#..الـ"هاش تاج"

3-10-2019 | 21:10

 

في زمن الاحتلال الإنجليزي .. كان " اللورد كرومر " يُعد من الشخصيات العنيدة التي لعبت دورًا مهمًا في إدارة الإمبراطورية البريطانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والذي حفل بالمشكل

ات الناجمة عن كيفية إدارة تلك الإمبراطورية التي قيل إنها "لا تغرب عنها الشمس".

وهو الذي لعب دورًا محدودًا في الإدارة الاستعمارية في مستعمرات إنجلترا بالهند، وكان له الدور الأكبر في مصر؛ حيث قدر له أن يضع قواعد الوجود البريطاني فيها بالشكل الذي جعله الحاكم الحقيقي لمصر منذ 1883 حتى 1907، ونجح بالمكر والدهاء في تحقيق وتطبيق النظرية الاستعمارية الجهنمية "فرِّق تسُد" بين أفراد الشعب المصري؛ بل إنه إمعانًا في فرض سياسة التهميش للشعب المصري - والتقليل من قدراته وقمعًا لحريته - أن أشاع مقولة يتهم فيها هذا الشعب العظيم بأنه "شعب مزِّيكا تلمُّه.. وعصاية تجعله يجري"!

وأخشى ما أخشاه في وقتنا الحاضر؛ أن تكون هذه المقولة الجائرة في حق الشعب المصري؛ مازالت تنطبق عليه ـ كشعب مُسالم ـ في إعطاء مصداقيته وثقته؛ لكل ما يصدَّر إليه من مقولات أو شائعات في هذا العالم "الإسبرنطيقي"؛ المعروف بالشبكات العنكبوتية للتواصل الاجتماعي.

هذه الشبكة التي تعتمد عليها أجهزة المتابعة والرصد في الدول الغربية التي تصنع وتدير وتهمين وتراقب هذه التكنولوجيا المتقدمة؛ من أجل إعداد الإحصائيات اللازمة لقياس مدى التفاعل الإيجابي أو السلبي للرأي العام عن حدثٍ (ما) في أي بقعة من العالم الذي يجلس خلف الشاشات، ويستخدم هذا الفضاء المفتوح.

ويجب ألا يفوتنا أن ننتبه جيدًا إلى مكر ودهاء هذا "الغرب" الذي لا يأتي منه ـ غالبًا ـ ما يسُر القلب! بحسب رأي رجل الشارع المصري في أمثاله الشعبية المتداولة؛ والتي صاغها نتيجة خلاصة تجاربه المريرة مع هذا الغرب وذيوله المتربصة لكل إنجازاتنا الحديثة والحضارية من أجل التقدم والحرية، حتى قبل أن يأتي هذا اللورد "كرومر" ليبث سمومه عن شعب مصر.

ومن الضروري؛ وبخاصة فيما يعنينا بشأن الواقع المصري الحالي؛ وسط خضم تلك الموجات العارمة من عناصر الجماعات المناوئة للتوجهات الوطنية؛ التي تحاول أن تضرب بعنف وبلا هوادة شواطئ الاستقرار والانطلاق نحو التقدم، فإنه يجب ألا يغيب عن الأذهان والعقول المستنيرة: أنه ليس كل ما يلمع ذهبًا! وعلى أصحاب العقول الواعية بتلك الألاعيب الملتوية؛ أن تقوم بـ "فلترة" كل ما يصل إليها من إشعارات تحمل في طياتها سموم الكذب والادعاء.
فقد دأبت اللجان الإلكترونية التابعة لتلك العناصر المخربة في عالم الميديا وشبكات التواصل الاجتماعي؛ على بث ما يسمَّى بالـ "هاش تاج"؛ الذي يحتوي على إشعارات ينجرف خلفها الرأي العام، ويبدأ الأفراد بنشرها على الأصدقاء في متوالية لا تنتهي عبر الشبكات العنكبوتية؛ ومنها على سبيل المثال لا الحصر: "حلب تحترق"، "انهيار قيمة العملة المصرية"، "الغياب القسري للشباب"..... إلخ، بهدف بلبلة الأذهان وخلخلة دعائم الاستقرار داخل المجتمع المصري، ويتم الرمز للـ"هاش تاج" بأي كلمة أو عبارة يسبقها رمز # لتمييز النص التالي لها ولفت الانتباه إليه، وهو يساعد أيضًا في انتشار المعلومات بسرعة الصاروخ، كما يساعد في سرعة وسهولة الوصول إليها.

وللأسف الشديد.. تجد هذه الحملات طريقها إلى من يأخذها ـ سواء بقصد أو بسلامة النيَّة ـ على محمل الجد ويروِّج لها عبر الصفحات؛ دون التحقق من صحتها أو معرفة مصدرها، فتنتشر بما لها من صدى مؤثر في الوجدان الشعبي؛ دون البحث عن المصداقية وضرورة استقائها من وسائل الإعلام الرسمي ة في الدولة، فهذا واجب وطني تحتمه الأصول والأعراف.

وعلينا الآن أن نأتي إلى القول الفصل في هذه المعضلة الشائكة التي تحيط بحياتنا؛ ولسنا دعاة إلى العزلة والانغلاق والتقوقع حول أنفسنا؛ أو الانفصال عن أخبار العالم الخارجي وأخبارنا الداخلية؛ وفي الوقت نفسه لا نجنح إلى الانفتاح "سداحًا مداحًا" لكل ما تقع عليه عيوننا من إشعارات هذه الخلايا غير المنضبطة في توجهاتها ومقاصدها، والتي تجتهد في تجميل الصورة وعجنها ببعضٍ الغلاف الشفاف من الحقيقة حتى تسهِّل علينا ابتلاع هذا "الطُّعم" المسموم؛ وساعتها سنكون تمامًا مثل السمكة التي بلا ذاكرة!

الواجب الوطني في تلك المرحلة من عُمر الوطن؛ يحتم علينا توخي الحذر في استقبال وتذوق محتوى هذه الإشعارات القادمة عبر هذه الشبكات غير الموثوق في غالبية ما تنطوي عليه، فالتذوق لما يغذي العقول والأفهام ويعود بالفائدة على الوطن والمواطن؛ أجدى وأنفع من تذوق ما يغذي البطون والأجساد، وحتى لا يتحول هذا العالم الإسبرنطيقي من نعمة للتواصل؛ إلى نقمة تعمل على انفصام وتفكك المجتمع.

ولن يتأتى هذا إلا عن طريق التوعية الواجبة من مؤسسات الدولة المهيمنة على الثقافة و الإعلام الرسمي ؛ وضرورة قيام الجهات الموكلة بقياس الرأي العام؛ بالعمل الفوري لإيقاف هذه الإشعارات بكل الوسائل التكنولوجية الحديثة الممكنة؛ لوقاية المجتمع من تلك الهجمات المخربة؛ وحتى نثبت للعالم أجمع شرقه وغربه؛ أننا لسنا بالشعب السهل الذي "مزِّيكا تلمُّه.. وعصاية تجعله يجري"، كما قال المندوب السامي البريطاني " اللورد كرومر ".. فلقد غاب وغابت معه إمبراطوريته و"غابت عنها الشمس" إلى الأبد، وبقيت مصر العظيمة الشامخة بقلوب أبنائها الشرفاء الذين يستعدون في كل وقتٍ وحين؛ لأن تكون صدروهم دروعًا لكل السهام الغادرة.

مقالات اخري للكاتب

إفريقيا.. المنجم الزاخر بالإنسان

حديثنا اليوم عن إفريقيا؛ المنجم الزاخرالذي لاينضب ـ ولن ينضب ـ من وجود المعادن النفيسة في أعماق تربتها السمراء من الماس والذهب والفضة والذهب الأسود؛ ولكن يظل على أرضها باعث نهضتها التحررية والفكرية أثمن المعادن في الوجود : الإنسان!

البقع السوداء على ثوب الجمال المصري

أعتقد أنه بعد انتشار "ثقافة الغُطْرة والجلباب القصير والشبشب أبو إصبع وأكياس البلاستيك السوداء، ودعاء دخول الحمام؛ وكتب الثعبان الأقرع، وأحجبة السحر لعودة الحبيب بعد ثلاث ساعات على بوز أمُّه".. فهل نعتقد أو نأمل في صمود "ثقافة الجمال" ــ التي تربت عليها أجيال الزمن الجميل ــ أمام كل هذا القُبح؟

حب الوطن

مازال صوت موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب يداعب أذني وأتمايل معه طربًا حين أتذكر تغنيه بالوطن ناشدًا لحنه الرائع.. حب الوطن فرض عليا.. أفديه بروحي وعنيا..

الثقافة.. لُحمة في نسيج التنمية المستدامة!

بات لزامًا علينا نحن أهل اللغة المشتغلين بها، أن ننشغل بقضايا تطورها ككائن حي يتطور دومًا بملاحقة كل المستجدات في عالم التكنولوجيا، ومتابعة تعريب كل المصطلحات

ثقافة الطفل المصري.. وتكنولوجيا المعلومات

أعرف منذ البداية في الحديث عن عالم الطفل الآن، أنني أدخل إلى عالم سحري مليء بكل المتناقضات والمفارقات التي لا تخطرعلى بال أحد، فأطفال اليوم ذو طبيعة شديدة

القوة الناعمة مغناطيس الجذب.. وحماية الأمن القومي المصري

يبدو أنه لا مفر من مجاراة لغة العصر ومستحدثاتها شئنا أم أبينا!

الأكثر قراءة

مادة إعلانية