"الرعاية المركزة" في وضع "حرج".. "نقص الأطباء والتمويل والرواتب" ثلاثية تهدد حياة المرضى

14-10-2019 | 19:13

الأطباء - أرشيفية

 

خالد كامل

تعد الرعاية الحرجة أو العناية المركزة، من أهم الخدمات الصحية التي يتم تقديمها للمرضى، وكما يبدو من اسمها فإنها تخص شريحة من المرضى يحتاجون عناية فائقة نظرًا لخطورة حالتهم.

وتبذل وزارة الصحة جهودها من أجل تحسين مستوى هذه الخدمة الطبية الملحة لكل المرضى المحتاجين لها، حيث إدخال خدمة الرعاية الحرجة في أكثر من مائة مستشفى جديد بعد تطويرها، فضلا عن الحالي، فقد بلغ عدد وحدات الرعاية المركزة في المستشفيات الحكومية 4700 وحدة مجهزة في 535 مستشفى، تابعة لوزارة الصحة وحدها، بقوة عمل 4163 طبيبا متخصصا، فضلا عن 4830 وحدة رعاية حرجة تابعة لمستشفيات الجامعات الحكومية.

لكن لا يمكن القول إن مشاكل هذه الخدمة الطبية الملحة للجمهور أصبحت صفرا، نظرا للاحتياجات المالية غير المتوفرة لهذا القطاع الأهم في وزارة الصحة، والتي تسعى الدولة في ظل التوجيهات الرئاسية بتوفير كافة احتياجاتها لتقديم خدمة طبية متميزة للمصريين.

الدكتور إبراهيم علي حسن، مدير الإدارة المركزية للرعاية الحرجة والعاجلة بوزارة الصحة، قال إن إدارة الرعاية الحرجة تختص بأقسام الرعاية المركزة والحروق وتوفير خدمات نقل الدم والحضانات للأطفال المبتسرين، وأوضح أن عدد أطباء الرعاية الحرجة على اختلاف درجاتهم العلمية، بدءًا من طبيب مقيم وانتهاء بالاستشاري، وهو الحاصل على درجة الدكتوراه، هو 4163 طبيب رعاية حرجة متخصص، وهذا الرقم غير كاف بالمقارنة إلى احتياجات الإدارة لتغطية أعداد المرضى المترددين على مستشفيات وزارة الصحة فقط.

وأضاف في تصريح خاص لـ"بوابة الأهرام" أن الإدارة تحتاج بحد أدنى إلى جانب المتواجدين فيها حاليا، 3000 طبيب رعاية حرجة متخصص، لتشغيل وحدات الرعاية المركزة المستخدمة فعليا حاليا في المستشفيات الحكومية ، وعددها 4700 وحدة رعاية حرجة تابعة لوزارة الصحة وحدها، إلى جانب ما يستجد من مستشفيات أخرى بعد التطوير والتي كانت في العام الماضي 218 مستشفى ودخل الخدمة منها نسبة بلغت النصف، أي حوالي 110 مستشفيات تم إلحاق وحدات الرعاية المركزة بها مؤخرا، ليصبح إجمالي مستشفيات وزارة الصحة التي بها رعاية حرجة حوالي 535 مستشفى على مستوى الجمهورية.

حلول عاجلة
وأشار إلى أن الحلول لقلة أعداد أطباء الرعاية الحرجة تكمن في نقطتين رئيسيتين، وهماالأولى: تتمثل في ضرورة زيادة المقابل المادي لأطباء الحكومة من متخصصي الرعاية الحرجة ، لأنهم لا يمكنهم فتح عيادات خاصة رعاية حرجة، والثانية: هي ضرورة إمداد الجامعات بما يحتاجه سوق العمل فعليا.

وعلق على النقطة الثانية، مبديا أسفه، قائلًا: إن جامعة عين شمس قد طلبت التقدم لتخصص الرعاية الحرجة من طلبة كليات الطب لديها، إلا أن الإقبال كان صفرًا، وذلك لعلم الطلبة بضعف المقابل المادي عند استلام وظيفتهم.

وأضاف مدير إدارة الرعاية الحرجة ، أنه من الحلول التي ابتكروها مؤخرًا في الإدارة ما يعرف بالرعاية المتوسطة، وتهدف إلى تقليل فترة إقامة مريض الرعاية، بما ينتج عنه زيادة عدد الأسرة والوحدات المتاحة لاستقبال مرضى جدد، وقد تم تفعيل هذه الخدمة في 25% من مستشفيات وزارة الصحة، وكذلك وحدات رعاية الأطفال، والتي بلغت 500 سرير رعاية أطفال منفصلة تماما عن رعاية الكبار، ويقوم عليها أطباء تخصص أطفال وتم تدريبهم للتعامل مع الحالات الحرجة للأطفال.

وبخصوص الحضانات للأطفال المبتسرين، أكد أنه يوجد حضانات مجهزة، باستثناء العجز الحاصل في أجهزة التنفس الصناعي فقط والتي بلغت 1300 جهاز تنفس صناعي، تحتاجهم حضانات المبتسرين في وزارة الصحة، مشددًا على أنه على وزارة المالية تعديل اللائحة التنفيذية لقانون رقم "14/2014" والخاص بتنظيم عمل كوادر المهن الطبية، من حيث الأجور والرواتب، وهناك تنسيق يتم بين الوزارتين من أجل هذه النقطة على حد تعبيره.

وأنهى حديثه قائلا: إن آخر قرارات وزارة الصحة لحل أزمات قوائم انتظار المرضى من أجل تقديم خدمات طبية متميزة، وفق توجيهات رئيس الجمهورية، هو القرار القاضي بشراء الخدمة الطبية من المستشفيات الخاصة ووفق مواصفات وزارة الصحة، وتقضي بإرسال المريض إلى المستشفى الخاص على أن تتحمل وزارة الصحة محاسبة المستشفى ماليا وتحمل نفقات الخدمة الطبية المقدمة للمريض المرسل إليها، وبالفعل تم تنفيذ جزء لا بأس به من هذه الخطة في الهيئة العامة للتأمين الصحي، مؤكدا على التنسيق بين الإدارة رئاسته وإدارة العلاج الحر بالوزارة بفحص تراخيص المستشفيات الخاصة من عدمه، حال قبلت إحداها الدخول في منظومة شراء الخدمة الطبية وذلك فى محاولة من الوزارة لسد العجز فى الرعاية الحرجة حيث تقوم الوزارة بالتعاون مع المستشفيات الخاصة فى تقديم الخدمة بمقابل مادي.

قلة أعداد الأطباء 
من جهته، قال الدكتور محمد صلاح الدين زعتر، رئيس الإدارة المركزية لشئون المعاهد التعليمية بوزارة الصحة، إن السبب الرئيسي في أزمة وحدات الرعاية الحرجة ، المعروفة بالرعاية المركزة لدى الناس، هو قلة أعداد الأطباء العاملين في هذا التخصص، والذين يتخرجون من الجامعات دون خطط موضوعة تضمن كفاية احتياج سوق العمل لهذا التخصص، لأنه من المفترض أن يكون ثمة خطة واضحة ومدروسة لتخريج التخصصات العلمية المختلفة التي تحتاجها الدولة ومؤسساتها في سوق العمل، من أجل تحقيق التنمية المستدامة والنهضة المجتمعية والعلمية، لكن للأسف الشديد هذا لا يحدث، على حد تعبيره.

وأضاف زعتر في تصريح خاص لـ"بوابة الأهرام" أن من الأسباب الأخرى التي لا تقل أهمية عن سابقتها، هو الفارق المؤثر في تشغيل أطباء رعاية متخصصين بمقابل مادي قليل في الحكومة بالنسبة إلى المستشفيات الخاصة، وحلها كما قلت تخريج عدد أكبر من هذا التخصص الشحيح في سوق العمل الطبي ليتناسب ومتطلباته، ويسمح بوجود كفاءات مماثلة لتلك التي تفضل العمل في المستشفيات الخاصة والسفر إلى الخارج بسبب ضعف رواتبهم في المستشفيات الحكومية ، طبعا وضرورة زيادة المقابل المادي لأطباء الحكومة للمحافظة على بقائهم في مستشفياتها، على حد قوله.

وأكد أن أكبر نسبة إشغال في الرعاية هي في مستشفيات الحكومية، التي منها التعليمي مثل هيئتنا تلك، والتي يتبعها 24 وحدة علمية، منها 9 معاهد تعليمية و15 مستشفى تعليمي حكومي، وللعلم، فإن وحدات الرعاية الحرجة متوفرة في المستشفيات الحكومية وبأعلى جودة وتجهيز وأدوات متقدمة، ولكن لا يوجد العدد البشري من الأطباء والتمريض، الكافي لتشغيلها، حيث مريض الرعاية يحتاج إلى 3 فترات لرعايته على مدار الأربع والعشرين ساعة يوميا، وكذلك تخصص التخدير بها عجز صارخ أيضا، على حسب إيضاحه.

رواتب التأمين الصحي الشامل
أما الدكتور أحمد السبكي مساعد وزير الصحة للرقابة والمتابعة ومدير مشروع التأمين الصحي الشامل، فقد أكد في تصريح خاص لـ "بوابة الأهرام"، أن راتب طبيب الرعاية الحرجة المقيم غير الحاصل على درجة الماجستير لا يقل داخل منظومة التأمين الصحي الشامل عن 10 آلاف جنيه صافي الراتب بخلاف الاستقطاعات، والماجستير يصل راتبه إلى 16 ألف جنيه والحاصل على درجة الدكتوراه، فيصل راتبه إلى 26 ألف جنيه شهريا، كما لا يمنعون العمل في المستشفيات الخاصة ولكن في غير أوقات العمل الرسمية في المستشفيات العامة.

وأشار إلى أن هذه الطفرة العالية في رواتب أطباء الرعاية الحرجة على اختلاف درجاتهم العلمية والتي تحدد راتب كل منهم، تسهم في حلول جذرية لأزمة قلة أعداد أطباء الرعاية الحرجة ، وكذلك الحد من هجرتهم إلى العمل خارج مصر، وبخاصة دول الخليج وبريطانيا، التي أصبح لديها عجز صارخ في تخصص طبيب الرعاية الحرجة ، وقد سمحت لهم بالعمل لديها دون قيد أو شرط، مثلما كان يحدث في السابق.

لجنة صحة النواب
أما الدكتور عصام القاضي، وكيل لجنة الصحة بمجلس النواب، فقد أيد القول إن ثمة عجزا في أطباء الرعاية الحرجة ، بسبب قلة رواتبهم وعدم التخطيط الأمثل لتخريج هذا التخصص من كليات الطب بالجامعات الحكومية والخاصة، كما أوضح أن هناك عجزا أيضا بأعداد وحدات الرعاية المركزة في المستشفيات الحكومية أيضا فضلا عن قلة القوة البشرية في هذا التخصص على حد قوله.

وأشار إلى أنه من الضروري وضع جدول زمني محدد لتعديل لوائح وزارة الصحة بخصوص المقابل المادي لأطباء الحكومة من متخصصي الرعاية الحرجة وزيادتها بنسبة تسمح بالتوازن بين احتياجات الدولة من الأطباء والتمريض للرعاية الحرجة وبين احتياجات الأطباء والتمريض للمقابل المادي بما يكفل لهم حياة كريمة يستطيعون فيها القيام بأعباء حياتهم الأسرية، نظرا لأن هذا التخصص تحديدا لا يمكن لصاحبه فتح عيادة عناية مركزة مثل باقي التخصصات كالنساء والأطفال والعيون وغيرها.

ولفت إلى أنه مما يثبت العجز العددي في توافر وحدات الرعاية المركزة في المستشفيات الحكومية ، أنه هو شخصيا جهز مكانا يسع 12 وحدة رعاية حرجة في الرحمانية، ولكن لم يتم تجهيزها بالأسرة والأجهزة والمستلزمات الطبية اللازمة لإدخالها الخدمة.

وأكد في تصريح خاص لـ"بوابة الأهرام" أنهم في لجنة الصحة بمجلس النواب سيتم فتح ملف الرعاية الحرجة ووسائل توفيرها ودعمها لصالح تجهيز المستشفيات الحكومية بكافة الأجهزة اللازمة لخدمة المرضى وسد الفجوة الكبيرة بين مقابل المستشفيات الخاصة والحكومية.

وأشاد بمنظومة التأمين الصحي الشامل التي وجه الرئيس عبدالفتاح السيسي بتطبيقها في محافظة بورسعيد تمهيدا لتشمل باقي محافظات الجمهورية، والتي يصل التعاقد فيها مع أطباء رعاية متخصصين من 11 ألف جنيه إلى 26 ألفا، كراتب شهري، وهذه خطوة على طريق دعم المنظومة الصحية في مصر وإصلاحها على حد تعبيره.

ندرة المتخصصين 
فيما قال الطبيب عز الرجال جلال، المتخصص في الرعاية الحرجة والذي عمل فترة في مستشفيات وزارة الصحة كطبيب رعاية مقيم، إن أزمة توفير الرعاية للمرضى ليس العجز في وحدات الرعاية المركزة، كما يعتقد عامة الناس، ولكن الحقيقة هي أن الوحدات متوفرة في مستشفيات الحكومة وبأحدث الأجهزة والمستلزمات، غير أن الأزمة تكمن في ندرة المتخصصين من القوى البشرية، على اختلاف درجاتهم الطبية، ما بين طبيب رعاية مقيم وكادر التمريض من متخصصي الرعاية الحرجة من الراغبين في العمل في المستشفيات الحكومية ، وذلك بسبب الفجوة الرهيبة في المقابل المادي الذي تعطيه الحكومة لطبيب الرعاية وطاقم التمريض، وبين مقابل المستشفيات الخاصة، حيث مقابل الليلة الواحدة في رعاية المستشفى الحكومي للطبيب المقيم 60 جنيها وللتمريض 30 جنيها، وللطبيب السينيور، أي المشرف 130 جنيها، في حين أن المستشفى الخاص يعطي طبيب الرعاية الحرجة المقيم مقابلا يبدأ من 900 جنيه والتمريض 500 جنيه، والسينيور ألفي جنيه، وبالتالي هذه الفجوة الرهيبة تدفع طبيب الرعاية المتخصص إلى العزوف عن البقاء في المستشفيات الحكومية والإقبال على الخاصة لقاء المقابل المادي، ليستطيع تلبية احتياجات أسرته وتغطية نفقات شئون حياته الملحة، التي تلتهم الأسعار كل دخل الفرد فيها، على حد تعبيره.

فيما أشار إلى أن العمل في المستشفيات الحكومية أكثر فائدة للطبيب المقيم المعروف ب "الجونيور" في أوساط الأطباء، حيث يتعلم ويستفيد علميا ويصبح أكثر تمرسا فيها لتنوع الحالات وكثرتها، عنها في المستشفيات الخاصة، التي لا يقدر على التردد عليها سوى طبقة الأغنياء المقتدرين، لارتفاع الخدمة فيها عن نظيرتها الحكومية المدعومة من الدولة لصالح الفقراء غير القادرين.

وبسؤاله عن سبب ارتفاع أسعار الخدمات الطبية في المستشفيات الخاصة، أجاب قائلا: السبب يرجع إلى أن هناك خدمة فندقية في المستشفيات الخاصة في الغرف ولكن الخدمة الطبية المقدمة من حيث الأجهزة والمستلزمات الطبية لمريض الرعاية واحدة ولا تمايز فيها في الخاصة عن الحكومية مطلقا، وإلا نفقد المريض في الحكومية، وهذا لا يحدث نتيجة الإهمال الطبي أو قلة المستلزمات في الحكومية، بل بقدر الله في الأعمار فحسب.

وأضاف أن أعلى الأسعار حاليا موجودة في مستشفى دار الفؤاد، نظرا لأن طاقم التمريض هناك من الفلبين، وبالتالي رواتبهم مرتفعة وبالتالي الخدمة تكون على حساب المريض ذي النوعية المالية الخاصة المتردد على مثل هذه المستشفيات، وليس لامتياز في الأجهزة والمستلزمات الطبية.

واستطرد قائلا: لقد أعلن مستشفى معهد ناصر القومي عن احتياجه إلى أطباء رعاية مقيمين من غير الحاصلين على الماجستير، بمقابل مادي يبدأ من 1500 جنيه لليلة الواحدة، فلم يقبل أحد، بسبب تفضيلهم أيضا السفر خارج مصر إلى دول الخليج، التي تحتاج هذا التخصص لقلة ممارسيه، بمبالغ مالية طائلة، حيث يتعاقد المقيم هناك بمرتب شهري لا يقل عن 20 ألف ريال سعودي، أي ما يعادل حوالي 100 ألف جنيه مصري، وبالتالي فهو يفضل مصلحته.

فيما لفت إلى أن الضريبة الوطنية على الأطباء يجتهدون في أدائها قبل التميز والحصول على الماجستير، مع العلم و-الكلام له- أن هناك مستشفيات حكومية تتعاقد مع أطباء رعاية متخصصين من المعينين أيضا في الحكومة ولكن بمبالغ كبيرة أكثر من تلك التي يتقاضونها في مستشفياتهم المعينين فيها، فلماذا لا يكون هذا المقابل المادي الأكبر مقابل التعيين ويتم حل الأزمة؟ بحسب استفساره.

وأخيرا، أكد الطبيب عز الرجال، على منظومة التأمين الصحي الشامل التي بدأ تطبيقها في المحافظات قليلة السكان، مثل بورسعيد من أجل إنجاحها ثم تلافي معوقاتها في المحافظات الأكثر كثافة سكانية لاحقا، قد بدأت وزارة الصحة، التعاقد مع الأطباء المقيمين من غير الحاصلين على الماجستير في الرعاية الحرجة براتب يبدأ من 11 ألف جنيه وهذا شيء رائع وسيجعل العديد يعزف عن فكرة السفر إلى الخارج، حيث تتوافر له حياة كريمة يستطيع فيها القيام بأعبائه المعيشية تجاه بيته دون الحاجة إلى الغربة.