الرقص مع الذئاب

22-9-2019 | 19:37

 

أمضينا مساء الجمعة والساعات الأولى من صباح السبت نتجول ما بين شبكة " الجزيرة " وتوابعها التي تبث من تركيا، من ذئاب الفضائيات ، لنتأكد من مزاعم المظاهرات التي تجتاح م

دن مصرية.. ثم أنقذتنا الفضائية المصرية " إكسترا نيوز " ببث مباشر من ميدان التحرير يكشف سير الحياة بشكل طبيعي في الميدان.

تورطت " الجزيرة " وتوابعها في القفز على الوقائع؛ للوصول إلى نتائج أو إلى أحلام في خاطرها، وإلى خطط تدبرها، تكاد تكون مستحيلة، ومن دون أي مهنية، وكأنها شبكة فضائيات لعصابة وليست تابعة لدولة، أيًا كان رأينا في إدارة الحكم في هذه الدولة، ولما لم تصل الـ"احتجاجات" المزعومة إلى الثورة الشاملة، أو إلى تخوم الحلم الذي يراودهم، لم تخجل هذه القنوات وتحاول أن توجه البوصلة إلى شيء من المهنية..

وهو ما لاحظته الهيئة العامة المصرية للاستعلامات، وهي تشير إلى كل هذه الأكاذيب، وطالبت تلك الفضائيات باعتماد أسس مهنية في التغطية الإعلامية، لكن لا حياة لمن تنادي، ولا نصيحة عاقلة لمن تلبسهم الجنون والرغبة في الانتقام من القيادة المصرية التي عطلت بامتياز خطة الاستيلاء الكبرى من قبل التنظيم الدولي للإخوان المسلمين على مقدرات المنطقة، أو إحلال الفوضى الشاملة.

هذا الأداء الفاضح في السماوات المفتوحة يكشف للمصريين درجة البؤس الذي يعيشه هؤلاء الواهمون، الذين لا يمكن التغاضي عن ربطهم بأولئك الذين كانوا يبشرون ولفترة طويلة بعودة محمد مرسي يوم الأحد العصر إلى القصر، وظلت هذه القنوات لفترات طويلة بعد عزل مرسي تصور بكاميرات الموبايلات عشرة أو عشرين يسيرون في احتجاج بعد صلاة جمعة، في شارع ضيق في قرية في الضواحي في محافظة بعيدة، لتستنج من خلالها، أو لتجعل المشاهد يصل إلى قناعات بأن الثورة قادمة وتجتاح البلاد.

وبرغم السهرة التي أريد بها أن تكون مرعبة فإن الشمس في صباح السبت كشفت عن خداع كبير، وبرهنت في فشل حملة الإخوان لزحزحة ليس الحكم في مصر، وإنما إيمان المصريين بهذا الحكم الذي أنقذ مصر من براثن الفوضى والتقزيم، وهما أمران لا يليقان بهذا البلد، واستفاق الناس على مشهد حقيقي يدعمه ببساطة استمرار الحياة على النهج نفسه، وربما أكثر من ذلك؛ حيث تذكرنا كيف مرت بالمصريين تلك الأيام التي حكم فيها الإخوان البلاد وأثبتوا فشلًا ذريعًا.

وكان عامًا عصيبًا من التوتر والفوضى والأزمات الحياتية والانفلات الأمني وتعاظم أحلام الهجرة لدى قطاعات واسعة.

لم تخجل هذه الفضائيات، وظلت تبحث عن أي "لقطة" لبثها وتضخيمها بشكل عبثي، مع استخدام كل الوسائل الممكنة من السوشيال ميديا والاتصالات الهاتفية التي تبعث على الشفقة وتثير الغثيان بحثًا عن كلمة أو جملة تفيد بعدم الاستقرار في مصر.

لكن ما الذي نراه في الشارع وفي البيوت بعيدًا عن الشاشات، نرى الأمور عادية، ونسمع حتى قبل الاحتفال المصطنع على " الجزيرة " وتوابعها، عن مشكلات وأزمات في حياتنا، خصوصًا بعد تحمل فاتورة الإصلاح الاقتصادي، لكن نحن في منطقة أخرى، نحن نفاضل بين مشروع وآخر، وندلي برأينا في الأولويات، بينما غيرنا في المنطقة يصارع من أجل البقاء، نرى في الشارع وفي البيوت شعبًا يدافع عن استقراره، ويتحلى بالوعي، ويحاول البحث عن الأخبار من أكثر من مصدر، لأن إهمال المعلومة حتى ولو كانت كاذبة، لم يعد ممكنًا، لابد من التحري والتدقيق؛ ولأن الحكومة تعمل بجدية، وتظن أن الناس ترى ما تقوم به وما تنجزه، إلا أن هذا وحده غير كافٍ، فالذئاب وراء الكروم..

ولابد من الرد والتوضيح، ومن البحث عن صلة مباشرة بين الحكومة والمواطنين، بجانب جهازها الإعلامي للرد على الشائعات، وبجانب البرلمان، وهنا يكون دور الصحف والفضائيات المصرية، لتكون جسرًا بين الحكومة والرأي العام.

المشكلة أن الشعوب تنسى وغالبًا ما تنظر تحت قدميها، لكن علينا تذكير الناس بما أنجزته الفوضى في العامين التاليين لثورة يناير، وما حصده الاستقرار بعد عام من ثورة 30 يونيو، كما قلت نحن في منطقة أخرى، نحن نتحدث عن ثورة غاز، ومحطة نووية، وعاصمة إدارية جديدة، وتطور زراعي، وشبكة طرق، وأنفاق وبرامج مجتمعية في مجال السكن والصحة والرعاية الكريمة ومعدل نمو مرتفع، ومع ذلك ينقصنا الكثير؛ لكن مشروع الإخوان الذي تعبر عنه ذئاب الفضائيات القطرية والتركية يبحث عن زرع الفوضى وتغليب اليأس أيًا كانت النتائج من وبال على الشعب المصري، لا يمكن تكرار تجارب فاشلة، من فم هؤلاء الذين يتحدثون عن "ثورة" تتفادى أخطاء "يناير"؛ لأنهم يريدون تسليمنا إلى الإخوان المنظمين مرةً أخرى، وهو ما لن يرضى عنه المصريون، فيعودون لإنقاذ البلد، وهكذا.. ثورة وثورة مضادة لتمزيق النسيج المصري وإخراج القاهرة من دورها الحضاري.

تريد دول في المنطقة تطبيق تقنيات "حرب المستقبل" على مصر، وبدء حركة عنف منظم لا يمكن أن يتماسك معه المجتمع إلى وقت طويل.. إن أي استجابة لهراء " الجزيرة " وتوابعها، وتصديق ما تقول دون تمحيص، سيؤدي إلى نتائج وخيمة، والحل في جملة واحدة، التحلي بالوعي والمضي قدمًا في إصرار.

مقالات اخري للكاتب

سد النهضة والدبلوماسية المصرية

أدارت الدبلوماسية المصرية ملف أزمة سد النهضة بأسلوب هادئ ومرن، ربما لم يعجب البعض من أنصار استخدام القوى الصلبة في التعاطي مع الأزمة، والكشف من دون إبطاء عن أنياب وأظافر.. ونجحت هذه الدبلوماسية أخيرًا في إدخال طرف دولي، للمساهمة في التوصل إلى حل عادل للخلافات بين أطرافها الثلاثة..

المعلمون أولا

بدأت وزارة التربية والتعليم في مصر في إجراءات لسد العجز في المعلمين؛ حيث احتفت الوزارة قبل شهر تقريبًا بإطلاق البوابة الإلكترونية للوظائف، للتعاقد مع 120

فقر التعلم

ربما لم يلتفت كثيرون لما كتبته الخبيرة الدولية آنا بيردي قبل أيام، على صفحة البنك الدولي المتوافرة بلغات عدة منها العربية، عن "خطة جديدة لبناء رأس المال البشري بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"..

اتفاق على الأكراد

يعرف الرئيس أردوغان وأقطاب نظامه وحليفه الأمير تميم في قطر أن عودة السيادة التركية على الشرق أمر غير وارد في الزمن الراهن؛ لذلك فإن المسعى هو السيطرة السياسية

من أجل سوريا

​عودة سوريا إلى مقعدها في مجلس جامعة الدول العربية لن يعيد الاستقرار والسلام إلى سوريا في نفس اليوم؛ فالاستقرار في هذا البلد العربي المنكوب يحتاج إلى سنوات، ربما ضعف السنوات التي مرت على انهياره الأمني والسياسي والاقتصادي والمجتمعي.

أكتوبر السادس والأربعون

الحرب كانت ومازالت تعبيرًا وطنيًا شديد التلاحم نحو تحقيق الهدف، وتزداد شرعيتها، خصوصا عندما يكون هذا الهدف مدعمًا بالحق ومُؤازرًا بالواجب. لذلك كانت أكثر