صحراء نينجشيا .. كيف تحارب لؤلؤة الصين الخضراء التصحر بسلاح الصبر| صور

6-10-2019 | 10:54

صحراء نينجشيا

 

نينجشيا – الصين – محمود سعد دياب

متسلحون بالصبر ومن خلال وسائل بدائية بسيطة وغير مكلفة، وفي مشهد قد يبدو خياليا، تجد آلاف المزارعين يعملون يوميًا في صحراء مقاطعة نينجشيا وسط غربي الصين ، تحت لهيب الشمس الحارقة خلال شهور الصيف الثلاثة وشهرين من الخريف، في مشروع ضخم يستهدف تحويلها إلى أراضي خضراء تجتذب السياح والطيور، وتعيد المكان إلى ما كان عليه قبل 2000 عام وقت أن كانت تلك المنطقة غابات كثيفة تحوي كل أنواع الطيور.


عبر دروب صحرواية ضيقة، سارت "بوابة الأهرام"، في رحلة استكملناها سيرًا على الأقدام، وسط صحراء ماووسو إحدى أكبر صحراوات نينجشيا حتى وصلنا لموقع المشروع على بعد 10 كلم شرق العاصمة ينتشوان، وهناك وجدنا الصبر فقط هو سلاح العاملين في المشروع مع حماس وهمة في معركة الانتصار على الصحراء التي تبلغ نصف مساحة نينجشيا، وتحيطها من 3 جهات بواقع 3 صحراوات كبرى هي صحراء ماووسو من الشرق، وصحراء أولانبوهي من الشمال وصحراء تينجر إلى الغرب.

الصبر هو السلاح الأكبر

"الصبر هو السلاح الأكبر"، هذه كانت أول كلمات واي مينج نائب مدير محمية بايجيتان الطبيعية في صحراء ماووسو في تصريحاته الخاصة لـ"بوابة الأهرام"، حيث أوضح أن عملية استصلاح تلك المساحات الصحراوية، عملية طويلة تحتاج إلى الصبر، مشيرًا إلى أن عملية الاستزراع تبدأ في منتصف فصل الربيع حتى بدايات فصل الشتاء لمدة 6 أشهر تقريبًا فيما يتوقف العمل في فصل الشتاء نظرًا لهطول الأمطار وأحيانًا الثلوج، حيث يتم زراعة أشجار قادرة على التكيف مع البيئة الجافة على عمق 4 امتار تقريبًا ويتنظر حتى هطول الأمطار، وخلال تلك الفترة إما تنجح التجربة وتنبت الأشجار بعد فترة من 7 : 8 سنوات وتصبح قادرة على الحياة دون ري، مستفيدة من مياه الأمطار والمياه الجوفية أو تفشل وتموت النبتة، لكي تعاد الكرة مرة أخرى .




تثبيت الكثبان الرملية

وعن طبيعة العمل، قال واي مينج إنه يتم تحديد مساحة تقدر بـ 1500 متر مربع من الصحراء يتم تثبيت الكثبان الرملية بها من خلال استخدام قش الأرز الجاف في صنع مربعات متساوية لمنع تحرك الرمال وقت الرياح، وزراعة الشجرة في المنتصف، مشيرًا إلى أن المنطقة تعوم على نهر من المياه الجوفية على بعد 4 امتار فقط تحت سطح الأرض، وذلك بسبب الأمطار التي تهطل في فصل الشتاء فضلا عن قربها من النهر الأصفر الذي يقطع نينغشيا من الغرب إلى الشرق، مضيفًا إلى أن الشجرة أحيانًا تبدأ في الإخضرار مستفيدة من المياه الجوفية أو تنتظر حتى هطول الأمطار، وأن نسبة 70% من الأشجار تنجح التجربة معها.

أهداف متنوعة

وأضاف أن هناك 10 أنواع من الأشجار تصلح للزراعة في تلك المساحات الصحراوية مثل الصنوبر والبلوط، وأن المشروع له عدة أهداف أولها وقف زحف الصحراء على المساحات الخضراء، والثاني التقليل من العواصف الرملية التي تهب من تلك الصحراء لكي تهاجم المدن الكبرى، والثالث تحويل تلك المساحات إلى غابات تصلح لزراعة مختلف المحاصيل والزراعات العطرية والفاكهة بما يطور من مقدرات المقاطعة الاقتصادية، مشيرًا إلى أن صحراء ماووسو هي أكبر الصحاري المتحركة حيث تبلغ مساحتها 40 ألف كلم مربع، وأنها تسببت قبل بدء ذلك المشروع في 2004 في تصحر مساحات كبيرة من الوادي حتى ضفاف النهر الأصفر، ولكن بعد العمل على مدار السنوات الماضية، نجحت عمليات الاستزراع الواسعة في تثبيت الكثبان المتحركة ومن ثم بدأت ملامح الحياة تعود للمنطقة المتصحرة حيث نمت الأشجار تدريجيًا.


 

هدف سياحي

وأشار واي مينج نائب مدير محمية بايجيتان الطبيعية في صحراء ماووسو، إلى أن المشروع نجح في إقامة عدة حدائق إيكولوجية، منها ما تم زراعته بالزهور والنباتات العطرية والعشبية بهدف تصدير إنتاجها للخارج واجتذاب السياحة، ومنها ما تمت زراعته بمحاصيل زراعية مختلفة ومساحات للفاكهة.

لؤلؤة الصحراء

وأضاف أن هناك هدفا آخر وهو تنشيط حركة السياحة الوافدة إلى نينجشيا ، واجتذاب السياح ناحية الصحراء للاستفادة من رحلات السفاري وزيارة الأماكن التي تم استصلاحها وتحولت إلى جنان خضراء، مشيرًا إلى أن نينجشيا ليست غنية فقط بتراثها الثقافي والمادي النابع من وجود العرب والمسلمين فيها منذ 1300 عام، ولكنها تحوي أيضًا مميزات أخرى.

وإذا قدر لك أن تمر من فوق نينجشيا بالطائرة، فسوف تجد مشهدا متناقضا ومتدرجا في الانسجام في نفس الوقت بشكل غريب، يمكن رؤية الكثبان الرملية الذهبية والأماكن المستصلحة، والنهر الأصفر والوادي الأخضر حوله، وتلك السلسلة الجبلية الشاهقة في الأفق، والسهول التي تتزين بالبحيرات على طول وجانبي النهر الأصفر مثل منتزه شابوه توه وبحيرة شاهو المسماة "لؤلؤة الصحراء" وموقع شويدونغقو الأثري الذي يعد صورة مصغرة من الحضارة الصين ية ما قبل التاريخ، هذا بالإضافة إلى مقبرة شيشيا الملكية، ومدينة الإنتاج السينمائي بغرب الصين التي كان لها الفضل في "جعل الإنتاج السينمائي الصين ي يصل العالم".

 


وقالت وسائل إعلام صينية ، إن صحيفة "نيويورك تايمز" قد أدرجتها ضمن 46 مكانا في العالم يستحق الزيارة، كما أن هيئة السياحة الصين ية صنفتها ككل على أنها ثاني منطقة سياحية تجريبية على مستوى البلاد. وفي الوقت الراهن تعمل حكومة المقاطعة ذاتية الحكم، على قدم وساق من أجل تسريع التنمية التي تدمج بين الثقافة والسياحة، وبناء قبلة سياحية خاصة بغرب الصين ، حيث إنك ستكتشف باختصار أن نينجشيا تدمج المناظر الطبيعية والطابع الإنساني المحلي مع طريق الحرير القديم.

شابوتوه منتجع المتاقضات

في منتجع شابوتوه، الواقع في محافظة تشونج وي غربي نينجشيا ذاتية الحكم لقومية هوي المسلمة، تجد الرمال الذهبية الصفراء تجتمع مع مياه النهر الأصفر في مشهد شديد التناقض، حيث يسير النهر الأصفر "وهو النهر الأم للصينيين" بهدوء بمحاذاة الصحراء، ثم ينحني على شكل حرف "S" مكونا منتجع شابوتوه وهو عبارة عن واحة ساحرة من صنع الخلاق عبارة عن مساحات خضراء مروية طبيعيًا من النهر الذي تقول عنه الحكمة الصين ية: "النهر الأصفر يربي نينجشيا" و"نينجشيا لؤلؤة خلف سور الصين العظيم".

 

قديمًا تغنت الأشعار ب صحراء نينجشيا ، فقد كان وانج وي الشاعر المشهور في أسرة تانج الملكية، قد نظم أشعاره في مدح تلك الصحراء ومشهد غروب الشمس الذي يدمج بين الصحراء والنهر الأصفر، وكان يقصد منتجع شابوتوه الذي يجمع بين جمال الصحراء وروعة النهر الأصفر، حيث يتمتع بالمناظر الطبيعية الفريدة والمشاهد الثقافية الغنية، ويرى خبراء سياحة عالميين أنه من الموارد السياحية الاستثنائية في العالم.

التزلج على الرمال

تعتبر التزلج على الرمال الرياضة المحببة لدي السياح من زوار منتجع شابوتوه، حيث يتزلج السائح عادة من قمة شابوتوه البالغة ارتفاعها 100 متر على الرمال الصفراء والناعمة، وبسبب موقعه الجغرافي الخاص والتكوين الجيولوجي المتميز، يكاد الصوت يصم الآذان، كما لو أن جنودا يلاحقونك.

عبور النهر بجلد الماعز
 

في منتجع شابوتوه أيضًا، موروث ثقافي مارسه أهل الصحراء قديمًا، وهو عبور النهر الأصفر باستخدام القوارب المصنوعة من جلد الماعز، والتي يطلق عليها "بايتشي" وتلك القوارب تصلح لفرد واحد فقط، أو فردين على الأكثر وهي تحمل نفس فكرة القوارب المطاطية، فهي عبارة عن جلود ماعز تم تجميعها بدقة ولصقها على أن يتم ملئها بالهواء ويمتطيها السائح ويعبر بها النهر.

شاهو بحيرة لكن رملية

من ضمن إحدى عجائب الطبيعة في تلك الصحراء بحيرة شاهو، وهي عبارة عن بحيرة رملية كبيرة على مساحة 45 كلم مربع مياهها ضحلة أقرب إلى المستنقعات، وتستمد مياهها من النهر الأصفر وترتبط بعدة بحيرات وأراضٍ رطبة أخرى، تعتبر موطنًا للعديد من السماك والطيور.  

حساء رأس السمك الكبير

"إذا لم تتناول حساء رأس السمك الكبير، فإنك لم تزر نينجشيا".. هكذا يقول الناس هناك، حيث يتراوح وزن هذا النوع من الأسماك بين 5:10 كجم ويرعي في بحيرة شاهو الرملية، ويعيش على الأعشاب والقصب وفضلات الطيور، لهذا السبب، يعتبر لحمه لذيذًا وطازجًا، وعند طهيه يسمى الحساء المرافق له "ذهب الدماغ" لأنه غني بالكولاجين والفيتامينات وغيرها من المواد الغذائية، ولهذا يقدم عادة لتكريم الضيوف والقادة الصين يين القادمين إلى نينجشيا، حتى أصبحت طبقا مشهورا انضم إلى المأدبة الرسمية لتكريم الضيوف من مختلف أنحاء العالم.                  

الأكثر قراءة

مادة إعلانية