المذيعون الجدد و"فاترينة" العرض

11-10-2019 | 00:10

 

لكل شيء في الحياة ضوابط ومعايير نتبعها لتسيير أمورنا الحياتية والعملية والعلمية والاجتماعية إلخ، ولا يصح غض الطرف عن أي خلل يعترضها بطبيعة الحال، وإلا عمّت الفوضى واختلطت الأمور وفقدنا بوصلتنا في التفرقة بين الغث والثمين، وبين الصالح والطالح، فلكل شيء سماته التي تميزه وتجعله الاختيار النموذجي والأمثل في مجاله.


فعلى سبيل المثال: هل تستطيع أن تذهب إلى طبيب تحيطه الأقاويل بأنه طبيب فاشل؛ أو أشيع عنه أن أدواته الجراحية لا تحظى بالتعقيم والنظافة؟ بالتأكيد ستفكر عشرات المرات قبل أن تذهب إليه وتدفع (الفيزيتة) المقررة للكشف والجلوس بين يديه، فمهنة الطبيب مثلها مثل مهنة معلم أو محاسب أو مهندس أو سائق.

لكنني الآن بصدد التعرض لمهنة أخرى تختص بالذوق والحس الفني واللغوي للجماهير التي تجلس أمام الشاشات؛ أو تنصت إلى الصوت الذي يبثه الراديو أو المذياع بلغتنا العربية الرصينة، وهنا أشير إلى مهنة (المذيع) الذي يجلس خلف الميكروفون أو أمام الشاشات الفضية، وفي لغتنا العربية نجد أن كلمة “مذيع” أو إعلامي مرتبطة بالفعل؛ بمعنى الانتشار والإعلان والإعلام عما كان خافيًا أو غير معروف إلى عددٍ غفير من الناس، وعلينا أن نلاحظ الفارق بين المهمة المكلف بها من يتصدر لإذاعة نشرة الأخبار، وبين مهمة الوعاظ أو الخطباء الذين يعتلون المنابر للقيام بإذاعة ونشر القيم الدينية والعقائدية بالمسجد والكنيسة والمعبد؛ بغرض إثارة وتحريك الوازع الروحي في النفوس، أو ربما لمحاولة تحفيز الجماهير للإقدام على عمليات تحريك الماء الراكد في المجتمعات، أو تهدئة تلك العمليات؛ كلٌ بحسب المواقف التي يعتلون المنابر من أجلها.

وكان هذا مقبولاً قبل ظهور وسائل الاتصالات بالتكولوجيا الحديثة، فقد اختلفت وظيفة المذيع واختلفت الأساليب التي يتواصل بها مع المجتمع، فليس من المعقول أو المقبول أن يمارس وظيفة “خطباء المنابر” نفسها؛ واستخدام الأساليب الخطابية عينها التي تعتمد على الألفاظ الضخمة والفخمة واستعراض الصوت الجهوري في التعبير، واستخدام كل المقومات التي تتناسب فقط مع عالم الممثل المسرحي وما يصاحبه من إشارات باليد أو ملامح الوجه، وضرورة وصول صوته إلى آخر مقعد في صالة العرض، أما في المذياع فإن الخبراء يقولون عنه أنه وسيلة "عمياء"؛ بمعني أنها تعتمد على الصوت المنبعث عبر موجات الأثير؛ دون مشاهدة لانفعالات وجهه وتقاسيمه، ويتم التواصل عن طريق الصوت الذي يجب أن تتوافر فيه الشروط والمواصفات التي تشد انتباه المستمع، ليس للمعاني والمضامين فحسب، ولكن باشتراط حسن التعامل مع اللغة العربية بكل جمالها وجلالها وبهائها، وهذا هو الأساس في الإضاءة على هذا الموضوع الحيوي في عالمنا العربي.

ولذلك نشدد على أنه يجب على كل من يتصدى لقراءة النشرات الإخبارية؛ أن يكون صوته واضحًا وجهوريًا، لاسيما في إيضاح مخارج الحروف، وهذا يتأتي من إتقانه لقواعد اللغة العربية، ويجب ملاحظة أن هناك فارقًا كبيرًا بين المميزات المطلوبة للمذيع التلفزيوني؛ وتلك الواجب توافرها في المذيع عبر موجات الأثير في المذياع، وكذلك في الاختصاص، فمواصفات مذيع البرامج الرياضية تختلف عن المذيع لنشرة الأخبار، أو مقدمي البرامج وفواصل الربط بين الفقرات، فلكل مادة إذاعية أو تليفزيونية طابع خاص يستدعي علاقة خاصة بينها وبين مقدمها تختلف خلالها طريقة العرض والتقديم حسبما تمليه طبيعة المادة المذاعة.

وفي إطار هذه الإضاءة على واجبات ومقومات النجاح للمذيع /المذيعة، نشير بضرورة أن يكون محصنًا بثقافة عالية؛ مع الإلمام التام بمشكلات المجتمع والحلول المقترحة لها؛ ويمتلك القدر الوافر من الدبلوماسية في إدارة الحوار مع ضيوفه، وهذا يتطلب الحياد التام دون فرض رأيه الشخصي على محاوره؛ وضرورة أن يمتلك المخزون العالي من المعلومات الموثقة في كافة المجالات الحياتية الثقافية والفنية والسياسية والاقتصادية، لأنه في خلال مسيرته خلف الميكروفون أو أمام الشاشات الفضية ـ خاصة مقدمي البرامج ـ سيلتقي بالعديد من الشخصيات السياسية والفنية والإعلامية والعلمية، وهذا يتطلب أن يكون حاملاً لتأشيرة الدخول إلى تلك الساحات الشاسعة من الأفكار والمعارف، يلي ذلك القدرات الصوتية والنبرة المميزة التي تمتلك قوة التأثير بطبقة الصوت المناسبة لكل حدث وخبر؛ بحيث يستحوذ المذيع على أذهان ومشاعر كل من يصيخ السمع إليه؛ إضافة إلى التمتع بالمصداقية والشفافية التي تعبر عن توجهات القناة أو المحطة التي يمثل واجهتها؛ بل يصبح عنوانًا لها بدوام المصداقية للحصول على أعلى نسبة من الاستماع أو المشاهدة، وقد جرى العرف في وسائل الاتصالات الحديثة على الاعتداد بمؤشرات التتبع العددي للمشاهدة والاستماع؛ التي تعود بالنفع المادي على القائمين عليها، وتعد رسمًا بيانيُا لاكتساب المزيد من جمهور المستمعين والمشاهدين، خاصة في القنوات الإذاعية والتليفزيونية الرسمية، لأنها تكون بمثابة (فاترينة) العرض لتوجهات الدولة وأهدافها.

ولدينا نماذج كثيرة نتمثلها عند الاختيار من المذيعين المتميزين المنطبق عليهم شروط المهنية الفائقة أداءً وحضورًا يتمتعون بـ"كاريزما" تجذب المشاهدين والمستمعين فلن يكون الأمر صعبًا عند تطبيق ما نصبو إليه من معايير تضمن لنا وجود جيل جديد يطل علينا مقارنة بالمخضرمين الذين تبقيهم مهاراتهم حتى الآن ملء السمع والبصر برغم تقدمهم في العمر.

من هذا المنطلق، نهيب بالسادة القائمين على اختبارات واختيارات الجُدد من المذيعين؛ أن يتم الاختيار من العناصر التي تؤمن بمقدرات هذه المهنة وشرفها ومتطلباتها، وبعيدًا عن المجاملات والوساطات التي تضر بالمهنة والعاملين بها، فالمذيع ـ في تقديري ـ مصلح اجتماعي يقوم بتقديم رسائل على الهواء لجمهوره لتعليمهم وتثقيفهم والترفيه عنهم، فهو ضيف كل بيت في المجتمعات التي يطل عليها، والبيوت لا تقبل الضيف الثقيل، بالقدر نفسه الذي ترفض به الذهاب إلى الطبيب سيء السمعة معدوم المهارة فقير المهنية.

مقالات اخري للكاتب

حب الوطن

مازال صوت موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب يداعب أذني وأتمايل معه طربًا حين أتذكر تغنيه بالوطن ناشدًا لحنه الرائع.. حب الوطن فرض عليا.. أفديه بروحي وعنيا..

الثقافة.. لُحمة في نسيج التنمية المستدامة!

بات لزامًا علينا نحن أهل اللغة المشتغلين بها، أن ننشغل بقضايا تطورها ككائن حي يتطور دومًا بملاحقة كل المستجدات في عالم التكنولوجيا، ومتابعة تعريب كل المصطلحات

ثقافة الطفل المصري.. وتكنولوجيا المعلومات

أعرف منذ البداية في الحديث عن عالم الطفل الآن، أنني أدخل إلى عالم سحري مليء بكل المتناقضات والمفارقات التي لا تخطرعلى بال أحد، فأطفال اليوم ذو طبيعة شديدة

منظومة المجتمع الأخلاقية .. وموقف القوة الناعمة المصرية

تتنازعني عدة اتجاهات عند ضرورة الحديث عن "الأخلاق" في المجتمع، وتغلب على كتاباتي الطبيعة الأكاديمية بحكم اشتغالي في مجال البحث في الأدب واللغة العربية، ولكني أجد أنه لزامًا على قلمي ألا يكتب عن نظريات الأخلاق عند "سقراط" أو "أفلاطون" وحلم المدينة الفاضلة، أو عند "كانط" في علم الجمال،

القوة الناعمة مغناطيس الجذب.. وحماية الأمن القومي المصري

يبدو أنه لا مفر من مجاراة لغة العصر ومستحدثاتها شئنا أم أبينا!

#..الـ"هاش تاج"

في زمن الاحتلال الإنجليزي.. كان "اللورد كرومر" يُعد من الشخصيات العنيدة التي لعبت دورًا مهمًا في إدارة الإمبراطورية البريطانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والذي حفل بالمشكلات الناجمة عن كيفية إدارة تلك الإمبراطورية التي قيل إنها "لا تغرب عنها الشمس".