كلمة صدق.. "بيزنس" الثانوية العامة!

10-10-2019 | 22:17

 

بدأ العام الدراسي ومن قبله بدأ "بيزنس" الثانوية العامة.. عفوا أقصد مراكز الدروس الخصوصية المجمعة والتي تسمي بـ"السناتر" وقولا واحدا أؤكد أن الثانوية العامة أصبحت رسميا بيزنس مهما في العملية التعليمية لأصحاب المصالح، وهذا ما استشعرته من تجارب شخصية اضطرتني إلى التعامل بشكل غير مباشر كحال الملايين من المصريين للتعامل مع هذه المنظومة التي يختلط فيها الجانب التعليمي مع الجانب الاقتصادي الربحي، بعد أن غابت العملية التعليمية الحقيقية في المدارس؛ سواء الحكومية منها أو حتى الخاصة ومدارس اللغات أو الإنترناشيونال.

والسؤال الذي يفرض نفسه منذ عدة سنوات ولا يزال قائما لماذا توقفت أو تجمدت العملية التعليمية في هذه المحطة المصيرية والمفصلية التي تسبق مسألة العبور إلى مرحلة التعليم الجامعي، ولماذا باتت فصول الثانوية العامة في معظم مدارسنا خاوية من الطلاب؟ ولا أعرف ماذا يعمل المدرسون؟ ولماذا تغير مسارهم اليومي من المدرسة إلى السنتر؟ وهل التعليم الثانوي الرسمي أصبح متجمدًا لا يتطور ولا يواكب وسائل التعليم الحديثة؟..

وإذا كان الأمر كذلك فكيف تنجح السناتر في تقديم الخدمة التعليمية وتفشل المدارس التي خرجت تقريبا من هذه المنظومة؟ ولماذا يستخدم مدرس السنتر مع مساعديه - وعددهم كثر - أحدث الوسائل المبتكرة في توصيل وشرح المعلومة للطالب، وكيف يستخدم الطرق العلمية الحديثة في اختبار قدرات الطلاب وقياس مدى استيعابهم ولا يحدث ذلك في المدارس الرسمية أو حتى مدارس اللغات؟ هل يحدث ذلك بشكل مقصود وبفعل فاعل ولمصلحة من؟ وما هو الحل؟ 

منذ أكثر من شهرين تلقيت مكالمة على تليفوني المحمول من مدرسة ابنتي كان نصها كالتالي: (آلو حضرتك أستاذ ... والد الطالبة ... أجبت نعم ... نحن مدرسة ... أهلا وسهلا ... نريد أن نعلم سيادتك أن مصاريف هذا العام .... ولدينا عرض بخصم 10% لو حضرتك قمت بسداد كامل المصاريف والعرض متاح حتى نهاية الشهر فقط ...)

وكانت المكالمة قبل موعد بدء الدراسة بأكثر من شهرين، وسألت الموظفة أعرف أن الطلاب في الصف الثالث الثانوي لا يذهبون إلي المدرسة.. فلماذا تصرون على تحصيل المصاريف؟ وكانت الإجابة.. الصمت مع ابتسامة خجولة.. وجهت سؤالي هكذا ببراءة شديدة وعفوية برغم أني أعرف أنها مجرد موظفة تنفذ تعليمات مدير المدرسة أو مالكيها؛ لحث أولياء الأمور على سداد المصاريف الدراسية مبكرا..

والخلاصة كم من ملايين المصريين يدفعون ولا يحصل أبناؤهم على الخدمة التعليمية ثم يدفعون وهم مضطرون مرة أخرى للسناتر ليحصل الأبناء على تعليم حقيقي بأساليب حديثة ومبتكرة في بعضها.

وبعد عدة أيام أتصفح وأقرأ تصريحات رسمية في أحد الصحف حول تطوير العملية التعليمية وتطبيق أحدث الأساليب التعليمية، وفي صحيفة أخرى تطالعنا بإحصائية رقمية تقول إن لدينا في مصر 50 مليون مدرسة وإن عدد التلاميذ 20 مليونا، وهذا يعني أن لكل طالب مدرستين ونصف! وهو ما يؤكد حالة الانفصام التي نعيشها يوميًا.

لا أعرف تحديدا ما هو الحل! قد يرى البعض أن تخرج علينا وزارة التربية والتعليم بشجاعة وواقعية وتعترف بعدم جدوى ذهاب طلاب الصف الثالث الثانوي إلى المدارس، وتوفر على الملايين من أولياء الأمور"المطحونين" تكبد مصاريف بالملايين تذهب هباء، وتوفر على المدارس ميزانية أجور مدرسين لا يقومون بدورهم بسبب عدم حضور الطلاب، على وزارة التربية والتعليم أن تعترف بتعليم السناتر؛ لأن مدرسيها فقط هم من يقومون بواجبهم التربوي والتعليمي كما ينبغي، ولأنهم يتقاضون مقابلا مربحا للغاية بعدما انتقل التعليم في هذه السناتر إلي مرحلة العرض والطلب وهو ما يؤكد أن الثانوية تحولت إلي بيزنس موسمي يتم الاستعداد له بإتقان قبل العام الدراسي بوقت طويل وتقوم السناتر بتوزيع إعلاناتها المطبوعة على المارة في الشوارع ويتم الإعلان عن المدرسين وشعاراتهم مكتوبة على جدران الشوارع "حوت الكيمياء.. فليسوف الفلسفة..."
ووزارة التربية والتعليم التي تخصص الحكومة لها ميزانية تقدر بـ 130 مليار جنيه سنويا ويذهب منها 100 مليار إلى بند الأجور فقط، و تقف الوزارة مكتوفة الأيدى وتتعامل بأساليب روتينية قديمة مع ظاهرة الدروس الخصوصية والسناتر التي نجحت في سحب البساط من تحت أقدام المدارس وباتت تحظى بإقبال واسع من الطلاب وثقة أولياء الأمور تحت سمع وبصر المسئولين.

ياسادة انتبهوا الي هذه الحقيقة ولاتدفنوا رؤوسكم فى الرمال، علينا أن نواجه المشاكل التي تعرقل التعليم الرسمي الذى أنجب عظماء مصر والوطن العربي في مختلف المجالات، علينا أن نعترف أن الفجوة تزداد اتساعا يوميا بين مستوى التجهيز والإعداد بالسناتر مع مدارس الحكومة، لا أعرف لماذا لاتستعين الوزارة بتجربة السناتر وتحذو حذو مدرسيها المبتكرين والمبدعين في استخدام أحدث الوسائل التعليمية، خاصة وأني تفاجأت بأن معظم طلاب السناتر هم في الأصل مسجلون في مدارس لغات معروفة وعريقة ولا يذهب إليها طلاب الثانوية العامية إلا مرتين طوال السنة، المرة الأولى - وهم مضطرون - تكون من أجل سداد المصاريف، والثانية عند التسجيل لاستمارة امتحان نهاية العام.

في الختام.. ياسادة

اذا ما أردنا إصلاحًا حقيقيًا للتعليم علينا أن نعترف بهذا الواقع الذى نعيشه بحثًا عن خدمة تعليمية محترمة تبني أجيالا قادرة على قيادة مصر وتحمل المسئولية.

مقالات اخري للكاتب

لماذا لا يقرأ شبابنا الصحف؟!

عندما نبحث عن سبب عزوف المصريين عن قراءة الصحف بشكل ملحوظ ومتزايد في السنوات الأخيرة، ولكي نجد إجابة شافية على هذا السؤال فإننا نطرح عدة خيارات، هل لأننا

كلمة صدق.. أفسحوا الطريق للدراجات!

مبادرة حقا مهمة وملحة للغاية، تلك التي أطلقتها وزارة الشباب والرياضة بالدعوة إلى استخدام الدراجات الهوائية كوسيلة انتقال آمنة وصديقة للبيئة داخل المدن، وستوفر الجهات التنفيذية للمبادرة تسهيلات جيدة لكي يستطيع الشباب وكل فئات المجتمع امتلاك الدراجات بأسعار مناسبة وفي متناول الجميع.

مصر الرابح الأكبر

نعم مصر هي الرابح الأكبر في كل الأحوال.. فنيا وجماهيريا وتنظيميا وإعلاميًا وثقافيًا واقتصاديًا وسياحيًا وتسويقيًا.. هذه هي المكاسب التي تحققها أي دولة عند استضافة الأحداث الجماهيرية الكبيرة.. ودائمًا يبقى السؤال.. كيف سيتم استثمار مثل هذه المكاسب بعد انتهاء الحدث؟

الأكثر قراءة