أكتوبر السادس والأربعون

7-10-2019 | 19:49

 

الحرب كانت ومازالت تعبيرًا وطنيًا شديد التلاحم نحو تحقيق الهدف، وتزداد شرعيتها، خصوصا عندما يكون هذا الهدف مدعمًا بالحق ومُؤازرًا بالواجب؛ لذلك كانت أكثر الحروب اندفاعًا وتحققًا وشجاعةً الحرب العربية - الإسرائيلية الرابعة، حرب أكتوبر (تشرين) 73 على الجبهتين المصرية والسورية، وكانت الإجابة النهائية نصرًا ساحقًا بغض النظر عن مواقع القوات في اليوم الأخير للحرب، فقد كسبت أطراف الحرب أراضي هنا وهناك، لم تكن لديها وقت صدور قرار وقف إطلاق النار.


كانت إسرائيل قد هزمت تمامًا على الرغم من وجود قوات مشاكسة لها في الضفة الغربية لقناة السويس، فيما عرف باسم "ثغرة" الدفرسوار، وقوات أخرى ارتدادية في الجولان العربي السوري، في مدينة "القنيطرة و"جيب سعسع"، وصارت الثغرة والقنيطرة وجيب سعسع من الماضي بعد اتفافيتي فض الاشتباك الأول بين إسرائيل وكل من مصر وسوريا.

لم يحطم نصر أكتوبر فحسب نظريات الجيش الذي لا يقهر وخط بارليف الذي يحتاج إلي قنبلة نووية وإلى آخر ذلك من نظريات الرعب، إنما أنهى إلى الأبد فكرة أو حلم إسرائيل بأرض تمتد من النيل إلي الفرات، فالسراب الإسرائيلي بات واضحًا لأن إسرائيل فضت الاشتباك أولا مع القوات المصرية ثم باتفاقية السلام في كامب ديفيد، ولي ملاحظات سلبية عليها منذ توقيعها، إلا أن إسرائيل أقرت في الاتفاقية حدودها، أو ما تراه حدودها، وفي إجراء قانوني، وليس من بينها أي جزء يمت لنهر النيل بصلة.

أما أرض طابا وهي منطقة صغيرة الحجم جدا (كيلومتر ونصف)، فتم استردادها خارج كامب ديفيد بالتحكيم الدولي، وبالتالي هي لا تدخل في حسابات إسرائيل الكبرى.

وكما أوضح عضو فريق المفاوضات المصري في أزمة طابا الدكتور مفيد شهاب في محاضرة أخيرة في مكتبة الإسكندرية، فإن المستشار القانوني للوفد الإسرائيلي روزن شباتاي قال للوفد المصري على فنجان شاي في جنيف عقب إعلان التحكيم في سبتمبر عام 1988: "إحنا عارفين يا مصريين إن طابا مصرية، ولكن دخلنا التحكيم لأننا اعتقدنا أنكم ستفشلون فى الدفاع عنها".

فيما بعد حاول المحاضر في الجامعة العبرية في القدس مارتن فان كريفلد في كتابه "حرب المستقبل" (الألف كتاب الثاني ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1995) إقناع تلاميذه بعدم أهمية طابا للمصريين الذين لم يكترثوا يومًا بها، إلا بسبب أن إسرائيل تحتلها، وقال: إن مصر بذلت اعتبارًا من عام 1979 جهودًا دبلوماسية جبارة على مدي تسع سنوات من أجل استعادة طابا، وما هي إلا قطعة أرض تقع جنوب إيلات ولا يزيد طولها على نصف ميل من الصحراء المطلة على البحر، ولم يكن أحد يلقي لها بالا سواء في مصر أو إسرائيل قبل توقيع اتفاقية السلام بكامب ديفيد، وفجأة أصبح كل طرف يعتبرها من "المقدسات" الوطنية، حتى أن العديد من المقاهي في القاهرة اتخذت من "طابا" اسمًا لها.

نصر أكتوبر أغلق إلي الأبد فكرة "إسرائيل من النيل إلي الفرات" ووضعت العرب مرة واحدة أمام التحدي، وذلك بعد يأس بالغ امتد سنوات ما بين النكسة والنصر.. وفي الحقيقة وكما تابعت الكثير من برامج أخيرة تحدث فيها خبراء عسكريون، فإن التحدي بدا باكرا جدا، من معركة رأس العش في بورفؤاد في أول يوم من الشهر الذي تلا النكسة، إلي ضرب المدمرة "إيلات"، في نفس السنة، إلي حائط الصواريخ، والتدريبات على عبور الساتر الترابي في بحيرة قارون.. ثم استكمال الدفاعات والتطوير للهجوم بعد قبول مبادرة روجرز.. وبدء التهديد المصري الفعلي بالحرب.. لقد كان موعد الحرب فقط هو السر، بينما كل التصريحات السياسية تهدد بها لاسترداد الأرض والكرامة. ولم يعبأ أحد بـ"الظاهرة الصوتية" العربية، سواء في إسرائيل أو في الولايات المتحدة الأمريكية.

نصر أكتوبر أعاد تصويب الاجتهادات المهينة التي تصف العرب بالجهل والتخلف وعدم القدرة على التخطيط، لأن الغرب يعلم جيدًا أنه لولا التدخل الأمريكي المباشر في الحرب، لما تمكنت إسرائيل من المقاومة وتطوير رد فعلها إلي ما وصلت إليه.. والتدخل والذي كان واضحا للعالم هو في التصوير بالأقمار الصناعية والدعم بالطائرات والدبابات أسرع بكثير مما كان يأتي من دعم سوفيتي، لاعتبارات عدة مرتبطة باللوجستيات لدي القوتين الأعظم ولدينا، وليس لعدم جدارة سوفيتية. فقد حارب الجيشان المصري والسوري بالسلاح السوفيتي وحققا نتائج مبهرة.

وكانت الألوية العربية المقاتلة في طريقها، ومنها ما وصل بالفعل إلي جبهات القتال السورية والمصرية، وبدأت إسرائيل في مواجهة شبح هزيمة منكرة لا يمكن تقدير مستوياتها، لدرجة كتبت عنها مجلة التايم الأمريكية في ذلك الوقت أن الحكومة الإسرائيلية كادت في اليوم الرابع من الحرب أن تفقد صوابها وتأمر باستخدام القنبلة النووية ضد مصر.

وكانت إسرائيل تمكنت من إنتاج القنبلة النووية، وأصبحت جاهزة للاستعمال بحلول العام 1969، بعد تعاون امتد لأكثر من عشر سنوات مع الفرنسيين.

كل من يتذكر أكتوبر الآن يود لو أننا نستلهم روح أكتوبر في حياتنا اليومية..

مقالات اخري للكاتب

من أجل سوريا

​عودة سوريا إلى مقعدها في مجلس جامعة الدول العربية لن يعيد الاستقرار والسلام إلى سوريا في نفس اليوم؛ فالاستقرار في هذا البلد العربي المنكوب يحتاج إلى سنوات، ربما ضعف السنوات التي مرت على انهياره الأمني والسياسي والاقتصادي والمجتمعي.

مصر تعيد اكتشاف قدراتها

اكتشفت مصر قوتها وقدراتها خلال الأيام الماضية، وعرفنا إلى أي مدى كانت انطلاقتنا في التنمية مطمئنة إلى وعي جمعي بضرورة هذه التنمية، وأن أزماتنا الواضحة

الرقص مع الذئاب

أمضينا مساء الجمعة والساعات الأولى من صباح السبت نتجول ما بين شبكة "الجزيرة" وتوابعها التي تبث من تركيا، من ذئاب الفضائيات، لنتأكد من مزاعم المظاهرات التي تجتاح مدن مصرية.. ثم أنقذتنا الفضائية المصرية "إكسترا نيوز" ببث مباشر من ميدان التحرير يكشف سير الحياة بشكل طبيعي في الميدان.

مصر لا تجمد أحلامها

من الضروري أن يفهم المصريون على اختلاف درجات وعيهم، أن التوقف عن العمل والإنجاز، ليس فقط تجميدًا للحظة الراهنة، وإبقاءً للحال كما هو عليه، ولكن التوقف هو تأخر وتخلف عن الآخرين، وإضاعة للفرص، خصوصًا فرص تحقيق الحلم بالوصول إلى بلد قوي متقدم مرفوع الرأس يتسع للمصريين جميعًا.

أردوغان يعيد استخدام فزاعة اللاجئين السوريين

هدد رئيس تركيا رجب طيب أردوغان أوروبا بفتح أبواب بلاده أمام اللاجئين السوريين نحو مدنهم "في حال لم يقدم الاتحاد الأوروبي المساعدة الضرورية لأنقرة".

يبني قصرا ويهدم مصر

في عمارات وسط البلد في القاهرة، تتجلى القيمة الفعلية للجمال والذوق الفني والأصول المعمارية، وإذا كان المهندسون الأوروبيون هم من شيدوها بأوامر الحاكم، فإن