الطفلة "جنة" من التعذيب والحرق وبتر الساق إلى الوفاة.. متى ينتهي العنف ضد الأطفال؟

29-9-2019 | 18:28

العنف ضد الأطفال

 

إيمان فكري

ربما لا تكون مقولة "أعز الولد ولد الولد" صحيحة في بعض الأحيان، فها هي الجدة التي تحولت لذئب بشري تجرد من مشاعر الإنسانية، وتضرب وتحرق حفيدتها صاحبة الأعوام الخمسة في أماكن حساسة بجسدها الصغير الذي لم يتحمل هذا العنف، والسبب تبول الطفلة بشكل لا إرادي، ما أدى إلى وفاتها بعد عملية بتر في الساق، إثر توقف عضلة القلب نتيجة لإصابتها.

جاء قتل الطفلة جنة لفتح ملف العنف الأسري ضد الأطفال، فلم تكن هذه الطفلة البريئة الأولى ولن تكون الأخيرة، فأصبح المجتمع مليئًا بمثل هذه الوقائع المروعة، التي تعكس حجم العنف الذي يتعرض له الأطفال من قبل أهاليهم، حيث إن هناك نسبة كبيرة من الأهالي يلجأون للضرب كوسيلة لتأديب الأطفال وهو ما يتسبب في إيذاء الأطفال جسديا ونفسيا، وقد تصل للقتل كما حدث مع الطفلة جنة، آخر ضحايا العنف الأسري ضد الأطفال.

اعتبر عدد من أساتذة علم الاجتماع والطب النفسي والأسري، أن العنف الأسري ضد الأطفال موجود منذ فترة زمنية طويلة، وليس وليد الوضع الراهن، وأنه نابع عن مشكلات اجتماعية مادية، مؤكدين أن زيادة العنف ناتج عن زيادة الخلافات الأسرية التي جعلت الأبوين أكثر ضراوة تجاه أطفالهم، مطالبين بسرعة تطبيق العقوبة تجاه المتسببين في قتل الطفلة "جنة".

أسباب العنف الأسري
الدكتور جمال فرويز استشاري الطب النفسي، يقول إن ظاهرة العنف الأسري انتشرت بسبب مشكلتين، المشكلة الأولى عامة، وهي الانحدار الثقافي الشديد المتواجد داخل المجتمع الثقافي، حيث إننا تعرضنا لحملة نفسية ممنهجة، أصبحت فيها القيمة المادية أغلى من القيمة الأخلاقية في المجتمع، مما دمر الهوية وأصبحت نسخًا ثقافيًا، وانهارت القيم الدينية والاجتماعية داخل الأسر وخارجها.

ويضيف دكتور جمال فرويز، لـ "بوابة الأهرام"، أن انحدار القيم الثقافية والأخلاقية في المجتمع، أدى إلى انتشار مثل هذه الجرائم الأسرية كقتل زوج لابنته، واغتصاب الأبناء وغيرها، واختفت قيمة الأم والأب والجدة، وأصبح الجشع والطمع والأنانية يسود داخل بعض الأسر، فالطفلة جنى كانت ضحية طلاق والديها الذين تركوها لجدة ليست لديها أي عاطفة وغير مؤهلة لتحمل مسئولية الطفلة البريئة.

شخصية الجدة
ورجح استشاري الطب النفسي، أن تكون الجدة المتسببة في قتل الطفلة "جنة"، تعاني اضطرابات نفسية حادة تسمى "الشخصية السيكوباتية"، التي تعتبر أخطر أنواع الشخصيات وأعنفها، وذلك لأن هذه الشخصية تميل إلى التجرد من مشاعر الحب والعاطفة رغم إدراكها لكل التصرفات التي تقوم بها، موضحا أن الشخصية السيكوباتية لا تعني أنها تعاني أي مرض عقلي.

وتابع: إن هذه الشخصية تميل للعنف ولا تشعر بأي نوع من تأنيب الضمير بعد ارتكابها لأعمال العنف، وعادة ما تكون منبوذة من المجتمع ولا تستطيع تكوين علاقات اجتماعية سوية، وتكوين هذه الشخصية يأتي كمزيج من اضطرابات اجتماعية ووراثية بالإضافة لظروف اجتماعية معينة.

العنف الأسري
هل يمكن القضاء على العنف الأسري داخل المجتمع، يجيب دكتور جمال فرويز، قائلا: "القضاء على هذه الظاهرة يحتاج إلى خطة ممنهجة من جانب الدولة، تعمل من خلالها عمليات نفسية لعودة الأخلاق في المجتمع مرة أخرى، وذلك عن طريق عمل مسلسلات تبرز القيم الإنسانية ومواقف نبيلة بين الأهالي، نرى وقتها المواطنين يقلدون هذه المواقف بلا شعورية، نظرا لأن الإعلام هو أكثر الوسائل تأثيرًا على الأشخاص".

ويتابع: إنه يجب أن يعمل كل من الأزهر الشريف، والكنيسة، ووزارة التربية والتعليم، والثقافة، على كيفية رجوع القيم الأخلاقية والاجتماعية في المجتمع، وكذلك تشديد العقوبات وتنفيذها بشكل سريع على كل من يقوم بمثل هذه الجرائم وهذا سيكون أهم الأسباب لانعدام العنف الأسري بالمجتمع، فلابد أن تعاقب الجدة أشد عقاب ممكن في أقرب وقت لتكون عبرة لكل شخص يتعامل بعنف مع الأطفال.

ويؤثر العنف على الجانب النفسي للأطفال بشكل كبير؛ حيث إنه يعد أحد الأسباب التي تدفعهم للعيض في نفس الدائرة من العنف حتى عندما يكبرون، فالأطفال الذين يعيشون في منزل يتسم بالعنف يميلون لتكوين بيوت مستقبلية تقوم على هذا العنف المنشأ في أنفسهن، فيعرضون أسرهم المستقبلية لمثل هذا العنف، فالأطفال المعنفون أكثر عرضة لمثل هذا المستقبل من غيرهم من الأطفال الذين ينشأون في بيئات آمنة وخالية من العنف.

التبول اللا إرادي
ويقول الدكتور محمد هاني استشاري الصحة النفسية والزوجية وتعديل سلوك الأطفال، إن هناك الكثير من الأسر التي تتعامل مع أطفالها بطريقة غير تربوية وغير علمية بالمرة، ويتعاملون مع مشكلة التبول اللاإرادي على أن الطفل يقوم بذلك عن قصد، فيتم عقابه بأبشع العقوبات ويتخذون العنف الحل لهذا الموضوع، ولكن هذا يعتبر تدميرا للأطفال، فنتيجة هذا الأسلوب أدى إلى وفاة طفلة.

ويوضح استشاري الصحة النفسية، لـ"بوابة الأهرام"، أن مشكلة التبول اللاإرادي، هي مشكلة سلوكية نفسية، قد تصيب الأطفال في بداية الطفولة المبكرة لهم، وأحد أسباب هذه المشكلة هو تعرض الطفل للخوف والضرب والإحباط من قبل الأسرة؛ حيث إنه يكون قد تعرض للضرب والإهانة والمعاملة السيئة فكانت نتيجته إصابته بالتبول باللاإرادي، منوهًا أن هناك أساليب علمية صحيحة وتوفير مناخ جيد والسير على خطة لحل هذه المشكلة فالعنف ليس حلًا وهذا ما يجب أن تستوعبه الأسر.

المشكلات الزوجية
ويؤكد أنه هناك أشخاص غير مؤهلين لتحمل مسئولية أطفال، فأصبح منتشرًا هذه الفترة أن يقوم الآباء بتفريغ طاقتهم السلبية وما يتعرضون له من ضغوط حياتية، في أطفالهم الذي ليس لديهم أي ذنب لما يتعرض له الوالدان في حياتهما، منوها بأن جدة الطفلة جنة فقدت الصبر على التربية مرة أخرى، مما جعلها ترى أن العقاب بأبشع الطرق هو الحل الوحيد لتربية الطفلة.

ويشير الدكتور محمد هاني إلى أن الأطفال هم الخاسر الأول للمشكلات الزوجية، ويقومون بدفع فاتورة خلاف الآباء والضغوط التي تقابلهم في الحياة، وعند الطلاق يرى كل شخص حياته دون التفكير في حياة الأطفال التي ليس لديهم أي ذنب في حدث، لذلك أطالب بعمل ندوات للأسر، وتوفير حقوق الأطفال، ويكون هناك قوانين رادعة لكل من يتسبب في إيذاء الأطفال، وتعليمهم كيفية تربية الأطفال بطرق علمية سليمة.

تطبيق العقوبة 
ويرى أحمد مصيلحي، رئيس شبكة الدفاع عن الأطفال، أن جرائم تعذيب الأطفال أصبحت منتشرة بشكل كبير في الآونة الأخيرة، نظرا لوجود معتقدات خاطئة لدى الأهالي الذين يعتبرون أن الأطفال ملكهم، إضافة لتزايد نسب الطلاق التي أدت لتفكيك الأسرة ووقوع الأطفال ضحايا، مؤكدًا أن انتشار هذه الجرائم يرجع لأسباب كثيرة أهمها عدم وجود عدالة ناجزة، فالعقوبة في مثل هذه الحالات يجب أن تنفذ بشكل سريع.

ويضيف رئيس شبكة الدفاع عن الأطفال، لـ "بوابة الأهرام"، أن السوشيال ميديا والمصنفات الإعلامية التي تحمل العنف، هي سبب من أسباب انتشار هذه الجرائم، سواء في المدارس أو في الشوارع أو داخل الأسر كما نرى، لذلك لابد من تغير المصنفات الإعلامية ومنع كل ما يحمل العنف ويبيحه.

قانون لمنع تعذيب الأطفال
ويوضح أن تعذيب الأطفال يرجع إلى عدم وجود قانون يعاقب من يعذب الأطفال، فالقانون المتواجد حاليا يوجد به نص عن الضرب التي عقوبته 3 سنين فقط، فهناك حالة لزوجة أب قامت بضرب طفلة حتى تم كسر أرجلها ويديها ولم تعاقب إلا 3 سنوات فقط، وهذه لا تعتبر حلا رادعًا لمنع تعذيب الأطفال، مطالبًا بعمل نص تشريعي يمنع تعذيب الأطفال ويعاقب أشد العقوبات ويتم تنفيذه وتطبيقه بشكل فوري، حتى لا نعطي فرصة للمجرمين لارتكاب الجرائم.

ثقافة الإبلاغ
وناشد جميع المواطنين، إن رأوا حالات تعد على الأطفال الاتصال بشكل سريع بخط نجدة الأطفال والإبلاغ عن الحالة، كما يجب على المجلس القومي للطفولة التواصل مع الأسر ومنع الجرائم قبل حدوثها، وعمل تقارير شهرية عن الأطفال في الدولة لحمايتهم من التعدي والتعذيب.

فيما يرى الدكتور سعيد صالح أستاذ علم الاجتماع، أن جرائم العنف الأسري منتشرة في جميع المجتمعات وليس المجتمع المصري فقط، وغالبا ما تكون نتيجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يمر بها هؤلاء الأشخاص، فالمجرم يرى أنه ينفث عن فقره وجهله ومشكلاته النفسية في الأطفال، وهناك الكثير من القضايا البشعة غير المعروفة، نظرًا لثقافة العار التي تمنع البعض من الإبلاغ على مثل هذه الجرائم.

ويضيف أستاذ علم الاجتماع، أن الإعلام ليس السبب الرئيسي في انتشار مثل هذه الجرائم، فجعل الإعلام السبب في ذلك ليس إلا "شماعة" نضع عليها أخطاءنا، فالمجرم الذي لديه ميول للقتل لا ينتظر أن يرى جريمة على شاشات الإعلام لكي يقوم بتقليدها، مؤكدًا أننا نحتاج لتطبيق أشد العقوبات على من يقوم بمثل هذه الجرائم، وهذا هو الحل الأساسي لهذه المشكلة.

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة