فن اللامبالاة

25-9-2019 | 16:26

 

إنه فن قديم؛ ظهر منذ القدم؛ مع بدايات الإنسان؛ وكان أتباعه محصورين في قلة بسيطة؛ وكان ما يميز سلوكهم السلبي؛ هو افتقارهم المهارات الإيجابية؛ فتراهم منزوين؛ راضين بالتهميش؛ فأدواتهم محدودة؛ في أحد الأوقات كنا نراهم يصاحبون المقاهي؛ لا تشغلهم أمورهم و لا تعنيهم؛ فدائمًا مبررات انزوائهم جاهزة؛ أن الظروف المحيطة بهم جعلتهم في حالة انزواء.


ولكن مثل هؤلاء؛ كانت لامبالاتهم تعود عليهم وحدهم؛ فأثرها لا يتعدى غيرهم؛ وكانت خسارتهم تصيبهم وحدهم؛ تغير الحال اليوم؛ واتسع فن اللامبالاة لدرجة عجيبة وغريبة؛ وأصبح أثر محترفيه يعود بالسلب على المحيطين بهم.

بتنا نشاهد أُناسًا احترفوا هذا الفن؛ وبات منهجهم في الحياة؛ فمثلا؛ مشاهدة شخص يسير بسيارته في طريق مزدوج؛ وهو بالكاد يمرر سيارتين في الاتجاهين؛ تجد أحدهم يسير في منتصف الطريق برعونة عجيبة غير عابئ بالقادم في الاتجاه الآخر؛ متخيلا أن الطريق له وحده؛ وصور له خياله المريض؛ أن الالتزام بحارته؛ يعني تنازله عن جزء من كبريائه!!

والأمر يعدو ليصل لآفاق أخرى أكثر غرابة؛ فعندما تسير على قدميك في طريق ضيق؛ لظروف ما حُكم على السائريـن فيه بالسير فيه؛ ولأن هذا الطريق يفرض سير الناس من كل الاتجاهات؛ تجد من يسير فيه برعونة؛ غير مكترث بالآخرين؛ ولا يحبذ أن تكون هناك مساحة لمرور الناس؛ يسير في لا مبالاة غريبة؛ وحينما يشاهد من يفعل عكسه؛ وهو الصواب؛ يتعالى؛ وحينما توجهه للصواب يزداد تعاليًا!

أصحاب هذا الفن؛ تجدهم في وسائل المواصلات؛ يقفون على أبوابها؛ ليعكروا صفو مرتاديها برعونة واستفزاز؛ برغم وجود مساحات رحبة في الداخل؛ ولكنها وسيلة استفزاز تأكدوا من جدواها تماما؛ مثلهم مثل آخرين؛ باتت الرعونة في التعامل مع محيطهم طريقة حياة.

الأمثلة التي يمكن طرحها كثيرة؛ منها البائع الذي يقف في نهر الطريق معيقًا حركات المرور؛ متخيلا أن وقوفه بهذا الشكل سيضمن له رزقا أوفر؛ وهو لا يعلم أن بهذه الكيفية وبتعطيله لمصالح الناس يخسر تعاطفهم ومن ثم تعاملهم معه.

ومنهم قائدو  سيارات السيرفيس ؛ الذين يتعاملون مع الشوارع بأقصى درجات الاستفزاز؛ ناهيك عن قائدي التوكتوك؛ فهم كفيلون بتحويل يومك لمعاناة لا تنتهى إلا بانتهاء رحلتك!

وقد تجدهم في المصالح الحكومية؛ من عينة "فوت علينا بكرة" أو من تجدهم يقومون بأشياء مستفزة؛ مثل تناول الإفطار لوقت طويل؛ ولو فكرت في لفت انتباهه؛ سيصبك رده بكل درجات الاندهاش!

وقد تجدهم في المدارس؛ حينما يقرر أحد المدرسين تفريغ الدراسة من مضمونها؛ وصولاً لإعطاء دروس خصوصية بمقابل مادي؛ ويعتبر ذلك في إطار البحث عن زيادة دخله المادي؛ وهو هنا يتغافل تمامًا عن أداء مهام وظيفته المكلف بها؛ وقبل ذلك قد سعي إليها!

الثابت أن فن اللامبالاة بدأ في الانتشار؛ بدرجة مؤلمة؛ وبات ممارسوه في ازدياد مطرد؛ ولما لا؛ وهم يرون أن مبالاتهم تعود عليهم بالنفع؛ هذا من منظورهم.

لذا علينا نحن المبالين؛ أن نشحذ هممنا؛ ونتصدى لهؤلاء بكل ما أوتينا من قوة؛ حتى تنحسر هذه الظاهرة المستفزة؛ لأنها وللأسف بدأت تؤثر على سلوكيات الحياة؛ وأضحت نمطًا لا يمكن أن تغفله العين.

قد تكون كلماتي؛ مجرد كلمات لا تسمن ولا تغني من جوع في نظر البعض؛ فكيف لها أن تتصدى لهذه الفئة؛ ولكنها صرخة أتمنى أن تجد صدى لدى آحادنا؛ لنعيد للفئة المسئولة رونقها وبريقها مرة أخرى؛ فهي رمانة ميزان المجتمع الذي يسعى للتحضر.

والله من وراء القصد ،،،،

emadrohaim@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

وبات وحيدا

لم يكن يدري أنه سيفقد الترابط الأُسري؛ بانفصال والده ووالدته؛ ثم يشاء القدر أن يرحل والده؛ وهو يتوسم في دنياه اللهو واللعب؛ فقد كان في مرحلة الطفولة؛ ليفقد وقتها سنداً قويا؛ فسخرت والدته نفسها له تماما؛ ووهبت حياته من أجله؛ ورفضت الارتباط مرة أخرى؛ حتى لا تنشغل بغيره.

الرحمة فوق العدل

جاء خبر مأساة القطار الخاص بمصرع شخص وإصابة آخر؛ صادمًا للناس؛ وكشف عن عدد من الملابسات؛ التي توجب وضعها في الحسبان؛ فقد بات هناك تباين واضح في سلوكياتنا؛ إلى نحو أفضى ببروز بعض التصرفات الغريبة على مجتمعنا المحافظ؛ ولا تقول لي إنها تصرفات فردية؛ لأن ما خفي كان أكثر.

مشاهد مؤلمة!

ما حدث يوم الثلاثاء الماضي صادم ومؤلم لكثير من المواطنين، ولا يمكن المرور عليه بهدوء، ولابد من وقفة حازمة، تعيد لنا الانضباط المفقود بسبب الرعونة والتسيب اللذين لمسهما المواطنون وعانوا منه بشكل لا يُحتمل.

الضمير!

الحديث عن الضمير شيق ومثير؛ ودائمًا ما يطرب الآذان؛ ولما لا وهو حديث ذو شجون؛ يأخذ من الأبعاد ما يجعله رنانًا؛ فدائما حينما ينجرف الحوار إلى الضمير؛ تجد ما يثير شهية النفس لتدلي بدلوها في مفهومه وأهميته.

ضريبة العمل العام

حكى لي صديقي المُقرب عن أزمة يعانيها؛ نتيجة توليه مسئولية إدارة شئون عمارته التي يقطن بها؛ بعدد سكانها الكبير للغاية؛ فمنذ تولي المسئولية هو وبعض من جيرانه؛ وهو يُواجه بسيل كبير من الانتقادات والإيحاءات غير اللطيفة؛ عن كيفية إدارته لأحوال العقار القاطن به.

ضرورة وجود آلية لضبط الأسعار

لا خلاف على أن ارتفاع الأسعار من العوامل المؤثرة على قطاع كبير من المواطنين، لاسيما بعد وصولها لمستوى يفوق قدرات الكثير من الناس، وبات حديث الأسعار قاسمًا مشتركًا للناس، ودائمًا ما ينتهي هذا الحديث بتمنياتهم بنزولها.