فرصة ثمينة قد لا تتكرر

30-9-2019 | 15:07

 

أتاح تغيير نظام الحكم في السودان فرصة ثمينة - وربما ذهبية - يجب أن تنتهزها الحركات المسلحة في دارفور ، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق والحكومة؛ لإحلال السلام وإنهاء التمرد والتوصل لاتفاق يستجيب للمطالب المشروعة لأبناء الأقاليم الثلاثة؛

بإشراكهم في السلطة، وإنهاء حالة التهميش الاقتصادي والتنموي والاجتماعي، واحترام ثقافات وعادات وتقاليد أبنائها.

فقد أبدت القيادة الجديدة مرونةً واضحةً واهتمامًا كبيرًا بإحلال السلام، واتخذت إجراءات عديدة لأجله، ويبقى أن يتجاوب قادة الحركات المسلحة بالقدر الكافي معها، ويتحلوا بالمرونة اللازمة لتحقيق الهدف، ويتخلوا عن التشدد في مطالبهم؛ سواء بوضع الشروط التعجيزية، أو بعدم المشاركة في المفاوضات؛ مثلما فعل عبدالواحد نور قائد أحد جناحي حركة تحرير السودان في دارفور، وعبدالعزيز الحلو قائد أحد جناحي الحركة الشعبية - قطاع الشمال في جنوب كردفان.

الرغبة في اغتنام هذه الفرصة - التي قد لا تتكرر- دفعت القاهرة لاستضافة أكثر من مؤتمر واجتماع للتقريب بين وجهات النظر، مرةً بين المجلس العسكري السابق، وقوى الحرية والتغيير المعارضة، وأخرى بين فصائل الحركات المسلحة وقوى الحرية والتغيير، وثالثةً بين مكونات تحالف نداء السودان المكوَّن من معظم الحركات المسلحة وأحزاب سياسية وقوى ومنظمات مدنية؛ للتوصل إلى رؤية مشتركة بخصوص كيفية تحقيق السلام، بعد أن أصبحت بعض مكونات التحالف جزءًا من النظام الحاكم، وبقى البعض الآخر في صفوف المعارضة.

اجتماعات القاهرة والعين السخنة، ربما لم تسفر عن نتائج حاسمة، أو اتفاق كامل؛ لكنها بالتأكيد ساهمت كثيرًا في التقريب ين الأطراف السودانية، وخففت من حدة الاحتقان المترسب عن مواجهات عسكرية مريرة في عهد النظام السابق، وانعدام ثقة متجذر، واتهامات عديدة للسياسيين السابقين في الخرطوم بتهميش أبناء الأقاليم، كما أرجأت عودة الحركات المسلحة للقتال؛ انتظارًا لما ستسفر عنه المفاوضات.

وفي هذا الشأن قال ياسر عرمان القيادي في الجبهة الثورية إن عملية السلام توفر مخرجًا لقوى الكفاح المسلح؛ للتحول من صناديق الذخيرة إلى صناديق الانتخابات.

ولا شك أنه إذا انتهى التمرد وتحقق السلام؛ سيوفر ذلك على السودان الكثير من الأموال التي يحتاجها بشدة لتنفيذ مشروعات التنمية، وتحسين مستويات معيشة المواطنين، وإنهاء أو حتى تخفيف معاناتهم اليومية في الحصول على الوقود والغذاء.

فالإنفاق العسكري يمثل 70% من ميزانية الدولة، ونسبة البطالة بلغت أكثر من 32% من حجم القوى العاملة، (8 ملايين عاطل؛ 34% منهم ذكور، و45% إناث)، وبلغت نسبة الارتفاع في أسعار السلع 60% شهريًا، وقاربت ديون السودان الخارجية 60 مليار دولار.

خطوات عديدة قطعها المجلس العسكري السابق، ومن بعده المجلس السيادي والحكومة؛ لطمأنة الحركات المسلحة، وجذبها إلى التفاوض بجدية ودون تشكيك؛ للتوصل لاتـفاق سلام شامل، من بينها الإفراج عن أسراها والعفو عن قياداتها المحكوم عليهم بالإعدام في عهد البشير، وتعهُّد بإعادة الممتلكات التي صادرها النظام السابق، وبرفع أسماء الممنوعين من السفر من قوائم الحظر، وفتح الممرات لوصول المساعدات الإنسانية للمحتاجين من ضحايا الحرب في مناطق التمرد، وتجديد وقف إطلاق النار، وتحديد فترة 6 أشهر كحد أقصى؛ لتحقيق السلام على أن تبدأ المفاوضات يوم 14 أكتوبر المقبل.

وعقد المجلس السيادي اجتماعًا له في جنوب دارفور؛ لتغيير المفهوم الراسخ عن التهميش السياسي، كما تم توقيع اتفاق مبادئ بين الحكومة وقادة الحركات المسلحة، ينص على وقف إطلاق النار، وإشراك المتمردين في الحكم على المستويين القومي والمحلي، والعمل على إزالة التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وعلى احترام ثقافات وعادات وتقاليد أبناء العرقيات في مناطق الصراع، ودمج المتمردين في الجيش وأجهزة الأمن، وإعادة تأهيلهم لشغل وظائف مدنية، وتشكيل مفوضية للسلام تناقش كل الأسباب التي دفعت البعض للمطالبة بحق تقرير المصير في بعض المناطق، وتضع خريطة طريق لتحقيق السلام.

في المقابل وبرغم أن الحركات المسلحة المشاركة في المفاوضات وقعت الاتفاق الإطاري؛ الذي شمل كل تلك المكاسب، وأعلن ياسر عرمان أن الحركة الشعبية متفقة مع رئيس الحكومة عبدالله حمدوك حول السلام، على الرغم مما وصفه بالوضع المعقد، وظهر استعدادهم للدخول فورًا في مفاوضات سلام مع الحكومة، إلاَّ أن الحركات المسلحة مازالت فيما يبدو متشككة في نوايا الحكومة، وتتحرك بحذر شديد وبطء؛ بل ورفض جناح نور التفاوض من الأصل، وشارك جناح الحلو في بعض الاجتماعات، وتجاهل البعض الآخر؛ إما للضغط على الحكومة لانتزاع تنازلات أكبر، أو لوجود خلافات فيما بينها وبين حلفائها من القوى السياسية والمدنية حول كيفية التفاوض وإنجاز السلام والمشاركة في الحكم.

فالجبهة الثورية أصرت على إدراج اتفاقها في أديس أبابا مع قوى التغيير والمجلس العسكري السابق في الاتفاق السياسي ووثيقة الإعلان الدستوري، وأن تكون جزءًا من العملية السياسية، ودمج أفراد الحركات المسلحة في الجيش الوطني.

وهذا يبدو سابقًا لأوانه في انتظار التفاوض والتوصل إلى اتفاق سلام شامل، فضلا عن أن الحركات المسلحة مجرد جزء من "تحالف نداء السودان"؛ الذي هو جزء من "قوى الحرية والتغيير" التي قادت المفاوضات مع المجلس العسكري السابق، وتشارك في الحكم بحكومة كل أعضائها مدنيون، ما عدا وزيري الدفاع والداخلية.

مقالات اخري للكاتب

للنهوض بشباب إفريقيا وفتياتها

تنبع أهمية المؤتمر الاقتصادي الإفريقي الذي يبدأ اليوم (الإثنين) بمدينة شرم الشيخ تحت رعاية الرئيس عبدالفتاح السيسي من تركيزه على قضية حيوية؛ وهي توفير

تحرك مصري جديد لدعم اقتصادات إفريقيا

في أحدث جهوده المتواصلة للحصول على أكبر قدر من مساعدات التنمية لدول إفريقيا ورفع مستويات معيشة شعوبها وتوفير فرص عمل لملايين العاطلين من شبابها خلال رئاسة

أفضل مما توقَّعنا في مفاوضات سد النهضة

أسفر اجتماع واشنطن - بين وزراء خارجية مصر والسودان وإثيوبيا - عن نتائج إيجابية فاقت ما توقعناه بخصوص مفاوضات سد النهضة، الأمر الذي عزَّز أكثر الآمال في

تطور مُبشِّر في مفاوضات سد النهضة

تأكيد الرئيس الأمريكي ترامب خلال اتصال هاتفي مع الرئيس السيسي اهتمامه شخصيًا بنجاح مفاوضات سد النهضة، وخروجها بنتائج إيجابية وعادلة تحفظ حقوق كل الأطراف،