مصر تعيد اكتشاف قدراتها

30-9-2019 | 18:24

 

اكتشفت مصر قوتها وقدراتها خلال الأيام الماضية، وعرفنا إلى أي مدى كانت انطلاقتنا في التنمية مطمئنة إلى وعي جمعي بضرورة هذه التنمية، وأن أزماتنا الواضحة للعيان صعبة لكنها مؤقتة، وأننا سوف نتحملها بصبر، وتضحية، وشجاعة في سبيل التوصل إلي إنجاز حقيقي في مجالات الاقتصاد والاستثمار والتصنيع، وفي الزراعة والصحة والتعليم، وفي الاستقرار والأمن والدفاع .


لكن هذه الطمأنينة ووسط العمل الفذ الذي يجري، غفلت عن أننا جزء من إقليم يموج بالأطماع والغايات ويضج بالأمور العجيبة التي تتغافل بدورها عن حقائق التاريخ والجغرافيا.

ولاحظنا أن حوارًا مجتمعيًا عامًا وخاصًا، حكوميًا وشعبيًا، بدأ علي الفور خلال الأيام الماضية يناقش بحرية ما يجري، بعد فتنة الجمعة الماضي، يناقش القضايا التي كانت مهملة أو متروكة، باعتبار أن الشعب يرى ويتحمل ويلاحظ، وقادر على اكتشاف الأسباب، ولديه ذاكرة حديدية تحفظ ما كان يجري قبل سنوات معدودة، لم تُناقش الكثير من القضايا المهمة للناس باعتبارهم على صلة قوية مكينة بالوطن، وأنهم قادرون على التحمل إلى آخر مدى، ولم يكن هذا صحيحًا على الإطلاق؛ ولذلك كانت المواجهة ولهذا كانت إعادة الاكتشاف..

بدأت المواجهة منذ عودة الرئيس السيسي إلى مصر صباح الجمعة وطمأن الناس، وسواء أعجب البعض أو لم يعجب بأن الرئيس يتحدث لأول مرة أمام المطار وهو عائد من الخارج، فإنها كانت فرصة لكي يقول الرئيس لشعبه: "لا تخافوا".. إن أعداء مصر - وهم كثر في الإقليم وخارجه - يستغلون أنصاف وأرباع الفرص لتخريب مصر، ويستكثر البعض منا أن يستغل الرئيس فرصة بدوره ليتكلم مباشرة للمصريين في لحظة حرجة، يجري فيها تهديدنا بمليونية تعيدنا ثماني سنوات إلى الوراء.

الكارثة التي أصابت هؤلاء البعض أن كلمة الرئيس عابرة أو مخططة أو مدبرة أو عفوية كان لها الأثر الكبير في تهدئة خواطر الناس، وإفشال دعوات مغرضة للتحريض على العنف والإرهاب.

ألم يلاحظ أحد هجوم أردوغان على مصر وعلى الرئيس في خطابه في الأمم المتحدة، وانسحابه من عشاء رسمي لوجود الرئيس المصري، ثم عملية دعم المليونية المزعومة بالهجوم في سيناء في اليوم نفسه، وتفرغ "الجزيرة" بكل قنواتها وفروعها للحالة المصرية المحدودة، وترك مظاهرات الجزائر وانتخابات تونس والحرب في ليبيا واليمن وسوريا واحتجاجات لبنان وزلزال إندونيسيا..

والكارثة الأخرى هي استغراب هؤلاء البعض من نزول تظاهرات مؤيدة للدولة عند المنصة في مدينة نصر شرق القاهرة، فالدعوة الإخوانية للتظاهرات لم توجه للمؤيدين؛ لأن المطلوب من المؤيدين - كما جرى في يناير 2011 - هو مشاهدة قنوات "الجزيرة"، ومع تقديري لمعلقين وكتاب أحترمهم بعدم الانجرار إلى مواجهة بالنزول في اليوم نفسه، إلا أنني لا أجد تبريرًا لجلوس الملايين في بيوتهم خائفين، بينما عشرات، أو مئات، أو آلاف يرسمون مخططًا تدميريًا سينعكس علينا جميعًا.

بدأ الإعلام العام والخاص يمارس دوره في تنوير الناس ونشر الوعي، حول ما يجري، وقطعًا هناك معارضون داخل مصر من جماعة الإخوان وخلاياهم النائمة، ولكن هناك أيضًا معارضين داخل مصر ليسوا من الإخوان، لكن هؤلاء وأولئك لا يحق لهم أبدًا أن يتحدثوا عن "رحيل" أو تغيير النظام، هذه المطالب غبية ولا أرضية لها، وتشطب حق الغالبية التي ترى عكس ما يراه الإخوان وداعموهم، وهدف الإخوان واضح ومقصدهم الحكم، ولكن ما الذي يجعل آخرين يمهدون للإخوان، بوعي أو من دون وعي، ولم يتعلموا من درس "فيرمونت"؛ حيث تعاهدوا مع محمد مرسي، الذي باعهم بعد أربعة أشهر فقط، واستأثر وانفرد بالحكم، وتنفيذ ما يمليه عليه مكتب الإرشاد في جبل المقطم، وما يوحي به مجنون الحكم في أنقرة..

الناس انتفضت لدعم الدولة المصرية، ومحاولة النأي بها وتفاديها لحفر الفشل التي يعدونها في قطر وتركيا، ويدعمونها بخريطة بمنظمات حقوقية دولية تنفق عليها قطر بسخاء، وقطر ليس لها مشروع، وأتحدى أن مصر هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي لديها مشروع تنموي قطعت أكثر من نصف الطريق إلي تحقيقه، فما المشروع الذي تملكه قطر وتنفق عليه بسخاء.

في الحقيقة هما مشروعان واضحان، الأول مشروع كأس العالم الذي تعمل عليه منذ عشرين عامًا، ولكن هل هذا مشروع تنمية، حدث رياضي عظيم سيجري وسوف تتابعه جماهير الكرة في العالم وينتهي، ليس مشروعًا مستقبليًا لتنفق عليه قطر بكل هذا الإسراف، لدرجة الرشوة - كما قرأنا في تقارير عدة - واستغلال العمالة الأجنبية، بينما المشروع الثاني هو تفتيت العالم العربي إلى وحدات صغيرة متناحرة، بدأت بالنموذج السوري الذي دعمت قطر وتركيا الحرب فيه، حتى جاء أخيرًا مبعوث الأمم المتحدة؛ ليشاهد خمسة جيوش تحت خمسة أعلام لدول على الأرض السورية، قوت قطر إعلامها وأنفقت عليه بسخاء، وربطته بمنظمات حقوقية دولية عن طريق الرشوة والفساد، والتزكية بمعلومات مغلوطة لشيطنة السلطات في مصر.

ما ترسب عن فتنة الجمعة الماضي التي سحقها المصريون تحت أقدامهم أن المجتمع كله بات في حالة حوار سرًا وعلانية، والناس تسمع بعضها، وعدنا إلي حالة سياسية نقدية، وكشفت الحكومة عن استعدادها للسماع، كما عادت الحيوية إلى الصحافة والفضائيات.

مقالات اخري للكاتب

من أجل سوريا

​عودة سوريا إلى مقعدها في مجلس جامعة الدول العربية لن يعيد الاستقرار والسلام إلى سوريا في نفس اليوم؛ فالاستقرار في هذا البلد العربي المنكوب يحتاج إلى سنوات، ربما ضعف السنوات التي مرت على انهياره الأمني والسياسي والاقتصادي والمجتمعي.

أكتوبر السادس والأربعون

الحرب كانت ومازالت تعبيرًا وطنيًا شديد التلاحم نحو تحقيق الهدف، وتزداد شرعيتها، خصوصا عندما يكون هذا الهدف مدعمًا بالحق ومُؤازرًا بالواجب. لذلك كانت أكثر

الرقص مع الذئاب

أمضينا مساء الجمعة والساعات الأولى من صباح السبت نتجول ما بين شبكة "الجزيرة" وتوابعها التي تبث من تركيا، من ذئاب الفضائيات، لنتأكد من مزاعم المظاهرات التي تجتاح مدن مصرية.. ثم أنقذتنا الفضائية المصرية "إكسترا نيوز" ببث مباشر من ميدان التحرير يكشف سير الحياة بشكل طبيعي في الميدان.

مصر لا تجمد أحلامها

من الضروري أن يفهم المصريون على اختلاف درجات وعيهم، أن التوقف عن العمل والإنجاز، ليس فقط تجميدًا للحظة الراهنة، وإبقاءً للحال كما هو عليه، ولكن التوقف هو تأخر وتخلف عن الآخرين، وإضاعة للفرص، خصوصًا فرص تحقيق الحلم بالوصول إلى بلد قوي متقدم مرفوع الرأس يتسع للمصريين جميعًا.

أردوغان يعيد استخدام فزاعة اللاجئين السوريين

هدد رئيس تركيا رجب طيب أردوغان أوروبا بفتح أبواب بلاده أمام اللاجئين السوريين نحو مدنهم "في حال لم يقدم الاتحاد الأوروبي المساعدة الضرورية لأنقرة".

يبني قصرا ويهدم مصر

في عمارات وسط البلد في القاهرة، تتجلى القيمة الفعلية للجمال والذوق الفني والأصول المعمارية، وإذا كان المهندسون الأوروبيون هم من شيدوها بأوامر الحاكم، فإن