"مصطفى سامي".. المثل الأعلى للعطاء والسمو والرفعة

30-9-2019 | 18:24

 

خلال سنواتي في "الأهرام" أحببت بعض الشخصيات التي كان لها دورها المؤثر في حياتي الشخصية والمهنية، وفي كل مرحلة من حياتك، هناك من تجد نفسك مرتبطًا بهم نفسيًا وروحيًا، ومن بين هؤلاء الذين أحببتهم من "النظرة الأولى" الأستاذ "مصطفى سامي" الذي وجدت فيه الأستاذ والأب والصديق، والمرشد والمعلم، في وقت كنت أتلمس فيه خطواتي الأولى في عالم الصحافة.

في اليوم الأول لمعرفتي به رأيته يجلس هادئًا مبتسمًا بسيطًا، متنأنقًا يضع ساقًا فوق ساق، ومع ذلك تشعر أنه قريب منك، كان يجلس هو والأستاذ فريد مجدي - رحمه الله - عرفني بهم الأستاذ "سامي فريد" الذي أوصاني الأستاذ "ماهر الدهبي" أن أجلس بجواره، وأن أصاحبه طوال وجودي في صالة التحرير حتى أتعلم منه.

ومنذ المرة الأولى وجدتني منجذبًا باتجاه "مصطفى سامي" وفي هذا الوقت كان يتولى منصب مدير تحرير مجلة الشاب، فطلب مني أن يأخذني إلى الأستاذ "صلاح جلال" رئيس تحرير المجلة ورائد الصحافة العلمية، ومن يومها عملت معه في فريق سكرتارية التحرير الفنية لمجلة الشباب، ولأن للحب كيمياء، أحبني مصطفى سامي، وسرت أعمل معه في كل صفحة يتولى إخراجها، ومن خلاله تعرفت على رواد العمل الصحفي في الأهرام، الذين كانت تربطه بهم علاقات حب ومودة، ولهذا قال عنه، الأستاذ محمد سلماوي في مقال كتبه عن كتاب "أهرام القرن الـ21" الذي صاغه مصطفى سامي بحروف من حب، يقول سلماوي: "برغم ثراء الشخصيات التي يقدمها كتاب «أهرام القرن الـ21 »، التي تلتقي لأول مرة في كتاب واحد، فإن أهم ما يقدمه مصطفى سامي في كتابه هو روح المحبة التي يتصف بها، والتي سادت بين العاملين في الأهرام خلال فترة نصف القرن التي يتحدث عنها، التي أصبحنا الآن نفتقدها بشدة بين العاملين في صحفنا".

وأنا أبصم بالعشرة على صدق ما قاله "سلماوي"؛ لأن هذا هو مصطفى سامي بالفعل، عرفني مصطفى سامي بيوسف فرنسيس الصحفي والفنان العبقري، وبالأستاذ كمال الملاخ، وبالأستاذة آمال بكير، وغيرهم من كبار الأهراميين، تعلمت من مصطفى "السامي" التفاني في العمل، ومحبة الناس والتعامل معهم بود وحب، وبعد تعييني بأقل من عام ساهم هذا الرجل في إصدار أول قرارات صعودي على سلم المسئولية في "الأهرام" الذي كان يمر بمرحلة تطوير جديدة، ونقلة طباعية غير مسبوقة في الصحافة المصرية، وبدون مقدمات، وجدت قرارًا يصدر من رئيس مجلس إدارة الأهرام الأستاذ يوسف السباعي، بتعييني - حسب طلب "مصطفى سامي" نائب رئيس قسم سكرتارية التحرير الفنية- بتاريخ 10/9/ 1977، مساعدًا للمشرف على الجمع التصويري في المطبعة.

وهكذا أصبحت مساعدًا لمصطفى سامي ورفيقًا له في كل مسئولياته، إلى أن ترك مكانه كرئيس للسكرتارية الفنية في الأهرام، ليكون رئيسًا لمكتب الأهرام في باريس، ثم في كندا، ويومها مع تمنياتي له بمزيد من التألق الصحفي واستمرار العطاء المتميز، شعرت بأنني أصبحت وحيدًا في الأهرام، ليس لي سوى عملي، فقد كان "مصطفى سامي" بالفعل يضعني في عينيه؛ لأنه عرف من أنا وعرف مدى حبي للعمل وقيامي بما يسند إلىَّ على خير وجه، وحبي للإبداع، ولم يتكرر هذا معي مرة أخرى إلا مع الأستاذ مرسي عطالله من خلال تجربة "الأهرام المسائي".

كنا في فترة إشرافه على قسم الجمع التصويري، وهي بداية تحول الأهرام من تجهيز الصفحات من الطباعة الساخنة، إلى الطباعة الباردة، مما أحدث نقلة تكنولوجية كبيرة في تاريخ الأهرام والصحافة المصرية كلها، كنا نجهز نفس الصفحات التي يتم توضيبها في قسم التوضيب، وبدلاً من أن نجمع المواد بالحروف الرصاص، كانت تجمع وتطبع على ورق البرومايد، ثم يتم عمل المونتاج لها، وتصويرها على أفلام، حتى وصلنا إلى تجهيزها على أجهزة الكمبيوتر من الجمع حتى طبع الصفحات.

مصطفى سامي كان محبًا لكل من يعمل معه، كان يطمئن عليه؛ سواء في العمل أو في حياته الخاصة، وكان يحل أي مشكلة تواجه أيًا منا، وأذكر أنه هو الذي كان وراء قرار تعيين الزملاء أنور عبداللطيف، وعبدالفتاح صلاح، ومحمد همام، وعبدالكريم يعقوب "رحمهما الله"، كان من نفس مدرسة صلاح جلال، مدرسة الإنسانية في التعامل والعلاقات الشخصية والمهنية، وعندما ترك السكرتارية الفنية ظل يعمل بنفس الروح وطريقة العمل، فظل يكتب مستخدمًا في كتابته كل عناصر الإبداع التحريري والإخراجي في آن واحد.

وطوال عمله سواء في فرنسا، ثم في كندا، أمد الأهرام بالمواد الصحفية الشيقة، والتحليلات الخارجية الموضوعية المبنية على الفهم الدقيق للأحداث التي يكتب عنها ويتابعها.

هذا هو السامي مصطفى سامي، الصحفي المحب لمهنته ولمؤسسة الأهرام، التي عمل بها ولها أكثر من نصف قرن، كان خلالها مثلاً أعلى للعطاء والسمو والرفعة.

Dr.ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

كمال نجيب .. عاشق "الأهرام" حتى آخر أيامه

كانت حياته كلها في الأهرام، يأتي إليها حوالي الثامنة صباحًا، ويظل يعمل بجد واجتهاد، حتى الثانية بعد الظهر؛ حيث يذهب إلى بيته في الزمالك، ليعود مرة أخرى

سامي فريد.. الصحفي "الفريد"

في حياة كل منا أشخاص لا يمكن أبدًا أن ننساهم؛ لأنهم شاركوا في مسيرة حياتنا، وساعدوا على تحقيق أحلامنا، ووسعوا من أفقنا، وصوبوا من الأخطاء، التي وقعنا فيها بحكم فتوتنا وشبابنا، ولولاهم، ما وصلنا إلى بر الأمان.

سمير "صبحي".. جريدة تمشي على قدمين

كما في حياة الأمم والشعوب قادة ورجال يصنعون التاريخ ويُسطْرون بمشوارهم مسيرة شعب، برغم أن كُتاب التاريخ ومؤرخيه لم يهتموا بهم، في دنيا الصحافة رجال خطوا

الرجل "الدهبي"

في مهنة الصحافة، التي تأكل أصحابها بأيدي أهلها، إلا قليلأ منهم، الذين يعرفون للأساتذة أقدارهم، هناك جنود مجهولون، يعملون من خلف الستار، برغم أن ما يقومون

"صلاح جلال".. الصحفي الإنسان

منذ أول يوم لي في مؤسسة الأهرام تعرفت على الصحفي الكبير قولًا وعملًا صلاح جلال، تعلمت منه فعل الخير، والتواضع وحب الناس وخدمتهم والتفاني في العمل والموضوعية والوقوف إلى جانب الحق وعدم التنازل عن المهنية مهما كانت الضغوط، فقد ظل مرفوع الرأس منذ أن عرفته عام 1976، حتى وفاته في فبراير1991.

"صلاح هلال".. عاشق الصحافة وقلم لا يموت!!

كثير من الرجال في هذا الزمان قد يصبح بقاؤهم رحيلا، وقليل من الرجال يصبح رحيلهم بقاءً وخلودًا.