لا يليق بكبار النفوس

23-9-2019 | 18:08

 

حكى لي صديق عما يدور بداخله من صراع، نتيجة لقراره بالامتناع عن التدخين، وقال إن درجة حرارة الصراع ارتفعت بمجرد توقفه عنه، وإن حالته النفسية أصبحت تتأزم بشدة، وأرجع ذلك إلى تزامنها مع اشتعال صراعات أخرى بداخله، وطلب مني بإلحاح تقديم علاج له فعال وسريع، وشعرت حينها كأنه يردد نفس وجيعتي، ولذا عجز عقلي عن إنقاذه.


وقد يظن شخص أن وصف صديقي حالته بالصراع يعد أمرًا مبالغًا فيه، وحتى أمحو سوء الظن هذا، أقرب له تشبيه حالته بمن يصارع الأمواج ليصل إلى الشاطئ، ولمزيد من التوضيح أن شعوره بهذا الوجع يماثل الصراع الداخلي لكل إنسان طموح يحاول التصدي لمعاول الفشل المتأججة بداخله.

وكم من يسعون إلى النجاح وفرض السلام يخضعون معارك شرسة بداخلهم، غير مقاومتهم للمعوقات الخارجية، وتتوحش جنود الإحباط طالما المقاومة مستمرة، وفي بعض المعارك أحيانا يكون النصر حليفا لجنود النفس، وتارة نصيرا للمقاوم الذيث يأبي الإستسلام، وكي لا نستهين بقوتها فلابد من معرفة جنودها، وهم الحواس بكل فروعها من جوارح، بالإضافة إلى المشاعر والفكر، ومن أسلحتها القاتلة أثناء غزوها داخل الإنسان، الإحباط وعدم الثقة والخوف، وفي مواقع أخرى نجد النفس تنبعث منها مشاعر سوية ووسائل دفاعية، تستخدمها النفس كمضادات للعلاج، مثل شعورها بالذنب تجاه جرم ارتكبه الإنسان، قد يلحق ضررًا بالآخر، وتسمى هذه الوسائل الدفاعية بالشعور بالذنب، وأدنى درجاته رفضك مساعدة الآخرين، وذروتها الاعتداء عليهم.

وأشرس معارك النفس التي تدور رحاها ضد الخوف؛ لأن الخوف يرهق النفس والجسد، ويجعله شخصية مضطربة، ويصيبه أحيانًا بمرض الشك في كل من يحيط به، ويتحول إلى شخص جبان ومنطوي، ولكي ينتصر الإنسان على إحساسه بالخوف، عليه أن يغذي إرادته بأسباب القوة، ويذكر نفسه دائمًا أنه لن يرضخ إلا للخير وللحق.

وفور ما ألهمني المولى بطريقة العلاج التي طلبها مني صديقي، أخبرته به وهو ضرورة الرجوع إلى خبرات المنتصرين، وإلى كل من ذكرهم التاريخ في تحقيق بطولات ونجاحات كبرى، ونبدأ بمقولة الزعيم مصطفى كامل "لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس"، وقال نيلسون مانديلا: "سنعمل معًا لدعم الشجاعة؛ حيث يوجد خوف، وإعطاء الأمل؛ حيث يوجد اليأس"، وقال هارون الرشيدي:
النفس تطمع والأسباب عاجزة والنفس تهلك بين اليأس والطمع

وذكرنا المفكر الكبير أحمد أمين بأسلوب بسيط لعلاج الإحباط في قوله: "اليأس لا يليق بكبار النفوس"، وكان لابد من الاطلاع على وسائل علاج الصينيين له، وكانت مقولة للفيلسوف الصيني كونفوشيوس: "مجدنا العظيم لا يكمن في عدم السقوط؛ بل في النهوض بعد كل سقطة"، وتقول الحكمة الصينية: "لماذا نلقي بأنفسنا في الماء قبل أن تغرق السفينة" وحدد لنا بن حزم طريقًا لراحة النفس من اليأس والخوف وقال: "طرد الهم ليس له إلا طريق واحد وهو العمل لله تعالى، ومن أدوية سلفنا الصالح قال ابن مسعود: "الهلاك في اثنين القنوط والعجب"، وقال أيضًا: "الكبائر ثلاث اليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله تعالى"، وقال ابن سيرين: "الإلقاء إلى التهلكة هو القنوط من رحمة الله تعالى"

Email: khuissen@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

مكافأة مالية ضخمة ليتزوج بالثانية

يا مؤمن تصدق إن فيه حملة نسائية من بعض سيدات المجتمع، رفعت القبقاب شعارًا لها ضد دعوة الزواج بامرأة ثانية أو ثالثة، والحكاية كان سببها انتشار مطالبة عدد

جهز جيشا وميراثه تسعة دنانير

ليس عيبًا أن تبدأ حياتها نادلة في مطعم، لتنفق على دراستها للفيزياء بالجامعة، ولكن ما تلبث أن تصبح زعيمة لأقوى الأحزاب الألمانية منذ عام 2005، وهو الحزب

كيف تعيش في أمان؟

وأول ما قال رسولنا القائد: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»؛ ولأنه لا ينطق عن الهوى ويعلم يقينا أن مكارم الأخلاق العلاج الوحيد الذي لا ثاني له لتماسك بناء

كلام في الميزان

قالوا زمان: "إللي يحسب الحسابات في الهنا يبات"، واليوم يستطيع الإنسان قياس عدد أنفاسه وهو يجلس على المقهى، ويعرف كيف يحسب درجة سعادته بالضبط، ويتاح له

حكمة قالها جيفرسون

حين يتحدث أحد الأدباء المؤسسين للولايات المتحدة وكاتب إعلان الاستقلال في 1776 لابد أن نستمع له بإنصات, وخاصة أنه كان أول وزيرًا لخارجية أمريكا ورئيسها

عشر دول تحتكر النظافة

تصيب الحيرة 34 مليون زائر عن سر حفاظهم على نظافة مبانيهم وشوارعهم بهذه الدرجة الفائقة, وكشفت الصحيفة الأسبانية "الكونفدنسيال" الغطاء عن سرهم, وقالت إن

الأكثر قراءة