المصريون بين المحافظة والتجديد والمركزية (9)

28-9-2019 | 17:33

 

نتناول في هذا المقال ثلاث قضايا مهمة في تاريخ مصر ، الأولى هى قضية المحافظة على القديم وخاصة في الجانب المادي من الثقافة، ثم قضية التجديد في الشخصية المصرية وخاصة في الجانبين الروحي والفكري، وأخيرًا قضية المركزية و <

a href='Search/الحكومة القوية.aspx'> الحكومة القوية وأهمية الحاكم في مصر؛ حيث يتناول الكاتب قضية المحافظة على القديم ؛ حيث نجد الفلاح المصري يعيش ويفلح الأرض في معظم شئونها، كما كان أجداده يفعلون أيام الفراعنة.

فالحاضر في مصر صورة منعكسة من الماضي، خاصة في الزراعة والجانب المادي من الحضارة، ولكن هذا ليس معناه الجمود، ولكن هذا يرجع لعدة أسباب منها؛ ثبات الظروف البيئية لحد كبير؛ فالنيل مصدر أساسي للحياة؛ فمثلا النيل يرتفع وينحسر في كل خريف، وزراعة النهر تتطلب جهودًا مشتركة لا تتغير عادة، مثل إقامة الجسور وتطهير الترع والقنوات وخلافه، هذا بجانب أن نحو 95% من المصريين يعيشون حول نهر النيل، ثم هناك شرنقة من الصحراء تحيط بهم وتحميهم من الهجرات أو الغزوات لحد كبير، ثم إن استقرار الأوضاع وثباتها عبر الزمن يعكس نجاحها ولا يستمر عادة إلا الصحيح، فهي صالحة للبقاء ومناسبة؛ لأن الأوضاع الخاطئة هي التي تفشل في الاستمرار والبقاء، وهذه ميزة للمصريين وليس عيبًا، مع وجود بعض الإضافات والمستجدات؛ فمثلا اعتمد الفلاح على الشادوف من آلاف السنين، ثم الساقية؛ وهى تعتبر شادوفًا آليًا يدار بقوة الحيوان، ثم جاء الطنبور في العهدين الإغريقي الروماني، ثم أخيرًا آلات الرفع الحديثة، وهذا يعني أن الجديد لا يلغي القديم، فمازال الشادوف مناسبًا للمساحات الصغيرة، ومثل هذه الملاحظات تنطبق على المحاصيل والمزروعات وغيرها.

وبالنسبة لقضية التغير في الجانبين الروحي والفكري، فهذا دليل على حيوية الشخصية المصرية ومتابعتها للمتغيرات، فقد كانت اللغة المصرية القديمة هي الكتابة الهيراتقية والديموتقية، ثم تحولت إلى القبطية واستخدمت اللغة الإغريقية في بعض المدن مثل الإسكندرية، وانتشرت اللغة القبطية ثم العربية، وبالنسبة للدين كان للمصريين القدماء معتقداتهم الدينية، ثم دخلت المسيحية مصر ثم جاء الإسلام، والملاحظة الأساسية بوجه عام هي أن مصر تجمع بين القديم والجديد في حضاراتها عبر آلاف السنين.

ثم تأتي قضية المركزية في مصر، وهى القضية الوحيدة التي تكاد تكون ثابتة عبر تاريخ مصر كله، فمصر دولة مركزية بالجغرافيا وشهادة التاريخ؛ لأن زراعة النهر ليست زراعة فطرية مثل زراعة المطر التي يقل فيها دور الإنسان، ولكن الزراعة في مصر منذ نحو أربعة آلاف سنة قبل الميلاد على الأقل تتطلب كثيرًا من العمل المشترك والأعمال الهندسية على مستوى الدولة تحت قيادة مركزية قوية من إقامة جسور بامتداد الوادي وحفر ترع وتنظيم جريان الماء إلى الحياض وتبطين جوانب النهر وغير ذلك من ضروريات زراعة النهر، وأيضًا التكتل لمواجهة أخطار الفيضان أو الجفاف، وكل ذلك عمليات كبيرة تجري على مستوى مصر كلها، ولا يمكن لأي مجموعة أو قرية أو حتى مجموعة قرى أن تقوم بهذه الأعمال؛ بل لابد من حكومة مركزية قوية وإدارة مركزية لجميع أنحاء البلاد، كما أن كل هذه الأعمال تستلزم كثيرًا من المال والتنظيم والتخطيط والعمل المشترك من خلال تعاون الجميع وخبراء في الزراعة والضرائب والمالية والهندسة والأمن، حتى لا يتقاتل الجيران على المياه؛ ولذلك تميزت مصر بالوحدة منذ فجر التاريخ.

ومن هنا نشأت الحضارة في مصر قبل غيرها من الأوطان، وكان الفرعون أو حاكم مصر هو المسئول الأول عن الري والزراعة في جميع أنحاء البلاد، فجغرافية مصر تقتضي الوحدة والتنظيم والإدارة المركزية القوية، وقد يكون السر في نجاح مصر وتقدمها يرتبط بحكومة مركزية قوية واعية تعمل لصالح شعبها فيلتف حولها الجميع للمصلحة المشتركة ولخير الجميع؛ بداية من الخولي على مستوى القرية إلى قمة الإدارة، وإذا تراجعت الإدارة تراجع كل شيء في مصر.

 وواضح الاتفاق التام بل يكاد يكون تطابق وجهة نظر الدكتور سليمان مع رأي مفكرنا الكبير الدكتور جمال حمدان في أن مصر دولة مركزية بالضرورة، وهذه حقيقة تؤكدها سيرة سيدنا يوسف عليه السلام؛ فعندما تولى النصح والإرشاد تقدمت البلاد وللأسف هذه الحقائق لا يعلمها الكثيرون ممن يقارنون بين حجم الجهاز الوظيفي في مصر بغيرها من البلاد والتي تختلف تمامًا في البيئة الجغرافية والتكنولوجية والاجتماعية مع الاعتراف بوجود خلل وسوء توزيع، حيث تعاني بعض القطاعات الوظيفية من تكدس في العاملين، وأماكن أخرى مثل التعليم والطب تعاني من نقص شديد، وهذا أيضًا يعكس مشكلة ومسئولية الإدارة، فهي كلمة السر في تقدم مصرنا الحبيبة منذ فجر التاريخ.

مقالات اخري للكاتب

الإصلاح الاجتماعي والبيئي الشامل لمواجهة الفوضى الخلاقة (5)

انتهت المقالات السابقة إلى أن الفوضى الخلاقة ظاهرة موجودة منذ خلق البشرية، وفي العصر الحديث تعود جذورها إلى الفكر الماسوني، وهى تعتمد في نجاحها على نقاط ضعف داخلية.

الفوضى الخلاقة ومصر (4)

مصر تحديدًا هدف للفوضى الخلاقة عبر تاريخها إلى الآن، لعدة أسباب متكاملة، بداية نهضة مصر وتقدمها؛ يعني نهضة عربية وإسلامية كبرى تهدد مصالح القوى العظمى في أي عصر، ثم إن لمصر- تحديدًا - تاريخًا كبيرًا في الحضارة وموقعًا متميزًا، فهي حجر الزاوية في خريطة العالم.

التغيرات المناخية وأمطار القاهرة المشكلة والحلول

تزايد الأنشطة الصناعية الملوثة للبيئة وتزايد استخدامات الطاقة بصورها المختلفة من بترول إلى غاز إلى فحم وخلاف ذلك من ملوثات صناعية عديدة وبشكل متزايد وخطير

الفوضى الخلاقة والوطن العربي (3)

يمثل الوطن العربي موقعًا إستراتيجيًا مهما للعالم أجمع؛ سواء من حيث الموقع أو الموضع، فمن حيث الموقع وما يمثله للعالم نجد أن الوطن العربي يقع في قلب آسيا

خطوات الفوضى الخلاقة ومجالات استخداماتها (2)

إرساءعرضنا في المقال السابق جذور فكرة الفوضى الخلاقة، والتي ترجع للماسونية العالمية، وهي منظمة سرية تتبع الصهيونية العالمية ويتفرع من هذه المنظمة أو يتبعها

مفهوم الفوضى الخلاقة

يعتبر مفهوم الفوضى الخلاقة من المفاهيم القديمة والحديثة معًا؛ بل وأتوقع استمراره في المستقبل؛ لأنه يرتبط بطبيعة النفس البشرية لدى بعض البشر، ويرتبط بالأطماع البشرية منذ بدء الخليقة، وقتل قابيل لأخيه هابيل؛ فالمؤامرة موجودة وسوف تظل في حياة البشرية.

مادة إعلانية