46 عاما و"يحيى" في قلوبنا

7-10-2019 | 19:46

 

كان لي عم اسمه يحيى، وكان صائمًا وهو على جبهة القتال في السادس من أكتوبر 1973، ومع باكورة الصباح أصدر قائد كتيبته الأمر بالتحرك تجاه القناة، وواصل عمي صومه؛ برغم أن فتوى الشيخ على  جبهة القتال بجواز الإفطار، وحمل عمي "الشدة" وسلاحه الـ "آر بي جيه" على كتفه، ونزل عمي إلى الزورق بصحبة شرفاء مصر؛ ليكتبوا سيمفونية العبور الرائعة بصوت الله أكبر، وكان من أوائل من عبروا القناة، وتسلقوا خط بارليف الشاهق

بواسطة الحبال، وحين كنت صغيرًا كلما أذاع التليفزيون مشاهد العبور أتفقد بين وجوه الأبطال وجه عمي، حتى أصبحت عيني ترى وجوههم صورة كربونية لوجه عمي.

وطبقًا للتعليمات فور أن تطأ أقدام الرجال أرض سيناء لا يجلسون للاستراحة، وعليهم التقدم بسرعة لاحتلال أكبر مسافة ممكنة على الأرض، ثم بدأ عمي يحفر حفرة لكي يتحصن فيها، وهكذا كان يفعل رفقاؤه، وبعد الانتهاء من الحفر جلس لالتقاط أنفاسه، وما لبثت أن تطايرت قذائف العدو تجاهه وعلى المحيطين به، وأخذ بالضرب نحو أهداف العدو، ولم يمهل القدر عمي يحيى أن يتحصن داخل حفرته، وتخترق داخل رأسه طلقة، لتحفر اسمه في سجل من النور، ولترفعه عند ذي العرش المجيد، ويلقى ربه شهيدًا صائمًا، وليلحق بالرسول والصحابة و شهداء الوطن ، وذلك في مساء يوم السادس من أكتوبر، وجاءت تفاصيل رواية استشهاده على لسان زملائه ممن جاوروه في المعركة، وقالوا لوالدي إن حفرته التي حفرها في سيناء ليتحصن بها كانت قبره.

ومن ساعتها نشعر وكأن تاجًا من نور على رؤوس عائلتنا، وكان العزاء الوحيد لوالدي والأعمام على فراق شقيقهم الأصغر ابن الـ 29 عامًا، والحاصل على ليسانس الآداب في الفلسفة، وأخذت قصة عمي الشهيد ينقلها جيل إلى جيل إلى أن تشاء الأقدار.

وشاهدت البطل الضابط مهندس باقي زكي يوسف الذي توصل إلى تصميم مدفع مائي فائق القوة لدفع المياه؛ من أجل تحطيم وإزالة أي عائق أو ساتر ترابي في زمن قياسي قصير وبأقل تكلفة، وسرعان ما وافقت القيادة على تنفيذها، واستطاعت قواتنا المصرية العبور بمدرعاتها إلى سيناء من خلال فتحات الثغرات ب خط بارليف ، وقد وصفت وقتها وكالة اليونايتدبرس سقوط خط بارليف بأنه أسوأ نكسة عسكرية تمر بها إسرائيل في تاريخها، الذي قال عنه دافيد بن اليعازر إن خط بارليف سيكون مقبرة للجيش المصري، وكان الفضل في نكسة العدو يعود لله أولا ثم للبطل اللواء باقي الذي لقي ربه في صيف العام الماضي.

وسمعت كذلك عن فداء الشهيد عقيد طيار فاروق حمادة؛ أول من أسقط طائرة ميراج في حرب 67، وفي حرب 73 أسقط 6 طائرات، وفي آخر طلقاته أصيبت طائرته، وكان الهدف المحدد له ضرب خزانات الوقود للعدو في أبورديس لفك الثغرة، فما كان منه إلا أبلغ قيادته بالعطل، وأنه سيقتحم الخزانات بطائرته، وحدث الانفجار ومات شهيدًا، ومع مرور 46 عامًا ما زال عمي يحيى متربعًا في قلوبنا.

Email: khuissen@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

جهز جيشا وميراثه تسعة دنانير

ليس عيبًا أن تبدأ حياتها نادلة في مطعم، لتنفق على دراستها للفيزياء بالجامعة، ولكن ما تلبث أن تصبح زعيمة لأقوى الأحزاب الألمانية منذ عام 2005، وهو الحزب

كيف تعيش في أمان؟

وأول ما قال رسولنا القائد: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»؛ ولأنه لا ينطق عن الهوى ويعلم يقينا أن مكارم الأخلاق العلاج الوحيد الذي لا ثاني له لتماسك بناء

كلام في الميزان

قالوا زمان: "إللي يحسب الحسابات في الهنا يبات"، واليوم يستطيع الإنسان قياس عدد أنفاسه وهو يجلس على المقهى، ويعرف كيف يحسب درجة سعادته بالضبط، ويتاح له

حكمة قالها جيفرسون

حين يتحدث أحد الأدباء المؤسسين للولايات المتحدة وكاتب إعلان الاستقلال في 1776 لابد أن نستمع له بإنصات, وخاصة أنه كان أول وزيرًا لخارجية أمريكا ورئيسها

عشر دول تحتكر النظافة

تصيب الحيرة 34 مليون زائر عن سر حفاظهم على نظافة مبانيهم وشوارعهم بهذه الدرجة الفائقة, وكشفت الصحيفة الأسبانية "الكونفدنسيال" الغطاء عن سرهم, وقالت إن

لا تكرهوا أولادكم على الحرية الشخصية

قلت له من غير المقبول أن يعلق في أحد أذنيه حلقًا، ويرتدي بنطالًا وقميصًا كلاهما من موضة الجينز الممزق، ورد غاضبًا أبني له كامل حريته الشخصية، ولن أسمح

الأكثر قراءة