مفهوم الفوضى الخلاقة

5-10-2019 | 17:22

 

يعتبر مفهوم الفوضى الخلاقة من المفاهيم القديمة والحديثة معًا؛ بل وأتوقع استمراره في المستقبل؛ لأنه يرتبط بطبيعة النفس البشرية لدى بعض البشر، ويرتبط بالأطماع البشرية منذ بدء الخليقة، وقتل قابيل لأخيه هابيل؛ فالمؤامرة موجودة وسوف تظل في حياة البشرية.


وهذا أدعى للدراسة والاحتياط والاستعداد للتعامل مع مثل هذه المؤامرات، خاصة أن معظمها يتكرر بنفس السيناريو، وكثيرون لا يتعلمون من ذلك، ولا يلدغ مؤمن من جحر مرتين.

ونعود للتاريخ القديم لمصطلح الفوضى الخلاقة؛ حيث تعود جذوره إلى الفكر الماسوني بهدف إحداث تغيير متعمد لتغيير أوضاع محددة، وفى أماكن معينة؛ لتحقيق مصالح الفكر الماسوني، وهو فكر غامض لحد كبير، ويصعب الاتفاق حول هذا الفكر أو هذه المنظمة التي تعمل عادة من خلف الستار، وما يتردد عنها أنها منظمة سياسية واقتصادية سرية تسعى للسيطرة على العالم من خلف الستار، وينتقدها معظم رجال الدين الإسلامي والمسيحي؛ ولذلك يشير البعض إلى أنها تنظيم صهيوني في الأساس، وكلمة ماسونية تعني بالإنجليزية هندسة.

وفى عام 1723م كتب "جيمس أندرسون" دستور الماسونية في نحو 40 صفحة؛ يقول فيها إن الماسونية هي امتداد للعهد القديم من الكتاب المقدس، وإن اليهود الذين غادروا مصر مع سيدنا موسى هم الذين شيدوا أول مملكة للماسونين.

والماسونية تضع شروطًا محددة لمن يريد الانضمام إليها، ثم تصنف العضوية بداخلها إلى رتب أو درجات من أسفل إلى أعلى؛ حسب الطاعة والانضباط داخل الجماعة ورضا القيادات العليا، وبعد ذلك تشكل الماسونية جماعات نوعية سربة تتبعها في العديد من أنحاء العالم؛ فمثلا الكاتب الكبير عباس محمود العقاد كتب في جريدة الأساس عدد يناير 1949 أن "حسن البنا" مؤسس جماعة الإخوان المسلمين جذوره يهودية من المغرب جاءوا إلى مصر مع الحرب العالمية الأولى، وأن "حسن البنا" يتبع الماسونية العالمية، كما ذكر الشيخ محمد الغزالي في كتابه موكب الدعوة 1952 أن الماسونية العالمية نجحت في تولي الهضيبي قيادة الجماعة؛ بل وهناك العديد من الأعضاء الآخرين داخل جماعة الإخوان ماسونين، ويتبعون الماسونية العالمية، وسيد قطب نفسه اعترف في مقال له عام 1943 في مجلة التاج المصري بتاريخ 23 أبريل بعنوان "لماذا صرت ماسونيًا" كل هذه حقائق يسهل متابعة تفاصيلها على "جوجل" لمن يريد التفاصيل، كما يلاحظ تشابه نظام الرتب داخل الجماعة.

وهذا يثير تساؤلًا عن "داعش" وغيرها من المنظمات المشبوهة، ولكن الماسونية العالمية يقال إنها تسيطر على كثير من شئون المال والبورصات والبنوك والإعلام وتجارة السلاح، وبعد ذلك نجد أن مفهوم الفوضى الخلاقة ظهر مرة أخرى في كتابات ميكافيللي في كتابه الشهير "الأمير"؛ حيث قال إن الشجاعة تنتج السلم - وإن السلم ينتج عن الراحة - وإن الراحة يتبعها فوضى – والفوضى تؤدي إلى الخراب - ومن الفوضى ينشأ النظام – والملاحظ أن ميكافيللي يرى أن الفوضى ستنتج خرابًا سيترتب عليه تغير النظام القائم، ونشأة نظام جديد.

وفي العصر الحديث ظهر مفهوم الفوضى الخلاقة مع السياسات الأمريكية المعاصرة في الشرق الأوسط، ويعتبر مايكل ليدن - وهو أحد أعضاء معهد أمريكا إنتبرايز المختص بالدراسات القومية والأمن القومي - أول من تناول مفهوم الفوضى الخلاقة والتدمير البناء في المجال السياسي صراحة، وهى الفكرة الأساسية لمشروع تغيير الشرق الأوسط الذي تم إعداده في 2003، وذكرته صراحة كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية سابقًا؛ حينما ذكرت أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها خطة لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط؛ من خلال الفوضى الخلاقة؛ للتخلص من النظم الديكتاتورية في المنطقة.

ومن العرض التاريخي للمفهوم؛ سواء في مرحلة النشأة أو العصر الحديث تتضح العلاقة وكثير من الأسرار والتفسيرات الواضحة، وإذا بحثنا في اللغة العربية عن معنى المصطلح نجد أن كلمة فوضى في "مختار الصحاح" تعني عدم وجود رئيس أو قائد فهي تعني متساوين؛ أي لا رئيس لهم أو بينهم، ومن هنا تأتي جملة شركة المفاوضة، والمعنى العام مجموعة ليس لها رئيس، وهذا بدوره يؤدي للصراع والنزاع والغرق، والمثل الشعبي يقول المركب التي ليس لها رئيس أو لها رئيسان تغرق، كما أن الجماعة التي ليس لها رئيس أو قائد تعاني من الارتباك والتشتت وعدم الانتظام.

وهذا ينطبق على الأفراد والعائلات والوطن؛ بل هذا ينطبق على الوطن الكبير أيضًا؛ والمثال وطننا العربي غياب مصر عن القيادة بعد "كامب ديفيد" سمح بنجاح كل مشروعات الفوضى الخلاقة؛ التي فشلت في الستينيات؛ مثل تهديد عبدالكريم قاسم حاكم العراق بغزو الكويت، وتهديد إيران بغزو العراق، وتهديد تركيا لسوريا، ومشكلات لبنان الداخلية، كل هذه المشروعات فشلت؛ حينما كانت مصر تقود ثم نفس هذه المشروعات نجحت بعد ذلك؛ لغياب مصر عن القيادة.

كانت هذه مقدمة عن مفهوم الفوضى الخلاقة.. وللحديث بقية بمشيئة الله..

مقالات اخري للكاتب

خطوات الفوضى الخلاقة ومجالات استخداماتها (2)

إرساءعرضنا في المقال السابق جذور فكرة الفوضى الخلاقة، والتي ترجع للماسونية العالمية، وهي منظمة سرية تتبع الصهيونية العالمية ويتفرع من هذه المنظمة أو يتبعها

المصريون بين المحافظة والتجديد والمركزية (9)

نتناول في هذا المقال ثلاث قضايا مهمة في تاريخ مصر، الأولى هى قضية المحافظة على القديم وخاصة في الجانب المادي من الثقافة، ثم قضية التجديد في الشخصية المصرية

القرية المصرية بين الماضي وتحديات المستقبل (8)

تمثل القرية النواة الأولى للمجتمع وللآن يسكن الريف أكثر من نصف السكان ومن هنا تبرز أهمية دراسة التحديات التي تواجه القرية من خلال دراسة المستجدات المعاصرة،

روابط الطبيعة والتاريخ في وادي النيل (7)

هناك أسس طبيعية وتاريخية تربط وادي النيل، ولذلك فالوحدة في وادي النيل أمر طبيعي قضت به ظروف البيئة منذ أن بدأ الإنسان يستقر على جوانب النيل، ولذلك سارت

حقوق العلماء حق مجتمعي

​هناك حقوق شخصية وحقوق فئوية وحقوق مجتمعية، وبالطبع لكل فرد في المجتمع حقوقه وواجباته نحو مجتمعه، ولكن هناك أولويات بمعنى أن هناك حقوقًا أساسية لها الأولوية؛ لأنه تنبثق عنها وترتبط بها حقوق أخرى أساسية لجميع أفراد المجتمع، ووجود أي خلل أو نقص في هذه الحقوق ينعكس سلبيًا على جميع أفراد المجتمع.

الفيضان وأثره في حضارة مصر (6)

للفيضان أثره في حياة المصريين بداية من تربة مصر فهي هبة الفيضان، والزراعة المصرية بوجه عام تعتمد على مياه الفيضان، وبالطبع كان للمصريين دور كبير في تهذيب