إعجاز إلهي في قوله تعالى: "وأوحى ربك إلى النحل..".. أستاذ تربية نحل العسل: لغة النحل أقرب لتعبيرات الصم والبكم

8-10-2019 | 20:23

نحل العسل

 

حوار: حمادة السعيد

• الفطرة التي خلق الله سبحانه وتعالى النحل عليها لا تقارن بفطرة أي من الكائنات الحية الأخرى سواء كانت أصغر أو أكبر من النحل.


• للنحل قدرة فائقة على تحديد المسافات والاتجاهات ويؤديها بطريقة تلقائية روتينية فطرية موروثة (أي بناء على وحي الله له) بدقة لا تقارن إلا بتقنيات أحدث الأجهزة التي اخترعها الإنسان مثل الأجهزة الإلكترونية المختلفة والحاسبات الآلية والرادار والأجهزة الموجهة للقذائف والأجهزة الفلكية وأجهزة الموجات فوق الصوتية وربما غيرها.

• لغة النحل أقرب للغة الصم والبكم لوصف المكان ومصدر الغذاء وبعده عن مسكنه والوصول إليه.

• النحل لا يفسد الأرض التي يعيش فيها إذ لا يستطيع توسيع عشوشه مهما ضاقت عليه فلا يمكنه أن يحفر الصخر أو الأرض أو يثقب الأشجار أو يقرض المزروعات كما يفعل النمل وسائر الحشرات وكذلك بعض الطيور والحيوانات.

سيظل البحث في عالم النحل مستمرًا وفي كل يوم سيكشف العلم الحديث أسرارًا جديدة في هذا العالم المليء بالعجائب والغرائب التي لا يكاد يصدقها العقل البشري ليرجع سريعًا ويقف أمام قوله تعالى "وأوحى ربك إلى النحل" متأملًا وموقنًا بأن هذه الأسرار إنما هي منحة إلهية في جملة عطايا رب البرية للنحل، كما أنه عند مطالعة ما كُتب ولا يزال يُكتب يثير الدهشة والغرابة لهذا الاهتمام الكبير من جانب الباحثين، ولكنها تنقطع سريعًا عندما نتأمل ختام الآيتين اللتين تكلمتا عن النحل وهو قوله تعالى "إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون" وكما يقول أهل اللغة إن الفعل المضارع "يتفكرون" يفيد التجدد والاستمرار في ختام الآية لدليل واضح على أن البحث حول هذه الحشرة العجيبة سيظل مستمرًا حتى إن هناك من الباحثين من أكد بأن فناء هذه الحشرة من الوجود سيتبعه بسنوات فناء البشرية كلها.

الدكتور محمود عبد السميع علي أستاذ تربية نحل العسل - كلية الزراعة - جامعة عين شمس، خبير النحل السابق للمنظمة العربية للتنمية الزراعية- جامعة الدول العربية والخبير السابق بالمملكة العربية السعودية بدأ كلامه قائلا: مهنة تربية نحل العسل أحد المشاريع الزراعية المهمة، ونحل العسل حشرات اجتماعية تعيش في طوائف على أعلى مستويات الحياة التعاونية يؤدى فيها كل فرد عمله بإخلاص غريزي موروث وقد يضحى بحياته في سبيل الدفاع عن خليته. كما ورد ذكر النحل في جميع الأديان السماوية وفي العصر الإسلامي أصبح للنحل ومنتجاته مكانة عالية بعد أن نزلت في القرآن الكريم سورة سميت بسورة النحل إذ قال عنه الله سبحانه وتعالى: "وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ* ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). (النحل: 68، 69).

د. محمود عبد السميع: أستاذ تربية نحل العسل - كلية الزراعة - جامعة عين شمس

وفي هذا الوحي تكريم للنحل وتعظيم للخدمات التي يؤديها، ومعناها أن النحل يؤدي أعماله بوحي من الله سبحانه وتعالى. والوحي في هذه الحالة مقصود به الإلهام أي التصرف الذي يؤدي تلقائياً بدون سبب واضح وبدون قصد أو تفكير. فالفطرة التي خلق الله سبحانه وتعالى النحل عليها لا تقارن بفطرة أي من الكائنات الحية الأخرى سواء كانت أصغر أو أكبر من النحل وسواء كانت أدنى أو أرقى منه ومن المعروف أيضاً أن الله سبحانه وتعالى خلق الحيوانات الراقية بجانب الغرائز الفطرية الموروثة فيها مستويات متفاوتة من العقل تمكنها من تقليد بعض الحركات وتعلم بعض التصرفات، وأرقى درجات العقول قد أودعها الله في الإنسان. وكما ميز الله الإنسان على سائر المخلوقات بأرفع درجات النمو العقلي لكي يستعمر الأرض، فقد ميز النحل بوحيه وأمده بأرقى وأسمى الغرائز والطبائع التي تمكنه من خدمة البشرية. وفي الآيات السابقة مقارنة معنوية دقيقة بين العقل الذي خلقه الله للإنسان وبين الفطرة التي خلق النحل عليها لتأدية الأعمال التي ألهمه بها.

فبينما يؤدى النحل أعماله الاجتماعية من تغذية الصغار بطريقة غريزية تلقائية مثل أي من الكائنات المماثلة، وبينما يبدو أنه لا يستعمل عقله تحت الظروف العادية ولكنه يفكر فقط إذا تم إرباكه تجريبياً بنقله فجأة أو نقل مسكنه أو مصدر طعامه إلى مكان قريب مثلاً وفي هذه الحالة يستعمل عقله على أعلى مستوى من الدقة لكي يعود إلى الموقع الذي كان يقصده ولكنه إذا نقل إلى مكان بعيد فوق تصوره يبقى راضياً بالأمر الواقع.

ويواصل خبير تربية النحل كلامه: لكن قدرات النحل في البحث عن المسكن وتأثيثه بأقراص الشمع وكذلك في البحث عن الغذاء وتمثيله لكي يتحول إلى سوائل ضرورية لحياته وفي نفس الوقت شافية للناس فلا تقارن بتلك الإمكانات الموجودة في أي من الكائنات الأخرى علاوة على أن النحل هو الكائن الوحيد بعد الإنسان الذي يمكنه أن يحيط مجتمعه علماً بالأماكن البعيدة مثل مواقع السكن الذي يبحث عنه أو الغذاء الذي يجمعه بدون أن يصحب أن من أفراد مجتمعه (كما تفعل سائر الحيوانات الأخرى) وليس عن طريق الكلام كما يفعل الإنسان ولكن بلغة حركية ذات قدرة فائقة على تحديد المسافات والاتجاهات يؤديها بطريقة تلقائية روتينية فطرية موروثة (أي بناء على وحي الله له) بدقة لا تقارن إلا بتقنيات أحدث الأجهزة التي اخترعها الإنسان مثل الأجهزة الإلكترونية المختلفة والحاسبات الآلية والرادار والأجهزة الموجهة للقذائف والأجهزة الفلكية وأجهزة الموجات فوق الصوتية وربما غيرها مما سيخترع في المستقبل القريب أو البعيد؛ حيث تعبر النحلة العائدة من الحقل عن المسافة بحركات اهتزازية ذات سرعات مختلفة ولفترات محددة بكفاءة فوق قدرة الأجهزة الإلكترونية والحاسبات الآلية وعند ملامسة شغالات الخلية بقرون استشعارها النحل العائد تترجم حركاته إلى مسافات كما تفعل أجهزة الرادار.

د. محمود عبد السميع: أستاذ تربية نحل العسل - كلية الزراعة - جامعة عين شمس

كما يعتبر النحل الكائن الوحيد غير المكلف (ليس له مخ نام بالمعنى الحقيقي- فمخ النحلة لا يتعدى حجم حبة القمح أو حبة الأرز) الذي يستطيع أن يوصف بعد الإنسان، حيث يستخدم النحل لغة أقرب للغة الصم والبكم لوصف المكان ومصدر الغذاء وبعده عن مسكنه والوصول إليه.. الخ هذه اللغة تسمى رقص النحل أو لغة التواصل أو لغة النحل.
لماذا خص الله النحل بوحيه دون سائر الكائنات غير المكلفة؟

ثم يجيب الدكتور محمود عبدالسميع على السؤال المهم الذي يتبادر للذهن وهو هل فضل الله النحل على الأنعام وسائر الكائنات النافعة التي تمدنا بالغذاء والكساء وتساعدنا في التنقل وجاء ذكرها في مواقع كثيرة من الآيات القرآنية؟ قائلا: إن الله قد خلق لكل كائن نفعاً وميز النحل على هذه الكائنات في سلوكه وفي إنتاجه الشافي فقد كان وحيه سبحانه وتعالى إلى النحل في ثلاث خصال خاصة باختيار المسكن وجمع الغذاء لإخراج ما فيه شفاء للناس. والنحل لا يشارك الإنسان أو أي كائن نافع في هذه المظاهر الثلاثة، فمن حيث السكنى فإن نحل العسل في حياته البرية إما أن يبني أقراصه الشمعية معلقة تحت صخور الجبال أو أفرع الأشجار (أي في مكان لا يتناسب مع حياة أي كائن آخر) أو يبنيها داخل جحور تكون قد نشأت طبيعياً بفعل عوامل الزمن والظروف البيئية في الجبال والأشجار وهذه لا تكاد تصلح لسكنى أي كائن آخر سواء كان نافعا أو ضاراً إذ أن الجحر الذي يناسب النحل يكون واسعاً من الداخل لكي يبني فيه أقراصه ومدخله عبارة عن ثقب صغير لكي يتمكن من حراسته ضد المفترسات ولا يسمح بتسرب الرياح أو الأمطار إليه وبالإضافة إلى ذلك فإن النحل لا يفسد الأرض التي يعيش فيها إذ لا يستطيع توسيع عشوشه مهما ضاقت عليه فلا يمكنه أن يحفر الصخر أو الأرض أو يثقب الأشجار أو يقرض المزروعات كما يفعل النمل وسائر الحشرات وكذلك بعض الطيور والحيوانات.

والنحل لا يشارك أي كائن نافع في الطعام الذي يتناوله فإن غذاءه الطبيعي من رحيق الأزهار وحبوب لقاحها فإن لم يجمعهما النحل ذهب هباءً بينما الطيور وسائر الحيوانات النافعة تتنافس مع بعضها البعض على الغذاء بل إنها قد تشارك الإنسان أيضًا طعامه أو تشغل مراعيها الأرض التي يحتاجها الإنسان لإنتاج متطلبات حياته وعلاوة على ذلك فإن النحل حين تنقله بين أزهار النباتات لجمع الغذاء منها يعمل على تلقيحها لزيادة محاصيلها من البزور والثمار. ووحي الله للنحل يتمثل في سلوكه نحو الأزهار لأن الأزهار هي المصدر الطبيعي لغذاء النحل من الرحيق وحبوب اللقاح ونحل العسل هو أكفأ الحشرات في تلقيح الأزهار لإنتاج البذور والثمار. والميزة الثالثة التي خص الله النحل بها وأوحاها إليه فهي تحويل غذائه إلى مواد شافية متعددة لا تتوافر في مخلوق آخر سواء كان نباتًا أو حيوانًا.

كما جاء الكلام عن النحل في وحي الله للنحل مؤنثًا في المواقع "أَنِ اتَّخِذِي" ولفظه "ثُمَّ كُلِي" و"فَاسْلُكِي" لأن ما يقوم بجميع الأعمال في طائفة النحل سواء داخل أو خارج الخلية هي الإناث العقيمة المسماة بالشغالات، فهي التي تختار المسكن عند التطريد، وهي التي تجمع الغذاء من الرحيق وحبوب اللقاح وهي التي تخرج من بطونها المواد الشافية للناس (أما الذكور فلا تقوم إلا بالتكاثر عن طريق التلقيح مع الملكات العذارى). فهل للنحلة أكثر من بطن؟ وما هو الشراب المختلف ألوانه؟ كما جاء في قوله سبحانه وتعالى "يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ". هل الشراب المختلف ألوانه هو عسل النحل بألوانه وأنواعه المختلفة كما يعتقد كثير من الناس؟

الجواب لشغالة نحل العسل عدة بطون بعكس أي كائن من الكائنات الحية مثل الإنسان أو حتى الحيوانات الكبيرة مثل الجمل فله بطن واحدة، بينما لفظ " بُطُونِهَا" في النحل تعنى عدة بطون لفرد واحد (الشغالة)، وتعنى البطون في النحل في لغتنا الدنيوية بالغدد، فالشغالة النحل بطون (غدد) في الرأس تسمى غدد الغذاء الملكي وهي تفرز أهم الشرابات على وجه العموم وهو الغذاء الملكي ولها أيضًا أربعة أزواج من البطون (الغدد) تسمى غدد الشمع على جانبي البطن تفرز الشمع، كما أن للشغالة غدة توجد في نهاية الجسم تفرز أهم وأنفع الشرابات التي فيها شفاء للناس وهو سم النحل وهكذا. فلو كان المقصود في قوله سبحانه وتعالي شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ هو العسل فقط لجاء لفظ بطن وليس "بُطُونِهَا" وذكر هنا العسل تحديدًا بدلًا من "شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ".

د. محمود عبد السميع: أستاذ تربية نحل العسل - كلية الزراعة - جامعة عين شمس

فبوحي من الله سبحانه وتعالى يجمع النحل مادتي الرحيق وحبوب اللقاح من الأزهار فتتحولان في جسمه إلى سوائل مختلفة الألوان وهى العسل والغذاء الملكي وسم النحل وكلها تفيد في علاج كثير من الأمراض وكذلك الشمع الذي يخرجه النحل أيضاً على هيئة سائل يدخل في صناعات عديدة، كما يجمع النحل مادتي حبوب اللقاح والبروبوليس التي تستخدم في علاج كثير من الأمراض التي انتشرت في وقتنا الحالي. علاوة على ذلك تعود على النحال الماهر مبالغ طائلة من تربية ملكات النحل وتقسيم الطوائف ويعود على أصحاب الحقول المجاورة لمزارع تربية النحل أرباح إضافية نتيجة لتأثير النحل في تلقيح الأزهار مما يؤدى إلى زيادة إنتاج وجودة الحبوب والثمار. وصدق عز من قائل " وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ...".