سمير "صبحي".. جريدة تمشي على قدمين

23-9-2019 | 18:11

 

كما في حياة الأمم والشعوب قادة ورجال يصنعون التاريخ ويُسطْرون بمشوارهم مسيرة شعب، برغم أن كُتاب التاريخ ومؤرخيه لم يهتموا بهم، في دنيا الصحافة رجال خطوا بأعمالهم ورسموا بعرقهم وكل خط من خطوط عمرهم صورة الصحافة المصرية الحقيقية، عاشوا في دهاليز الصحافة يصنعون المجد الصحفي ، ويبنون بفكرهم وإخلاصهم تاريخًا صحفيًا، لا يمكن أن يغفله أي منصف، وهو يسجل تاريخ مصر وصحافتها كما ينبغي أن يكون، ومن هؤلاء: أستاذي وأستاذ أجيال كثيرة م

ن الصحفيين " سمير صبحي " أو كما يحلو لي أن أطلق عليه "سمير صُحفي".

هو الصحفي الكبير عملا وقولا وفكرًا " سمير صبحي " مستشار رئيس تحرير الأهرام ، أمد الله في عمره، الذي جمع بين الناحيتين الفنية والتحريرية في الصحافة، شأن كبار الصحفيين من رواد العمل الصحفي المصري، وأضاف إلى ذلك ميزة ومقدرة وموهبة ثالثة، وهي قدراته التأريخية للصحافة المصرية في سلسلة كُتب، تعد من أهم مراجع الصحافة، البعيدة عن التنظير، وشبهة النقل أو الاقتباس، فهي كتب صاغتها خبرة السنوات الطويلة في دهاليز الصحافة ، كما عاشها هو ومعاصروه من أساطين وأساطير الصحافة المصرية، ومنهم "الأستاذ محمد حسنين هيكل "؛ الذي قدم " سمير صبحي " تجربته في كتاب " الجورنالجي ".

عرفتُ " سمير صبحي " في يناير عام 1976 عندما التحقت بجريدة الأهرام، ومن وقتها حتى اليوم، تمنيتُ أن أكون مثل هذا الرجل، فهو طاقة جبارة، وفكر دائم الاتقاد، قليل ما تجده يجلس إلى مكتبه؛ ولكنه عندما يكتُب، ينسال قلمه متدفقًا في رقة وانسياب جداول الماء الرقراق، وقوة واندفاع الأحجار من فوق قمة جبل.

عندما عرفته كان هو و"الأستاذ ماهر الدهبي" قطبي السكرتارية الفنية لتحرير الأهرام، وأفضل مخرجين صحفيين في الصحافة المصرية، شهد الإخراج الصحفي في عهدهما طفرة كبيرة، أيام كان سكرتير التحرير الفني هو الرجل الثاني في الجريدة بعد رئيس التحرير.

توثقت علاقتي بـ" سمير صبحي "، الذي كان يراني "قطر سكة حديد، محتاج سواق" وبرغم أنني عرفته كبيرًا في مهنته إلا أنه كان أكثر نشاطًا منا جميعًا، تراه في اجتماعات مجلس التحرير، وفي صالة التحرير يرسم الماكيتات، وفي المطبعة، دائم الحركة ما بين الأقسام المختلفة، لا يهدأ حتى بعد أن تخرج الجريدة ويبدأ في تصفُحها.

في كل صفحة جديدة، أو إصدار جديد من إصدارات الأهرام، تلمس ملمحًا من ملامح وشخصية هذا الرجل "المتصحف" وتشم رائحة الصحفي " سمير صبحي " تحريرًا وإخراجًا، يبتكر تصميمات صحفية جذابة، تدفعك دفعًا للقراءة، ويختار زوايا صحفية للكتابة، لا تقع عليها سوى عين خبير معجون بماء الصحافة وحبر المطابع.

برغم سنواته الصحفية الطويلة، فهو من خريجي قسم الصحافة بآداب القاهرة في أولى دفعاته التي دخلت الجامعة عام 1954، ثم عمل بالأهرام فور تخرجه، إلا أنه لا يزال حتى الآن متواضعًا، يجري في اتجاه المعلومة، واكتساب الخبرة، حتى ولو كانت من خلال صحفي في عمر أبنائه، وله أيادٍ بيضاء على كثيرٍ من الصحفيين؛ وهكذا شأن الكبار، تراه دائم التواصل والتفاعل مع الأجيال الجديدة، في حركة تأثير وتأثر، بهدف إثراء العمل الصحفي، الذي لا يرى نفسه خارجه أبدًا، فهو كائن صحفي، يتنفس أحبارًا وأخبارًا، وأفكارًا متجددة.

فكره وقلمه يخطوان دائمًا إلى الأمام، يشارك في كل تجربة جديدة: في الأهرام المسائي، منذ أعداده الأولى ولمدة طويلة قدم صفحة "الطفل الكبير" التي كانت ولا تزال فكرة غير مسبوقة، وهو الذي بدأ الاهتمام بإعادة قراءة التاريخ من خلال الصحافة في باب "أحوال مصرية"، وكان يقدم رؤية صحفية مستقبلية من خلال زاويته الأسبوعية "رؤية حضارية" بنفس الجريدة، وكان ولا يزال ركنًا أساسيًا في جريدة "الأهرام ويكلي" التي أسسها مع الصحفي الراحل "حسني جندي" ليضيف إلى الساحة الصحفية جريدة لا تقل مستوى عن كبريات الصحف الأجنبية باللغة الإنجليزية، منتهجًا في إخراجها نهجًا جديدًا، سارت على دربه العديد من الصحف بعد ذلك.

وكان لابد لتجربته وخبراته الكثيرة أن تنتقل إلى الأجيال، غمس قلمه في محبرة العمر، وراح يرسم خطوط وتفاصيل صورة الصحافة المصرية، بأسلوب مبتكر من خلال مجموعة كُتب، ليست عرضًا تسجيليًا للصحافة، بقدر ما جاءت بمثابة مناقشة وحوار مكتوب، في محاولة للبحث عن الشخصية المصرية داخل الصحف، من خلال عدة إصدارات على طريق عمل موسوعة للصحافة المصرية عبر تاريخ صحفييها، وعلى هذا الطريق، جاءت كتبه: "صحيفة تحت الطبع"، "الصحف أسرار"، " دهاليز الصحافة "، "الحياة على ورق"، "كشكول الصحافة"، "العالم يتوحد"، " الجورنالجي "، و"كتاب الجورنال"، و"رؤية صحفية على حروف عربية"، و"الخبر اليقين من دق الطبول إلى الأقمار الصناعية"، وله تحت الطبع: "الصحافة قراءة وكتابة"، وكتاب "الصحافة في بلاد برة".

** لكل ذلك ألستم معي في أنه هو "سمير صُحفي" وليس " سمير صبحي "، وهو حقًا جريدة تمشي على قدمين!!

Dr.ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

"صبري سويلم".. الصحفي والإنسان الطيب الخلوق

الطيبون يرحلون في صمت وبلا ضجيج، يأخذون قلوبنا معهم في رحلة أبدية، يتركون لنا الذكريات الحلوة الجميلة، التي تبقى أملاً في الحياة، ونورًا يضيء لنا الطريق، ومهما شغلتنا الدنيا بالسعي من أجل الرزق ومشاق الحياة، يبقى في الذاكرة رائحة هؤلاء الطيبين، الذين عطروا الأجواء برحيق أحاديثهم وأفعالهم الطيبة.

"حسين فتح الله".. الصحفي الكبير الذي لم يأخذ حقه

في زحمة الحياة، وفي مصر بالذات تذوب رفقة العمر، وتضيع معالم أيام الشباب، تغيب تلك الذكريات الجميلة خلف غيوم وضباب مشكلات المعيشة اليومية، التي لا تسمح باستعادة لحظات الصداقة البريئة، وشقاوة أيام الدراسة والزمالة، إلا كشريط سينمائي عابر، حتى بين الزملاء والأصدقاء الذين جمعهم مكان واحد،

سامي دياب.. ودروس في مهنة القلم

في زمننا كان هناك أساتذة يحبون تلامذتهم، ويعاملونهم معاملة الأبناء، يتعهدونهم بالرعاية والتوجيه، ولا يبخلون عليهم أو يضنون بما تعلّـموه، لأنهم كانوا يرون

"كمال الملاخ" .. فرعون الصحافة الأخير

من حُسن حظي أننى تعلمت وعملت مع اثنين من كبار الإعلاميين فى مصر والعالم العربي، ولا أكون مبالغاً إن قلت والعالم، ومن باب الصدفة أن كليهما يدعى "كمال"،

كمال نجيب .. عاشق "الأهرام" حتى آخر أيامه

كانت حياته كلها في الأهرام، يأتي إليها حوالي الثامنة صباحًا، ويظل يعمل بجد واجتهاد، حتى الثانية بعد الظهر؛ حيث يذهب إلى بيته في الزمالك، ليعود مرة أخرى

سامي فريد.. الصحفي "الفريد"

في حياة كل منا أشخاص لا يمكن أبدًا أن ننساهم؛ لأنهم شاركوا في مسيرة حياتنا، وساعدوا على تحقيق أحلامنا، ووسعوا من أفقنا، وصوبوا من الأخطاء، التي وقعنا فيها بحكم فتوتنا وشبابنا، ولولاهم، ما وصلنا إلى بر الأمان.