فهؤلاء وأمثالهم هم من يُطبقون، وبحق، الحديث النبوى الشريف:

"إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها".

مقالات اخري للكاتب

ممنوع دخول البشر!

لقرون طويلة ظلت الأسرة والمدرسة تلعبان دورًا أساسيًا فى تكوين مدارك الإنسان وثقافته، وفى تشكيل القيم والأخلاق التى يتمسك بها، أما اليوم فقد تلاشى دورهما وانتقل جزء كبير من هذا الدور إلى شبكات الإنترنت والهواتف المحمولة..

جنون "السيلفي"!

في الأساطير القديمة يروى أن شابًا وسيمًا اسمه نرسيس كانت تحبه جميع الفتيات، ولم يكن يعرف لماذا كل هذا الحب المهووس به، وكان كل ما يرجوه أن يتركه الجميع

مصريون على سطح القمر!!

"رافضك يا زماني.. يا مكاني.. أنا عايز أعيش في كوكب تاني"، جزء من أغنية الفنان مدحت صالح، يتحول إلى لوحات جرافيك خيالية، كما لو كانت فيلمًا من أفلام الخيال العلمي.

كله إلا.. السكر!!

تملك حلاوة العالم.. ولا يملك لها العالم أشهى من اسمها.. ليذكر حين تنسى أنها... قطعة سكر! هكذا تغزلت الشاعرة التونسية سلوى بن رحومة في قطعة السكر!!

ناس تخشى الفرح!

كل إنسان ينشد السعادة، لا جدال في ذلك، وإن اختلفت مفاهيم الناس حولها، لكن سر السعادة لا يتم في السعي إلى المزيد، بل في القدرة على التمتع بالأقل..

ما بعد الإنترنت! العالم بعد 10 سنوات!

قد يمل الناس من أى حديث، إلا حديث المستقبل، فما إن تشاهد أو تقرأ شيئًا عن تكنولوجيا المستقبل، حتى تجد آذانًا صاغية وعيونًا شاخصة وأفواهًا فاغرة.. فكل ثانية

الأكثر قراءة