كمال نجيب .. عاشق "الأهرام" حتى آخر أيامه

14-10-2019 | 20:22

 

كانت حياته كلها في الأهرام، يأتي إليها حوالي الثامنة صباحًا، ويظل يعمل بجد واجتهاد، حتى الثانية بعد الظهر؛ حيث يذهب إلى بيته في الزمالك، ليعود مرة أخرى إلى الأهرام في السابعة مساء، ويظل يعمل حتى تخرج الطبعة الأولى، ظل على هذا المنوال منذ أن عرفته في يناير 1976، حتى قبل وفاته بقليل، لم ينقطع يومًا عن الحضور ليلتقي محبوبته ويعيشان قصة غرامهما، لم يتخلف عن هذا الموعد إلا بعد أن أصيب بفقدان الذاكرة.

عرفته واحدًا من أشيك وأكثر الصحفيين أناقة وهندامًا وانتظامًا والتزامًا، ودقة متناهية، كان قد ترك مكانه في الديسك المركزي ، وتفرغ لكتابة زاويته الثابتة "عالم الطيران" التي كان يحررها أسبوعيًا في جريدة الأهرام، ومع ذلك لم يتخل عن عادته اليومية في قراءة بروفات صفحات الأهرام من الصفحة الأولى حتى الصفحة الأخيرة، كان يقرأها كلمة كلمة وحرفًا حرفًا، ثم في شياكة وأدب جم، يسلم البروفات إلى نائب رئيس التحرير السهران ليصوب الأخطاء التي دونها في كل صفحة، وأحيانًا عندما كان لا يجد المسئول عن الديسك المركزي يتصل ب سكرتير التحرير المسئول ويسلمها له، ولم يكن مطالبًا بهذا العمل المرهق والمضني، ولكنه كان يقوم به؛ لأنه يريد للجريدة التي عاش بين جنباتها أكثر من 60 عامًا أن تكون دائمًا في أفخر حلة، وفى أكمل وأجمل حالاتها، كان يعشق الأهرام عشقًا لا يدانيه أو يطاوله عشق.

ذات مرة وكنت أتابع صفحات الجريدة في الطابق الثالث، اتصل يسأل عن سكرتير التحرير السهران، تلقيت المكالمة، وصعدت إليه في مكتبه بالطابق الرابع، طلب مني أن أُحضر له أصل إعلان وفيات، تعجبت وقلت له حتى صفحة الوفيات تقرأها يا أستاذ كمال؟ ربت على كتفي وقال: "الأهرام كل لا يتجزأ، والأمانة تقتضي أن تقرأها من الصفحة الأولى حتى الصفحة الأخيرة، لا تترك فيها شيئًا إلا قرأته، حتى لا تكون مقصرًا"، قال لي إني أشك في صحة اسم هذا المتوفى، ولا بد أن نطمئن، قلت له نحن لا نرسل الوفيات إلى المطبعة قبل مراجعتها، فأصر على طلبه، وأحضرت له أصل النعي، وثبتت شكوكه.

حبه وتفانيه في العمل جعلني أحبه، وأقتدي به، وكنت يوميًا أدلف إلى حجرته كلما وجدت فسحة من الوقت عنده، حدثني كثيرًا عن بدايته وحبه للصحافة، وعشقه لـ"الأهرام"، وكيف كان وراء تخصيص صفحات للرياضة في الأهرام، وكيف أقنع الأستاذ نجيب المستكاوي لينضم إلى قبيلة الأهرام؛ ليكون بعد ذلك أسطورة التحليل والنقد الرياضي في الصحافة المصرية والعربية، كم استمتعت بذكرياته عن الرياضة وغيرها من الصفحات والمهام التي كان يبادر بها، كان " كمال نجيب " - رحمه الله - صحفيًا بكل معاني الكلمة، كبيرًا من عصر الكبار.

في إحدى جلساتي معه، حدثني عن بداية عمله في الأهرام، وكيف جاء بخبر وانتظر الأستاذ نجيب كنعان (مدير التحرير) أمام مدخل الأهرام، وقدم له نفسه، وكان وقتها طالبًا بمدرسة الحقوق، وكابتن فريق الكرة الطائرة بها، وكان الخبر عن فوزهم في إحدى المباريات، وعندما قرأ الخبر قال له من كتبه، فقال له إنه هو من حرره، فطلب منه أن يجلس إلى جواره، ويحرر بعض قصاصات الوكالات، ومن هنا وجد طريقه إلى قلب أعرق صحف مصر والعالم العربي؛ ليعين بها في يناير 1950، ويكمل فيها 60 سنة؛ حيث ظل يعمل بها إلى أن توفاه الله سبحانه وتعالى.

قبل أن يتخرج في كلية الحقوق أصدر جريدة هو وأصدقاؤه في الجامعة أسماها "الشبان الأصدقاء" وكان أول عمله كصحفي محترف في مجلة "المصور" عام 1942، وكان قبلها قد عمل في جريدة "الدستور" فور تخرجه في الحقوق 1941، وظل بالمصور حتى عام 1948، كمساعد ل سكرتير التحرير ؛ ليصبح سكرتيرًا للتحرير بعد شهرين، وأصدر بعد استقالته من "المصور" مجلة "الطيران"، فقد كان محبًا للطيران مع الصحافة، وكان يرغب في أن يكون طيارًا، وظل يرأس تحرير المجلة حتى توقفت في 1953.

وفي "الأهرام" التي كان يرأس تحريرها في ذلك الوقت الأستاذ أحمد الصاوي محمد كان "نجيب" محررًا للطيران، يعمل على نشر ثقافة الطيران في مصر والعالم العربي، وبعدها تولى مسئولية الديسك المركزي بـ"الأهرام" لمدة 25 عامًا، وبعد انتقال " هيكل " إلى "الأهرام" كان كمال نجيب من عناصر التطوير في "الديسك" ومعه الأساتذة أحمد نافع، عبدالحميد سرايا، ومحمود عبدالعزيز ويوسف صباغ، وكانوا يعملون 15 ساعة يوميًا.

ونظرًا لدوره المحوري في نشر ثقافة الطيران والمعرفة الجوية؛ تم انتخابه في 2 يونيو 1971 رئيسًا لـ"اللجنة الدولية لعلوم الطيران والفضاء" المنبثقة عن الاتحاد الولي للملاحة الجوية، وكان كمال نجيب رئيس المنظمة العالمية للثقافة الجوية والمستشار الصحفي لـ"الأهرام" وعميد كتاب الطيران في الوطن العربي، على مدى 54 سنة أول مصري يُكتب اسمه في "الصداقة الدولية" في أتشيسون بولاية كنساس الأمريكية، مع الخالدين من مشاهير الرجال والنساء الذين لهم بصمات بارزة في عالم الطيران والفضاء، في 19 يونيو 1992، وكان هو ثالث عربي ينال هذا الشرف.

وفى مكتبه كنا نلتقي عالم الفضاء المصري الكبير فاروق الباز وغيره من علماء وقيادات الطيران والثقافة الجوية في مصر والوطن العربي والعالم.

وتمضي السنون و كمال نجيب كما هو محب عاشق لـ"الأهرام والأهراميين"، لم يقصر يومًا في التغني بمحبوبته والتعبد في محرابها، ظللنا نتعلم منه حتى فقدت أسرة الأهرام والصحافة العربية في 15 يوليو 2013 واحدًا من أبرز أبنائها المخلصين, وكتابها المرموقين، وهو الأستاذ كمال نجيب مستشار رئيس التحرير الأسبق عن عمر يناهز 96 عامًا.

Dr.ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

"صبري سويلم".. الصحفي والإنسان الطيب الخلوق

الطيبون يرحلون في صمت وبلا ضجيج، يأخذون قلوبنا معهم في رحلة أبدية، يتركون لنا الذكريات الحلوة الجميلة، التي تبقى أملاً في الحياة، ونورًا يضيء لنا الطريق، ومهما شغلتنا الدنيا بالسعي من أجل الرزق ومشاق الحياة، يبقى في الذاكرة رائحة هؤلاء الطيبين، الذين عطروا الأجواء برحيق أحاديثهم وأفعالهم الطيبة.

"حسين فتح الله".. الصحفي الكبير الذي لم يأخذ حقه

في زحمة الحياة، وفي مصر بالذات تذوب رفقة العمر، وتضيع معالم أيام الشباب، تغيب تلك الذكريات الجميلة خلف غيوم وضباب مشكلات المعيشة اليومية، التي لا تسمح باستعادة لحظات الصداقة البريئة، وشقاوة أيام الدراسة والزمالة، إلا كشريط سينمائي عابر، حتى بين الزملاء والأصدقاء الذين جمعهم مكان واحد،

سامي دياب.. ودروس في مهنة القلم

في زمننا كان هناك أساتذة يحبون تلامذتهم، ويعاملونهم معاملة الأبناء، يتعهدونهم بالرعاية والتوجيه، ولا يبخلون عليهم أو يضنون بما تعلّـموه، لأنهم كانوا يرون

"كمال الملاخ" .. فرعون الصحافة الأخير

من حُسن حظي أننى تعلمت وعملت مع اثنين من كبار الإعلاميين فى مصر والعالم العربي، ولا أكون مبالغاً إن قلت والعالم، ومن باب الصدفة أن كليهما يدعى "كمال"،

سامي فريد.. الصحفي "الفريد"

في حياة كل منا أشخاص لا يمكن أبدًا أن ننساهم؛ لأنهم شاركوا في مسيرة حياتنا، وساعدوا على تحقيق أحلامنا، ووسعوا من أفقنا، وصوبوا من الأخطاء، التي وقعنا فيها بحكم فتوتنا وشبابنا، ولولاهم، ما وصلنا إلى بر الأمان.

"مصطفى سامي".. المثل الأعلى للعطاء والسمو والرفعة

خلال سنواتي في "الأهرام" أحببت بعض الشخصيات التي كان لها دورها المؤثر في حياتي الشخصية والمهنية، وفي كل مرحلة من حياتك، هناك من تجد نفسك مرتبطًا بهم نفسيًا

مادة إعلانية