"أخويا قتلني".. أنفاس الوداع على رائحة أقفاص الفاكهة

9-10-2019 | 01:14

صورة ارشيفية

 

مصطفى عيد زكي

في لحظة انفعال، قد يتحول الدم إلى مياه، وتصبح الحالة الجنائية لاثنين في أسرة ما بين "قاتل"، و"قتيل"، ومع تعاطي أحدهما المخدرات وسرقة الآخر لأمواله، يزداد الموقف تعقيدًا.


الشقيقان "خالد وكريم"، الأول من مواليد عام 1990، والثاني يصغره بثماني سنوات كاملة، بدأ خالد مشواره مع الحياة لكنه لم يكن له نصيب من التعليم، آثر العمل عن التعلم، كان في حاجة إلى المال للإنفاق على نفسه، وأخيرًا لم يجد أمامه سوي أقفاص الفاكهة التي يعرضها لأهالي منطقة المرج بالقاهرة، فيدفعون المال ويقدم لهم ألذ الثمرات.

"خالد" بعد أن اشتد عوده في أواخر عقده الثاني، نظر حوله فلم يجد سوى أنامل شقيقه الأصغر "كريم"، تلك الأنامل الرقيقة التي ساندها حتى قويت واشتد عصبها، متمنيًا أن يشتد عضده بأخيه في سوق الفاكهة، لكنه لم يكن يعلم أن تلك الأصابع التي أخذ بها، ستكون سببًا في مقتله بعد أن التفت حول رقبته بوحشية وفي لحظة انفجار خنقته بلاهوادة.

لم يدخر "خالد" في بداية مشواره مع الفاكهة جهدًا حتى كبرت تجارته، وازدادت نموًا بالتعاون مع شقيقه الأصغر، يجمعان جنيهًا فوق جنيه، يضعان المكاسب في جيوب جلاليب ريفية كانت لهما زيًا موحدًا، حتى اكتظ بالنقود وبدأ الثنائي يشعر بلذة الادخار، الذي بالتأكيد سيسهم في زيادة رأس المال اللازم لتوسيع تجارتهما من ناحية، ويكون لهما أيضًا سند في حال رغبة أي منهما في إكمال نصف دينه بالزواج من ناحية ثانية.

غير أن العادة السيئة بدأت تعرف طريقها إلى "خالد"، الذي ضل الطريق في منتصف المشوار، وتحول مع مرور الوقت إلى معول هدم بدلاً من أن يواصل مهمته الأصلية بأن يكون المنارة التي من المفترض أن ترشد شقيقه الأصغر في الطريق الصحيح، ليتبدل الوضع وتنعكس الآية ويصير "كريم" صاحب الـ21 سنة، هو الناصح الأمين لمن لامس سن الثلاثين سنة.

اعتاد "خالد" على تناول المخدرات، سهرة وراء سهرة و"شمة" تتبعها "شمة"، فلا مانع عنده من استنشاق "البودرة البيضاء السامة" أو شراء "كالم نايت"، و"كلوزابكس" تلك العقاقير المخدرة، صارت معركته الأساسية الغوص في بحر الضياع، لم يستمع لتوسلات شقيقه، حتى أصابه الوهن والضعف والتهمت تلك العادة القاتلة رصيده من المال، ليبدأ في البحث حوله متكئًا على شقيقه الأصغر طالبًا منه رد الجميل له بمنحه الأموال اللازمة ليشتري ملذاته.

"كفاية حرام عليك".. جاءت صرخة "كريم" رد فعل على المُدمن، لكن الأخير استمر في سكة "المخدرات"، وقف الشقيق الأصغر مذهولًا، أمام حالة الاستسلام التامة لـ"خالد" وتراجع إنتاجيته، حاول إعادته إلى الطريق الصحيح، ذكره بتلك الأيام الحالمة التي رسما فيها سويًا رغبتهما في السيطرة على سوق الفاكهة بالمرج، حاول تنشيط ذلك الجسد الخامل من آثار السموم المميتة بالأيام التي حملا فيها أقفاص الفاكهة بكل نشاط وهمة، لكن باءت المحاولات جميعها بالفشل.

استمر منحنى التراجع لدى "خالد"، وتحت نيران العوز للمخدرات، طالت يداه على أموال أخيه يسرقها خفية، تكررت الواقعة مرة وراء مرة، حتى اكتشاف الأمر، ليغضب شقيقه ويعاتبه، ويأتي الوعد من السارق ناطقًا بلسانه الذي يخرج خلف شفاه جافة أنه لن "يكرر الخطأ مرة أخرى"، لكن الوعد كان كاذبًا، حيث أخلفه "المُدمن" مع حاجته الشديدة لتهدئة عصبيته ومزاجه الحاد، وتحرك بعيونه الحمراء ليفتش متعلقات شقيقه حتى سرق نقوده مجددًا وخرج مسرعًا يبحث عن ضالته التي تعيد له نشوته وسروره.

اشترى "خالد" عقاقير مخدرة، وانزوى بين أقفاص الفاكهة المتواجدة في مسكنهما يتناول الـ"كالم نايت"، و"كلوزابكس"، وفي ظل غبطته، دخل شقيقه بعد يوم عمل شاق بمفرده، ليجن جنونه، وينفجر في وجهه، ليقابله برد فعل بطىء، وعيون زائغة، طالبًا منه الصمت التام، والتوقف عن وصلة التوبيخ لأنه لن يستطيع مهما حدث الإقلاع عن الإدمان.

جرى الدم في عروق "كريم"، وأمسك في جلباب شقيقه، ليجد أصابعه العشرة، تتسلل دون سابق إنذار حول رقبة أخيه، يضغط عليها بكل قوة، تدور في مخيلته أنه سيكون العقبة في تنفيذ أحلامه، وكلما تذكر تلك اللحظات التي استولى فيها على نقوده، يضغط بكل عزمه على العنق، لا يري فقط أمامه سوى مخاوفه من سقطات "خالد"، الذي بدا مستسلمًا خائر البدن بعد تناوله المخدر.

ثوانٍ قليلة حتى استفاق الشاب على سقوط شقيقه الأكبر بعد ما لفظ أنفاسه الأخيرة، واستسلامه لنداء الموت، ليجلس منهارًا على ركبتيه أمام الجثة، لايصدق أنه قتل ابن أبيه وأمه في لحظة تهور طائشة، ليميل قليلًا في اتجاه آذان "خالد" باكيًا طالبًا منه الاستيقاظ، ومع الصمت التام للضحية، تتساقط دموع الجاني، يحاول الخروج من المأزق.

وبينما ينظر حوله، وجد عبوات فارغة من الأقراص المخدرة، ليرسم خطته ويعتبرها طوق النجاة من المساءلة القانونية، ووضع سيناريو من تأليفه في محاولة الهروب، فاتصل على الفور بصديق شقيقه، باكيًا، "إلحقني ياماضي.. خالد أخويا بيموت.. أخد أقراص مخدرة وقاطع النفس"، ليهرع متلقي الاتصال إلى مسرح الجريمة، تسبق خطواته أماني الشفاء للمجني عليه، وبمجرد وصوله استغاث به الجاني وهو واقف على قدميه ممسكا بضحيته واضعا اليد اليمني لشقيقه على كتفه، طالبا منه أن يساعده في نقله إلى أقرب مستشفى.

لم يشعر "ماضي" أن قلب صديقه توقف عن النبض، ولم يكن في مخيلته أن تكون نهايته مكتوبة بيد شقيقه الأصغر، لكنه لعب بحسن نية الدور الذي رسمه له القاتل في حيلة التضليل وإخفاء معالم الجريمة، وليس دور المساعد في إنقاذ حياة الضحية ظنا منه أنه أفرط في تناول أقراص مخدرة، بناء على ما نقله له "كريم".

في مستشفى جراحات اليوم الواحد بالمرج، أخبر الجاني الطاقم الطبي أن شقيقه تعاطي جرعة زائدة من المخدرات وأن حالته حرجة، ومع الكشف الطبي أخبره الطاقم المختص أن "الحالة" لفظت أنفاسها الأخيرة، ليذرف دموع التماسيح في محاولة لاستجداء الشفقة، وتسهيل مهمة الحصول على تصريح الدفن.

غير أنه باستكمال الكشف الطبي تبين وجود آثار عنف حول الرقبة، عبارة عن سجحات، وبالتنسيق مع النيابة العامة والشرطة تم فحص الكاميرات بالمنطقة محل الواقعة ولم يستدل على صحة ما جاء بأقوال شقيق المجني عليه، وتبين تواجده صحبة المتوفى بمسكنهما في وقت معاصر لحدوث الواقعة، وبمواجهة "كريم" بالتحريات وتضييق الخناق عليه عدل عن أقواله، وأقر بأنه القاتل، وأن "ماضي" لا ذنب له.