لا تكرهوا أولادكم على الحرية الشخصية

30-9-2019 | 18:09

 

قلت له من غير المقبول أن يعلق في أحد أذنيه حلقًا، ويرتدي بنطالًا وقميصًا كلاهما من موضة الجينز الممزق، ورد غاضبًا أبني له كامل حريته الشخصية، ولن أسمح لأحد أو لنفسي المساس بها، ثم قال لو كنت ترفض هذه الموضة لاعتقادك "أنك بتاع ربنا"، فلقد جاء في الأثر: " لا تكرهوا أولادكم على آثاركم ، فإنهم م

خلوقون لزمان غير زمانكم ".

وفي موقف آخر مشابه ألتقيت بمعلمة في إحدى المدارس التجريبية الحكومية ، وعمرها قد تجاوز الخمسين عامًا، وأخبرتني عن حكاية استدعائها منذ وقت قريب لولي أمر طالبة بالصف الأول الثانوي، لتبلغه بتعدي ابنته باللفظ على معلمتها وتكرار مشاغباتها، ووعد بتأديبها، ثم عاتبته على مظهر ابنته من إسدال شعرها على كتفيها، وفتحها لعدد من الأزرار العلوية لقميصها، وفجأة أصابتني صدمة حين كلمني ثائرًا، وقال إنني تضامنت مع قولك في رفض سلوكها العدائي خلال الفصل الدراسي؛ لكن ما يخص ملبسها وموضتها فتلك حريتها الشخصية، ما دامت لم تكن عارية أو شبه عارية، وردد مقولة ولي الأمر السابق "إذا كنت يا أستاذة بتاعت ربنا" فلابد أنك قرأت ما جاء في الأثر: " لا تكرهوا أولادكم على آثاركم ، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم"؛ برغم أن سوء هيئة ابنته وملبسها لا يختلف كثيرًا عن سلوكها العدائي.

والعجيب اشتراك الوالدين في الإصرار على مباركة تقاليد ابنيهما المنافية لتقاليد وعادات المجتمع، حتى المثل الشعبي يقول: "كل إللي يعجبك والبس إللي يعجب الناس"، أما تكرار قولهما "أنت بتاع ربنا" فغير منطقي، "والحمد لله هما ونحن جميعًا بتوع ربنا، ولسنا بتوع إله آخر"، والسؤال ألم تشعروا بالأسى لارتداء أولادكم أزياء شاذة، ولسيرهم كالأعمى وراء موضات منحرفة؟

أما المقولة التي جاءت في الأثر، فقد شاعت على ألسنة الكثير في عالمنا الإسلامي؟ وأحيانا ينسبها البعض لعمر بن الخطاب، وجاء ذكرها بأكثر من صيغة مثل "لا تؤدبوا أولادكم بأخلاقكم، لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم"، وقول آخر "أدبوا أولادكم بغير أدبكم، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم"، غير أن الفقهاء أنكروا إسنادها إلى أي صحابي منهما.

وسبب إنكارهم؛ لأن حسن الخلق والالتزام بالآداب الاجتماعية لا تقتصر على زمن أو مكان محدد، كالصدق والمظهر اللائق والزي المحتشم، ويبصم على صدق إنكار الفقهاء جميع الأجيال في كل دول العالم، فلا يمكن على سبيل المثال في عصرنا الحالي الإجماع على قبول تداول لغة مبتذلة بين الشباب، وقد يتداولها أيضًا بعض الكبار، والتي تصل في كثير من الأحيان إلى مستوى الشتائم برغم أنهم يتعاملون معها كلغة للحوار، وأذكر لكم عددًا منها وأقلها بذاءة؛ مثل: "نفض له، أحلقله، زحلقه، خليك في كوزك لما نعوزك، تعبان موله"، والأدهى من ذلك أن هناك بعضًا من الفتيات ترددها على مختلف مستوياتهن الاجتماعية، والكارثة أنه مع مرور الوقت يمكن أن يستسيغها الكثير، وأفضل تشبيه لهم في هذا الحال كمن يعيش في مجتمعات بدائية وهمجية.

وحين نتطلع إلى أحوال المجتمعات التي أطلقت عنان الحرية بين أبنائها، نجد إصابتها بالعديد من الأمراض الأخلاقية والجسدية والنفسية، وتتمثل الأخيرة - على سبيل المثال - في ارتفاع نسبة الانتحار بين الجنسين، وهو ما يخالف رصد وقوعه داخل دول غنية ومتقدمة تكنولوجيا.

وتكمن أسباب الكارثة في غياب الثقافة الحقيقية عن متناول الجميع، والابتعاد عن الحصول عليها من مصادرها الموثقة، وثالثًا إلى تأصيل وسائل الإعلام والسينما والمسرح تلك المفاهيم الخاطئة عن الحرية الشخصية، والتي تنتشر من خلال برامجها الترفيهية المكثفة على كل الفضائيات، وكذلك أغلب الأعمال الدرامية كافة؛ سعيًا منها لكسب شعبية زائفة وأرباح مالية على حساب انهيار المبادئ الاجتماعية؛ مثل الإخلاص في الاجتهاد والجدية في العمل والقول والحرص على النجاح.

وإذا كان ولابد من ترديد المقولة سالفة الذكر، فيجب تصويبها كالآتي "لا تكرهوا أولادكم على الحرية الشخصية السفيهة، فإنهم خلقوا لتعلم الأخلاق لتحيا مجتمعاتهم".

Email:khuissen@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

الطريق المختصر إلى جذب السياحة

ظاهرة التمرد على كل تقاليد مجتمعنا الجميلة، التي تفرد بها شعبنا المصري، وبفضلها اكتسب عشق شعوب العالم له، وظهرت علامات الإصابة بهذه الظاهرة مع نمو وانتشار

رأى حلمه في "هبة"

غالبًا ما تقتصر صفات التواضع والخلق الرفيع والعطاء بلا حدود على العلماء الذين لا يتشدقون بإنجازاتهم فى كل حين، حتى ولو كانت متواضعة، والذين لا تعرف نفوسهم تضخم الذات وحب الأنا، وهذا الداء الأخير لعنة، تخصم رصيدًا ضخمًا من أي عالِم، وتهبط بمنحنى تميزه وقدراته العلمية.

من يحصد فوائدها في "حجره"؟

زعموا أن أمريكا من أرسلت فيروس كورونا إلى الصين, كأحد حروبها البيلوجية التي تستخدمها من وقت لآخر, وتتطابق مع ما ذكرته آنفا عن الحروب الناعمة بين الدول

يحذرنا الجاحظ من عدوى الحمقى

«إبعد عن الغبي وغنيله»؛ لأن الغبي الشر بعينيه، فكم من فريق كرة قدم لحقت به الهزيمة، بسبب غباء أحد لاعبيه، وعدم استعداده في استغلال فرصة الفوز، وحتى هتلر

أثرياء لا يرحمون

غالبًا ما يدفع الفقراء الفاتورة، وكذلك يفعلها الأغنياء، ويذهب ضحيتها الفقراء، وسوف يستمر هذا الوضع ما بقي الميزان في أيدي الأغنياء، والدول الغنية التي أفسدت المناخ، تتحمل آثاره وخسائره الضخمة التي منيت بها الدول الفقيرة، وترصدها دراسة حديثة، اشتركت فيها ثلاث جامعات من بريطانيا وفرنسا وهولندا.

مكملات غذائية للآباء

مكملات غذائية للآباء

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]