البرتقال بالملح والفلفل في شوارع برازافيل

7-10-2019 | 19:45

 

الأسواق بمختلف أنواعها في دول العالم ليست أماكن للبيع والشراء فقط؛ بل هي جزء أصيل من تكوين ثقافات الشعوب؛ فمن خلال عمليات البيع والشراء داخل أروقة تلك الأسواق تتعرف عن قرب على ثقافة كل شعب، وبالطبع هناك اختلافات كبيرة بين ثقافة الشعوب في عمليات البيع والشراء؛ سواء في إفريقيا أو آسيا أو أوروبا، وإن كانت هناك قواسم مشتركة تحكم حركة الأسواق في بعض المناطق؛ حيث نجد تشابهًا في بعض الصفات والثقافات لدى بعض دول جنوب شرق آسيا وأيضًا نجد ذلك التشابه في دول شرق وغرب إفريقيا؛ سواء في أسلوب البيع والتعامل مع الجمهور أو أسلوب عرض المنتجات.

وبرغم ذلك، فإن لكل دولة ما يميزها في أسواقها طبقًا لما تشتهر به من منتجات، ففي شوارع مدينة برازافيل عاصمة جمهورية الكونغو نجد عشرات؛ بل مئات الباعة في كل مكان يفترشون الأرصفة والطرقات؛ لبيع عدد من الفواكه يتصدرها البرتقال والموز بالطريقة الكنغولية المميزة؛ حيث يتم عرض البرتقال للبيع بعد تقشيره، ولكن بطريقة حرفية تجعل البرتقالة المعروضة تحتفظ بقشرتها الداخلية البيضاء حتى لا تتعرض للتلوث وهو أسلوب جديد – بالنسبة لي شخصيًا – في عرض البرتقال؛ حيث شاهدت عملية التقشير وكيف تتم، وجدتها صعبة للغاية، وتستغرق وقتًا حتى يتم إخراجها بصورة متقنة.

والمثير للدهشة أن من يقوم بهذا العمل الشاق السيدات والفتيات فقط، وعندما سألت عن السبب قيل لي إن السيدات لديهن صبر وطاقة تحمل أكبر من الرجال؛ فهن يشاركن الرجال في جميع الأعمال، بل إن بعضهن يتفوقن على الرجال في عدد من المجالات؛ حيث من السهل أن ترصد ذلك فالمرأة موجودة في كل مكان في الشوارع والفنادق والأسواق، خاصة أن أكثر الأسواق شهرة هي أسواق الملابس التي تشتهر بألوانها الإفريقية الزاهية، التي تمثل المرأة ركنًا أساسيًا في عمليات البيع والشراء بها.

والطريف أن عملية تناول البرتقال المقشر تعتبر جزءًا أساسيًا من حياة المواطن في برازافيل؛ حيث يتناوله يوميًا في الشارع خاصة بعد الظهر وحتى المساء، ولكن بعد أن يضع عليه كمية من الملح أو الفلفل حسب رغبته، فالنوعان متوافران لدى البائع؛ حيث إنهما مكملان لعملية البيع.

وفى نفس المكان، تجد الموز المعروض بأنواعه المختلفة، ولكن الأهم هو طريقة بيعه، فبالإضافة إلى الطريقة التقليدية نجد أن الموز يباع مشويًا أو مقليًا أيضًا، بل إنه جزء أساسي من تكوين المطبخ في جمهورية الكونغو؛ سواء في الغذاء أو العشاء ويقدم مع باقي الأطباق.

والأسواق هنا في برازافيل - وهي العاصمة وأكبر المدن الكنغولية - تعكس تمامًا الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد، التي يبلغ عدد سكانها 3,6 مليون نسمة تقريبًا، ومساحتها 342 ألف كيلو متر مربع، وتقع في إقليم وسط القارة ما بين كل من الجابون، والكاميرون، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وأنجولا ولها منفذ بحري مهم على المحيط الأطلنطي فهي في مجملها لا تتجاوز الأكشاك البدائية والمحلات البسيطة للغاية، التي تضم معظمها منتجات محلية الصنع إلى جانب وجود بعض المحلات أو الأكشاك التي تضم منتجات مستوردة، وبالتحديد من فرنسا لا تجد بها أي إمكانات لعرض تلك المنتجات برغم جودتها وسعرها المرتفع إلا أن عدم الإقبال عليها وضعف الإمكانات المتاحة جعل أصحاب تلك المحلات يكدسون البضاعة فوق بعضها البعض؛ سواء كانت "أحذية أو بدل" أو غيرها من المنتجات التي تجدها في شوارع ومولات الدول الأوروبية، ولكن بطريقة مختلفة تمامًا.

وثقافة البيع في برازافيل هي عدم الإلحاح أو التحدث مع المشتري أو الاقتراب منه عندما يدخل إلى المحل؛ بل يتم تركه تمامًا يتحرك كيفما شاء، وإن كانت المساحات ضيقة لا تسمح بحرية الحركة؛ حيث يمكنك أن تشاهد جميع السلع المعروضة من مكان واحد داخل المحل دون الحاجة لتغيير مكانك، وبالتالي فأنت تجد نفسك وجهًا لوجه مع البائع المتأهب للرد على استفساراتك إن وجدت، وعندما تشرع في الشراء فإن عليك اعتبار السعر الذي سوف ينطق به البائع مجرد كلمة استهلالية يبدأ بعدها ماراثون طويل من المفاوضات لا يعتمد على "شطارتك"؛ بل يعتمد على "سياسة النفس الطويل" مع البائع، وفي معظم الأحيان فإن البائع ينتصر بعد أن يشعرك أنك حققت ما تريد، واشتريت بالسعر الذي يرضي طموحك، وفي نهاية المطاف فإنك تشعر بأن أسواق برازافيل لها طبيعة خاصة، سواء في أسلوب العرض أو عمليات البيع والشراء داخلها، التي تعكس دون شك ثقافة الشعب الكنغولي، وجزءًا من ثقافة إقليم وسط إفريقيا.

telsonoty@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

خلط الأوراق في قضية مسلمي شنيجيانج

ليست المرة الأولى التي تثار فيها قضية مسلمي الإيغور- الإيجور- في مقاطعة شنيجيانج الصينية، ولن تكون المرة الأخيرة؛ بسبب استخدام تلك القضية كورقة ضغط سياسي من قبل عدد من الدول، في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا.

رسالة المصريين للعالم

رسالة المصريين للعالم

نهر الكونغو بين كينشاسا وبرازافيل

نهر الكونغو بين كينشاسا وبرازافيل

الرئيس وثقة الشعب

لم يكن المؤتمر الوطني الثامن للشباب أمس مؤتمرًا عاديًا؛ بل كان له طبيعة خاصة جدًا؛ فعلى الرغم من الموضوعات المهمة التي تمت مناقشتها خلال محاور المؤتمر

إفريقيا والبنية الأساسية

على مدار ثلاثة أيام من المناقشات والحوارات الجادة و المعمقة شاركت فى فاعليات ورشة العمل التى نظمها برنامج تطوير البنية الأساسية فى إفريقيا " بيدا " التابع

الحقيبة الضالة

عندما تكون من هواة السفر أو تدفعك ظروف عملك للسفر إلى وجهات مختلفة وبلدان متعددة سوف تدرك دون شك أهمية أن تصل حقيبتك إلى الوجهة التي تسافر إليها وقت وصولك،