بـ"تسلق الجبال" و"لم شمل الأسرة".. الصين تحتفل بعيد المسنين | صور

9-10-2019 | 12:28

الصين تحتفل بعيد المسنين

 

بكين – محمود سعد دياب

احترام كبار السن فضيلة تقليدية اعتاد الصينيون عليها، منذ قديم الزمان وحتى يومنا هذا، لدرجة أن شارع به سيل متدفق من السيارات من الممكن أن يتوقف بالكامل إذا ما مر رجل أو سيدة عجوز، حتى لو كان في وقت ظهور اللون الأحمر على إشارة المرور، أو من غير المكان المخصص للمشاة، فرغم الحداثة والتطور والتوسع في استخدام التكنولوجيا، وولع الأجيال الجديدة باتباع النموذج الغربي في الملابس وقصة الشعر، إلا أن الصينيين لا يزالون متمسكين بعاداتهم الشرقية التي تشبهنا في مصر وبلاد العرب، فتجد رغم كل ذلك احترام كبار السن خط أحمر لا يستطيع أحد تجاوزه.


وفي هذه الأيام تحتفل الصين بعيد المسنين والذي يطلق عليه محليا "تشونج يانج"، وهو الاحتفال المستمر منذ 3000 عام وحتى الآن، ويحظى دائمًا بتقدير رأس الدولة سواء كان في العهد الإمبراطوري أو العهد الجمهوري الجديد، حيث حرص الرئيس الصيني شي جين بينج على تحية المسنين في كافة أرجاء البلاد، معربًا عن أمنياته لهم بحياة طويلة وصحية وسعيدة، وذلك ردا على رسالة كتبها إليه 30 مسنا من ماكاو.

ويوافق عيد تشونج يانج، اليوم التاسع من الشهر التاسع وفقا للتقويم الصيني القمري التقليدي، واكتسب معاني الصحة الجيدة والعمر المديد، ويطلق عليه أيضا "عيد تحية المسنين"، وفي عام 1989، حددت الحكومة الصينية هذا العيد القديم ليكون يوم الشيوخ، وبذلك أصبح هذا العيد يوما يترجم احترام وتبجيل وإجلال كبار السن.

عادات موروثة
وتنظم خلال العيد منذ القدم، الكثير من الأنشطة للاحتفال به حسب العادات والتقاليد، تتضمن أنشطة تسلق الجبال والأماكن المرتفعة، والتمتع بزهور الأقحوان وتناول وجبة "توشنغ يانغ قاو" واحتساء نبيذ زهور الأقحوان، وغيرها الكثير.

واشتهرت قديمًا عادة الصعود إلى أماكن مرتفعة للوقاية من الأمراض الوبائية في ذلك اليوم الذي يأتي في نهاية فصل الخريف، والذي تنشط فيه الرياح والتي تحمل الأوبئة والأمراض وتنقلها من مكان لمكان، لذلك يسمى هذا العيد "عيد الصعود إلى الأماكن المرتفعة" أيضا، وكثير من الناس يصعدون إلى الجبال المشهورة أو غير المشهورة في هذا اليوم.

ويأكل الصينيون في هذا العيد طعام "تشونج يانج قاو"، وكلمة "قاو" تعني "مرتفع" في اللغة الصينية، حيث يطلب الناس البركة بهذه الكلمة، وهذا الطعام ليس له شكل محدد، ولكنه يتضمن أنواعا من الخبز المطبوخ بالبخار مكون من 9 طبقات دائما.

الصين تحتفل بعيد المسنين



زهور الأقحوان
وفي الصين أنواع كثيرة من زهور الأقحوان، كان الصينيون القدماء يحبونها كثيرا، وعيد تشونج يانج يأتي في الخريف وقت تفتح تلك الزهور، لذلك أصبح التمتع بزهور الأقحوان أحد النشاطات المهمة في هذا العيد، ويحب الناس أن يشربوا نبيذا يصنع من زهور الأقحوان في هذا اليوم، ففي العصور القديمة كانت النساء تضع زهور الأقحوان على رءوسهن كزينة، أو يعلقنها على الأبواب تجنبا للأشباح الشريرة.

السلطات الصينية منذ عهد الأباطرة يقدسون الكبير، واستمدوا تلك القيم من الفيلسوف كونفوشيوس الحكيم والمعلم الأول لهم، والتي سطرها في كتبه مثل "لي جي" الذي يشتمل على قواعد العلاقات الاجتماعية والأخلاقية وتراتبية العائلة التي أولى لها كونفوشيوس اهتماما كبيرا ونظم فيها طبيعة التعامل بين أفراد العائلة ولا يزال أثرها قائما حتى اليوم، وكتاب "شي جنج"، وهو كتاب أناشيد قام كونفوشيوس بإعداده، وشرح فيه مفهومه للحياة ومبادئ الأخلاق الفاضلة.

وقديمًا كان الأباطرة يرون أن احترام الكبير سوف يستتبعه احترام المواطنين لأي مسئول بداية من عمدة القرية حتى الإمبراطور، متخذين من مبادئ كونفوشيوس منهاجًا لهم، حتى أصبحت أفعاله وأقواله تشكل جزءا أصيلا من طريقة تفكير وتعامل الصينيين حتى اليوم، حيث شجع الصينيون الشباب والأطفال منذ القدم على اكتساب تلك القيم الموجودة في التعليم الأساسي، حيث وتجد (جزءا كبيرا) في المناهج من المرحلة الابتدائية وحتى الجامعة مخصص لعلوم الثقافة الصينية العريقة، وهو تخصص يتضمن دراسة لكتب كونفوشيوس وزملائه وتلاميذه، إضافة إلى أن الكثير من الصينيين يقومون بتتبع آثاره في كل مكان، ومن ذلك زيارة مسقط رأس كونفوشيوس، حيث يذهب معظم الصينيين لرؤية مقابر أفراد أسرة كونفوشيوس والاطلاع على الأماكن التي زارها ومعرفة الكثير من تفاصيل حياته، إضافة إلى اقتناء بعض الهدايا التذكارية.

وأظهر الرئيس شي، لفتة إنسانية كانت تلقائية في حفل توزيع جوائز نماذج القدوة الأخلاقية نوفمبر 2017، فعندما لاحظ عجوزين يقفان بصعوبة على مقربة منه وقت التقاط صورة جماعية للحضور، أوقف التصوير وتوجه إليهما قائلا: "تبدوان بحالة رائعة لا تقفا هكذا تفضلا بالجلوس إلى جواري سنوفر لكما مكانًا مناسبًا"، ليرتبك المشهد ويبحث الجميع عن مقعدين للعجوزين اللذين جلسا على يمين ويسار شي، وبعدها قال إن "ما فعله شيء طبيعي مما تعلمه في الصغر عن فضيلة احترام الكبير".

الصين تحتفل بعيد المسنين



وخلال المؤتمر الوطني الـ19 للحزب الشيوعي الصيني، قال شي: "بينما نستجيب على نحو استباقي لمسألة تقدم السكان في العمر، سنتبنى سياسات وسنوفر بيئة اجتماعية يحظى من خلالها المسنون بالاحترام والرعاية والعيش السعيد خلال سنوات عمرهم المقبلة."

والاهتمام بكبار السن، تحول من عادة مجتمعية إلى توجه دولة، تراعي البعد الاجتماعي في المقام الأول قبل التقدم الاقتصادي الضروري لتحقيق الرفاهية، فالحكومة الصينية تصر على الاستمرار في دفع رواتب ورعاية صحية مدعومة بالكامل لأصحاب المعاشات ممن يزيد عمرهم على 60 عامًا، رغم أن ذلك يثقل الموازنة العامة السنوية بكثير من الأعباء خصوصًا وإذا علمنا أن عدد المستحقين للمعاشات يصل إلى 250 مليون مواطن بنسبة 18% من إجمالي عدد السكان، ذلك الرقم المرشح للزيادة عام 2030 إلى 400 مليون ما يرفع النسبة إلى 35%.

بالإضافة إلى ذلك تلتزم الحكومة بتوفير شخص مرافق لقرابة 118 مليون مسن يعيش بمفرده، يساعده في الذهاب للمستشفى وقضاء مختلف المصالح، فضلا عن مساعدته في إدارة شئون الحياة مثل غسيل الملابس وخلافه إذا كان يقيم بمفرده، وتذكيره بمواعيد الدواء وكل ذلك مجانًا، كما أنشأت الحكومة جامعة للشيوخ لاستيعاب المسنين وتعليمهم الخط والرسم لتكون هوايات لهم تعطيهم زادا روحيا خالصا، حيث أكد المسئولون عنها في تصريحات لوكالة أنباء "شينخوا"، أنها ستعمل على دفع التطور المتوازن بين قضية كبار السن والتطورات الاقتصادية والاجتماعية لضمان مشاركة كبار السن في الإنجازات التي تحققها التطورات الاقتصادية والاجتماعية الصينية.

شيخوخة صحية
وفي العاصمة، زودت بلدية بكين كل حي بمكان فسيح يضم معدات لياقة بدنية، ما يسهّل على المسنين ممارسة الرياضة ويشجعهم على الخروج من المنازل والعزلة والتواصل في جو من البهجة والسعادة، وإذا تجولت في العاصمة ستجد مئات من تلك الأماكن، بها عشرات المسنين ممن يمارسون رياضات لياقة بدنية تؤكد أنهم يتمتعون بصحة أفضل من كثير من الشباب الذين يجلسون طوال اليوم على مكاتبهم. ويعد تشجيع المسنين على ممارسة الرياضة ورفع لياقتهم البدنية أحد توجهات الصين للتعامل مع شيخوخة السكان بشكل سليم وتحقيق هدف "شيخوخة صحية".

والحكومة الصينية لم تدر ظهرها لكبار السن فاقدي وشبه فاقدي القدرة الحركية، أو من يعانون من مشاكل صحية، حيث أنشأت عددا من دور رعاية المسنين، بواقع من 2 إلى 3 دور في كل حي سكني، بالمدن الكبيرة ودار واحدة في أحياء المدن الصغيرة، وكان موقع "شبكة الصين" الإخباري قد نشر تقريرا مصورا خاصا حول هذا الموضوع بعنوان "رعاية كاملة للمسنّين صحيّة واجتماعيّة وترفيهيّة" تناول الأوضاع داخل دار هوا يوان تسون، وهي إحدى دور رعاية المسنسن التي أنشئت في بكين عام 2014 وتخدم 5 آلاف مسن ممن تزيد أعمارهم على 65 عامًا.

وأوضح التقرير تنوع خدمات الدار المجانية من رعاية غذائية تتمثل في توفير الوجبات الثلاثة، "لأن المسنين لا يستطيعون التسوق"، إلى توفير أماكن لممارسة الرياضة وحدائق لرياضات التأمل واليوجا وأنشطة ترفيهية أخرى، وصولا إلى توصيل الخدمات إلى المنازل لمن لا يستطيعون الحركة والقدوم إلى الدار يوميًا، ودائمًا ما تشجع الحكومة رجال الأعمال على الاستثمار في قطاع خدمة المسنين وتأمين احتياجات كبار السن وضمان رعاية كاملة لهم، مقابل منح الحكومة لهم بعض الامتيازات الاستثمارية.

أنشطة العيد
خلال عيد كبار السن هذا العام، شهدت مدينة دهيانج التابعة لمقاطعة سيتشوان جنوب غربي الصين، أنشطة ثقافية متنوعة تتضمن إلقاء الأشعار التقليدية وعرض فن الدفاع الصيني عن النفس "تاي تشي"، وغيرها من الأنشطة الفلكلورية الأخرى التي تهدف لإظهار التقاليد والثقافة المحلية الخاصة بعيد "تشونج يانج".

وفي جبل باي يون شان بمدينة ووتشو التابعة لمنطقة قوانجشي الذاتية الحكم جنوب غرب الصين، توافدت حشود كبيرة من الصينيين لاستقبال العيد حيث تنافس الناس على الصعود إلى قمة الجبل لطلب الحظ الحسن والسعادة.

لم شمل الأسرة
ولأن عيد تشونج يانج يعد من القيم الأصيلة التي تضرب بجذورها في عمق ثقافة وتقاليد المجتمع الصيني، فتشهد القرى والأماكن البعيدة عن العاصمة والمدن الكبيرة عادة لم تنقطع منذ قديم الأزل، حيث يلتئم شمل الأسرة في ذلك اليوم، ويصطحب الأبناء آباءهم كبار السن في رحلات إلى الأماكن المفتوحة، تبجيلا لهم وتوفير جو من البهجة لهم ومنحهم فرصة ممارسة عادة الصينيين القديمة في تسلق الجبال والتي يتفاءلون بها حتى الآن، لأنها تبشر بطول العمر، ومن باب التفاؤل أيضًا، تأتي طريقة نطق يوم عيد تشونج يانج، 9-9 أو "جيو جيو"، نفس طريقة نطق الكلمة والتي تعني طول العمر.

وقد أقيمت فعاليات أخرى، أدى فيها كل الحاضرين، طقوس الاحترام والتقدير لكبار السن، كما قدم الأبناء زهور الأقحوان والخوخ اللذين يرمزان إلى العمر المديد وكعك عيد تشونج يانج للأجداد، بهدف تعميم الأخلاق الحميدة، حيث قال أحد المنظمين في تصريحات نشرها موقع إذاعة الصين الدولية، إن "طاعة الوالدين هي من جوهر ثقافة الأمة الصينية، وتتمثل في احترام كبار السن، ونأمل في تعميم أسلوب احترام كبار السن في المجتمع من خلال إقامة هذا النشاط".