آخر الأخبار

قصة من أقدم مدارس مصر.. "هريدي" يتحدي الأجانب بموسيقي سيد درويش ويتنبأ بعبدالوهاب | صور

23-9-2019 | 21:21

صور نادرة من مدرسة العباسية الثانوية

 

محمود الدسوقي

حين تتفحص صورة معلم مادة الموسيقي عبدالعال عبدالله هريدي، في مجلة المدرسة العباسية الثانوية الصادرة عام 1931م، بالأبيض والأسود تظهر لك سماته الشكلية والجسمانية، فهو ذو وجه نحيل أسمر مثل المصريين له الكثير من التواضع والثقة، لذا جلس على أقدامه في مقدمة الصفوف بصفته أحد رؤساء هيئة تحرير مجلة المدرسة.


وتنفرد "بوابة الأهرام" بنشر صور نادرة من مدرسة العباسية الثانوية التي تم تأسيسها عام 1910 في مدينة الإسكندرية وهي من أعرق وأقدم المدارس بكل محافظات مصر نقلا عن مجلة المدرسة الصادرة عام 1931م، حيث تظهر الصور الكثير من تقاليد المدرسة في فرق الموسيقي والرسم والألعاب، كما تظهر المعلمين الأجانب والمصريين الذين كانوا يعملون في المدرسة وأقسامها المختلفة .

المدرس المصري عبدالعال عبدالله هريدي، معلم الموسيقي بالمدرسة، الذي يشبه إلى حد كبير شخصية سامح في مسلسل أسامة أنور عكاشة "الحب وأشياء أخرى"، الشاب الفقير المكافح الذي يبدع في تأليف الموسيقي الغربية، كان عليه أن يفند الموسيقي المصرية والأوربية، وأن يحتفي بفنان الشعب سيد درويش بل وأن يتنبأ بمستقبل باهر للمطرب الصاعد آنذاك الفنان محمد عبدالوهاب.

والفنان سيد درويش البحر، الذي كان قدوة مهمة لمدرس الموسيقي هريدي هو مجدد الموسيقى وباعث النهضة الموسيقية في مصر والوطن العربي، ولد في الإسكندرية عام 1892م وتوفي في شهر سبتمبر عام 1923م، وقد احتفي به هريدي بعد وفاته بمدة 8 سنوات في مجلة المدرسة في عامها الثاني.

قال هريدي في افتتاح مقاله "أول ظاهرة تمثلها في الشعب المصري هي ظاهرة الحزن وخاصة في الموسيقي، وإذا بحثت عن الأغاني التي تم تأليفها منذ عشرين سنة مضت لا تجد بين يديك إلا أنغاما محزونة وأدوارا مبكية وأما ما يخرج عن دائرة الحزن فمعظمه سخف وهراء يصور الشهوة دون خفر وحياء.



ويضيف: "أقصد بالأغاني الحزينة التي أقول إنها كل تراثنا والتي لم نهتم بسواها، هذه الأغاني الباكية لم تكن إلا نتيجة أمرين، أولهما ما ورثناه عن عصور الظلم والعبودية، وكذلك ما لاقاه المغنون من ظروف وعراقيل وتعنت وظلم، فرجل كعبده الحمولي أو محمد عثمان وإن كنت لا أعرف عنهما كثيرا إلا إنني لن انتظر أن أجد في ألحانهما إلا ترجيعا للأسى وترنما بالحب المخضب بدماء الشكوى والنحيب.

يؤكد هريدي "أن الموسيقي المصرية والموسيقي الأوروبية ليستا إلا كرجلين أحدهما يقابلك مهموما يشكو الزمان ويتقطر الحزن من فمه، وشخص آخر جمع المرح مع حزنه إلا أن فنانا واحدا بعث الروح للموسيقي وهو سيد درويش ، حيث لحن أدواره وهو في أشد حالات الأسى والبؤس ولم يخرجها إلا بعد أن تذاوبت نفسه في نقيع الهم والعذاب، لكن سيدا كان ينبوعا فياضا للموسيقي، فلم يمنعه ألمه من أن يكون فرحا طروبا في كثير من أدواره.

لا أنكر أن هناك فئة تضحكنا من أغانيه بل ربما يكون في أغاني سيد قشطة ما يثير كوامن الفرح والسرور والارتياح في النفس لهذره ومجونه، ولكن ما أقصده أنني أريد الموسيقي الحية الفرحة التي تنضوي تحتها العبر اللاذعة والعظات الكبار، تلك الروح التي أبغيها من الفكاهة في الموسيقي روح تريد أن تتفكه ولكن في حشمة ووقار.

لحن الفنان سيد درويش الكثير من الأغاني التي مازالت عالقة في أذهان المصريين مثل زوروني كل سنة مرة، سالمة ياسلامة، وتفاعل مع أحداث ثورة ،19 حيث كان صوتا وطنيا، حيث ألف قوم يامصري وغيرها من المؤلفات الوطنية.



وتابع هريدي في مقاله النادر، أنه ظهر في مصر نوع من الأدب الفكاهي في كتابات المازني وغيرها، وهذا الأدب وإن كنا نقلناه من الغرب إلا إنه بعث وتطور في الأدب المصري، حيث جعلنا نضحك مع الدنيا ونبتسم لها، وهذا الذي نريده من الموسيقي، نريدها تلقي بالأحزان جانبا وتصور لنا الحياة الطروب، نريد الموسيقي أن تكون لغة النفس والروح والعقل وليس لهجة الباكي الذليل.

يقول معلم الموسيقي في مقاله النادر "زرت أحد النوادي الأجنبية في الإسكندرية وسألني أحدهم أن أنشد قطعة تصور حياة الفلاح أو أنشودة أرددها في المدرسة أو نشيدا وطنيا معروفا فأسمعته شيئا من نظم مغنينا ومغنياتنا من النساء في القديم والحديث فابتسم بسخرية مرة وقال ما عندكم غير هذا، قلت له اسمع شيئا ل سيد درويش ، وغنيت له بأغاني سيد عسي الرجل أن يشعر بأن لدينا موسيقي مثل موسيقاه وأنني لم أنهزم، ولكني في الحقيقة تركت النادي وأنا منهزم كل الانهزام



يتساءل هريدي بعد هزيمته من موسيقي غربي "ماذا كنا نفعل لو لم يخلق سيد درويش ؟ أظن أننا كنا نتلصص علي الأغاني السورية أو التركية كما كنا منذ خمسة وعشرين سنة، وهي لا تمت لنا بصلة لا بصلة العاطفة ولا بصلة العاطفة والشعور، ولقد أعجبني أنهم يقولون في أوروبا إن الشاعر أو الموسيقي حين يموت نري من ذراريه وأحفاده من يحاكيه أو يفوقه، أما هنا في مصر فإن أردت فعليك أن تكتب عن ما طواهم الكفن.

إلا أن الموسيقي المصرية مازالت تدب في حياتنا بعد ظهور الشاب محمد عبدالوهاب، وأغلب ظني أن هذا النابه هو الذي أخذ يجدد مجد سيد درويش ، بل هو الذي أفهمه للناس ولكوني اعتقد أن هذا الشاب النابه سيكون مجد الموسيقي المصرية علي يديه أرجو منه شيئين أولا أن يخرج من دور التقليد إلي دور الابتكار والاعتماد علي ما تدوي به قريحته هو لا قريحة غيره، ثانيا أن يقلل من النحيب والعويل الذي بدأنا نسأمه ونمل منه.

ويختتم هريدي مقالته "نحن فهمنا أنفسنا بأنفسنا ومن يبعث فينا الأمل غير الموسيقي".




مادة إعلانية

[x]