من أجل سوريا

13-10-2019 | 18:11

 

عودة سوريا إلى مقعدها في مجلس جامعة الدول العربية لن يعيد الاستقرار والسلام إلى سوريا في نفس اليوم؛ فالاستقرار في هذا البلد العربي المنكوب يحتاج إلى سنوات

، ربما ضعف السنوات التي مرت على انهياره الأمني والسياسي والاقتصادي والمجتمعي.

لكن مطالبة وزيري خارجية لبنان والعراق وغيرهما في اجتماعات الجامعة بالأمس كانت منطقية من حيث ضرورة فتح مجال العودة للدولة السورية، فهو مقعد "دولة" وليس مقعد "نظام"؛ للتحرك في مساحة مأمونة نسيبًا، وإعادتها إلى محيطها الطبيعي، وتستطيع عندئذ استغلال الفرص المتاحة لطرح القضية السورية، وإشراك "منظومة" الجامعة الشرعية والقانونية في محاولة الحل، واستعادة الوجود العربي في الملف السوري المختطف.

لقد كانت الجامعة - المتأثرة برياح الربيع العربي في تلك الأيام من عام 2011 - وكل أعضائها في عواصمهم، وكل موظفيها في مكاتبهم مشغولين في ترتيب أوضاعهم، وكذلك في محاولة فهم ما يجري لنظم راسخة لعقود في الدول العربية، ما بين نظرية المؤامرة، ومبدأ حق الشعوب في الثورة.

كانت الجامعة في تلك اللحظة التاريخية الساخنة مستعدة للتنازل عن طيب خاطر عن أي ملف يخصها.. فتنازلت في زمن الأمين العام عمرو موسى عن الملف الليبي - الذي بات شأنا دوليًا - واتخذت القرار الذي سمح بمنطقة حظر جوي فوق ليبيا ؛ مما أتاح ل حلف الناتو بتدخل عسكري مؤلم، فيما لم تسترد الجامعة الملف إلا على استحياء، وعين أمينها العام أحمد أبوالغيط ممثلًا له إلى ليبيا، لكن الملف بكامله يظل مسئولية الأمم المتحدة حتى الآن.

وتنازلت الجامعة وبسرعة عن الملف السوري في زمن الأمين العام نبيل العربي وبضغط قطري كاسح، وبعد تحركات شكلية، بدت خلالها الجامعة يائسة من النتائج، ومما يمكن أن تفضي إليه اللجنة التي سافرت إلى دمشق، ليصبح ملفًا دوليًا بالكامل، وربما لولا التدخل الروسي فيما بعد لما استمرت "بقايا" الدولة السورية التي نراها حاليًا.

لكن الأمر في سوريا مختلف - برغم الشراكة في المأساة - عن المسألة الليبية، فلم يعتد أو يقص أحد من الخريطة الليبية، كما أن في ليبيا جيش وطني قوي، ومنظومة دول جوار تدعم وحدة التراب الليبي، وليس لها أطماع، ولولا تدخلات تركية - قطرية فاحشة لاستطاعت ليبيا تحقيق الحل السياسي.

فسوريا بوضعها الحالي - تحت الأطماع التركية - تدخل في نفق أشد إظلامًا، ليس من نتائجه سقوط الدولة أو شبه الدولة الحالية، وإنما احتلال أراضيها واغتصاب المزيد منها، كنتيجة مباشرة للغزو التركي الحالي، الذي يواجهه العالم بتهديدات لفظية، وبيانات إدانة، واستدعاء السفير التركي في عواصم عدد من الدول الغربية، والوعد بعدم تصدير أسلحة حاليًا، بينما حيا أردوغان جيشه في تغريدة مسمومة قائلًا: (أُقبِّل كافة أفراد الجيش المحمدي الأبطال المشاركين في عملية نبع السلام من جباههم)..

الوجود أو العودة السورية إلى جامعة الدول العربية بوسعه إعادة تشكيل التردد العربي الرسمي والشعبي تجاه الأزمة، وبإمكانه إصغاء السمع مجددًا إلى صوت الدولة السورية، وهي تشرح للعالم العربي ما يجري من عدوان على سوريا، وبالتآمر مع القوى الدولية، ومع المعارضة "الوطنية" التي تتخذ من البلد المعتدي حاليًا (تركيا) مستقرًا ومقامًا وتمويلا وإيواء، كما يمكن من خلال هذه العودة الاستماع إلى الصوت الكردي في سوريا؛ والذي يتعرض لحرب إبادة وتطهير، في الوقت الذي يلملم فيه العرب أوراقهم لمغادرة القاهرة بعد الاجتماع الاستثنائي، ويمكن أيضًا التوصل إلى موقف حقيقي داعم لسوريا، ويشكل جدارًا ضد الأطماع التركية، واتخاذ قرارات قوية بشأن أنقرة، على الأقل بإلغاء منتدى التعاون العربي - التركي الذي أسسته الجامعة سنة 2008؛ بسبب العدوان السافر على دولة عربية، ولم يمسه قرار الوزراء الأخير، ربما لم يعد موجودًا، إلا بروتوكوليًا.

وستنظر الدول - حسب البيان الختامي للاجتماع الوزاري - في اتخاذ "إجراءات" سياسية واقتصادية لم يتضح لها شكل الجماعية، فيما لم يحدد نوعها أبدًا.. ستبحث!!

والأمر، مسألة عودة سوريا، بالتأكيد يحتاج إلى قرار قمة عربية وليس مجلس وزاري استثنائي؛ لكن الوزراء العرب لم يوصوا حتى بقمة طارئة، وهم يعرفون أننا سنكون في حيرة أمام من يحضرها في عالم عربي مضطرب، لن يحضر الرئيس السوري قطعًا، ولدينا رئاسات مؤقتة في الجزائر والسودان وتونس، وبالتالي كان على مجلس الجامعة على المستوى الوزاري قراءة الخريطة جيدًا واتخاذ قرار بشأن عودة سوريا ورفعه بأي وسيلة - وكل الوسائل متاحة - إلى قياداتهم لحين عقد القمة المقبلة في الجزائر في مارس المقبل.

أما المطلوب من سوريا - على حد تعبير الأمين العام للجامعة - فهو نفس مطالب اللجنة العربية التي شكلها نبيل العربي وبتدبير وتخطيط وزير خارجية قطر حمد بن جاسم إلى دمشق في بداية الأزمة، بما يخل بالإرادة السياسية لدمشق، تلك اللجنة أمضت في دمشق 25 يومًا من نهاية ديسمبر 2011 إلى منتصف يناير 2012، وكان مجلس الجامعة - على مستوى وزراء الخارجية العرب - قد قرر تجميد عضوية سوريا في مجالس الجامعة المختلفة في 16 نوفمبر 2011، وفي 23 يناير 2012 طرحت الجامعة مبادرة تقضي ببدء حوار بين النظام والمعارضة؛ لتشكيل حكومة وطنية على أن يسلم الرئيس بشار الأسد صلاحياته لاحقًا إلى نائبه، ورحبت المعارضة ورفضت الحكومة.. فهل المطالب العربية من دمشق ما زالت كما هي؛ لتستعيد سوريا مقعدها، ويحضر مندوبها أو وزير خارجيتها ليشرح ما يجري، ويطالب بالتعاون العربي في دحر العدوان التركي.

مقالات اخري للكاتب

سد النهضة والدبلوماسية المصرية

أدارت الدبلوماسية المصرية ملف أزمة سد النهضة بأسلوب هادئ ومرن، ربما لم يعجب البعض من أنصار استخدام القوى الصلبة في التعاطي مع الأزمة، والكشف من دون إبطاء عن أنياب وأظافر.. ونجحت هذه الدبلوماسية أخيرًا في إدخال طرف دولي، للمساهمة في التوصل إلى حل عادل للخلافات بين أطرافها الثلاثة..

المعلمون أولا

بدأت وزارة التربية والتعليم في مصر في إجراءات لسد العجز في المعلمين؛ حيث احتفت الوزارة قبل شهر تقريبًا بإطلاق البوابة الإلكترونية للوظائف، للتعاقد مع 120

فقر التعلم

ربما لم يلتفت كثيرون لما كتبته الخبيرة الدولية آنا بيردي قبل أيام، على صفحة البنك الدولي المتوافرة بلغات عدة منها العربية، عن "خطة جديدة لبناء رأس المال البشري بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"..

اتفاق على الأكراد

يعرف الرئيس أردوغان وأقطاب نظامه وحليفه الأمير تميم في قطر أن عودة السيادة التركية على الشرق أمر غير وارد في الزمن الراهن؛ لذلك فإن المسعى هو السيطرة السياسية

أكتوبر السادس والأربعون

الحرب كانت ومازالت تعبيرًا وطنيًا شديد التلاحم نحو تحقيق الهدف، وتزداد شرعيتها، خصوصا عندما يكون هذا الهدف مدعمًا بالحق ومُؤازرًا بالواجب. لذلك كانت أكثر

مصر تعيد اكتشاف قدراتها

اكتشفت مصر قوتها وقدراتها خلال الأيام الماضية، وعرفنا إلى أي مدى كانت انطلاقتنا في التنمية مطمئنة إلى وعي جمعي بضرورة هذه التنمية، وأن أزماتنا الواضحة

الأكثر قراءة