القرية المصرية بين الماضي وتحديات المستقبل (8)

21-9-2019 | 00:44

 

تمثل القرية النواة الأولى للمجتمع وللآن يسكن الريف أكثر من نصف السكان ومن هنا تبرز أهمية دراسة التحديات التي تواجه القرية من خلال دراسة المستجدات المعاصرة، ولقد كانت القرية عامل استقرار مهما للدولة عبر التاريخ ومصدرًا للثروات والعطاء الحضاري والريف المصري يتميز باستقراره حتى ظهر الري الدائم؛ فكان بمثابة ثورة في الزراعة، وانقلبت حياة الريف رأسًا على عقب فامتد النشاط الزراعي ليشمل العام كله بدلا من فصل زراعي ومحصول واحد وخرجت القرية إلى نظام وحياة جديدة فزادت المركزية وأهميتها في الزراعة وللفلاح؛ حيث تحتاج الزراعة إلى حكومة مركزية قوية لتدبير الاقتصاد الزراعي كله، ورسم خطة التوسع في الري والصرف واختيار المحاصيل والبذور والأسمدة والمبيدات الآمنة، وغير ذلك.


بل وتسويق المحاصيل وبيعها للخارج؛ حيث يرتبط اقتصاد الريف بالعالم الخارجي للتصدير من خلال دور الحكومة المركزية؛ مثل القطن وغيره من المحصولات، وترتب على هذه التغيرات مشكلات متعددة؛ حيث كانت القرى تبنى مساكنها فوق كومات كبيرة من التراب فوق مستوى الفيضان؛ ثم تبطن جوانب هذه الكومات بالأحجار الجيرية؛ وذلك حتى لا ينهار؛ وبالطبع كان يستحيل هذا العمل على فرد مما يستلزم تعاون أهالي القرية معًا في هذا العمل لمصلحة الجميع، وأيضًا العمل المشترك في تطهير مسالك المياه والترع وترميم الجسور؛ وهذا طبع المصريين بالنظام والتعاون؛ بل والطاعة؛ لمواجهة الأخطار وجلب المنافع؛ كما كانت المساكن تبنى من الطين المجفف؛ لأنه كان مناسبًا للمناخ وموصل رديء للحرارة، ولكن نظام الري الدائم قلل من أثر ري الحياض وأهمية إقامة المساكن فوق كومة مرتفعة؛ لأن الأرض لم تعد تغمر بالمياه إلا في مناطق محدودة.

وأصبح كل فرد يعمل منفردًا، كما كانت القرى القديمة كبيرة الحجم والسكان، والآن كثرت العزب والقرى الصغيرة المتناثرة؛ فقل التفاعل والتماسك الاجتماعي، وهذه مؤشرات خطيرة ينبغي دراستها ومواجهتها من خلال إيجاد أعمال ومنافع مشتركة تقوم بها المراكز الاجتماعية أو التعاون في ردم البرك أو تبطين جوانب النهر أو إقامة مستشفى وخلافة من مشروعات مشتركة، وحتى المسكن القديم لم يعد مناسبًا لحياة كريمة بعد الري الدائم الذي أدى لزيادة وارتفاع مستوى المياه الجوفية في الأرض وارتفعت الرطوبة؛ نتيجة لذلك مع التغيرات المناخية فأصبح المسكن غير مناسب؛ خاصة في الشتاء مع ملاحظة أن المسكن الريفي هو مسكن للإنسان والحيوان وبقايا أو مخزون النبات؛ والنتيجة أصبح المسكن التقليدي غير صحي، وهذا يحتاج لدراسات لمعالجة المشكلة، وخاصة أن زيادة المياه الجوفية تضعف الأرض، ويقل المحصول.

ويلاحظ أن العقود الأخيرة شهدت مزيدًا من المشكلات للقرية مثل هجرة كثير من الأهالي لدول الخليج، ولعدم وجود بديل علمي للمسكن لجأ كثيرون للمباني المسلحة والأخطر هو البناء على الأراضي الزراعية وتبويرها بشكل مخيف، ومعدلات عالية أدت لزيادة الاعتماد على الاستيراد الخارجي، وانعكاس ذلك سلبيًا على ميزان المدفوعات والديون والأرض التي نفقدها في الوادي لا تعوض؛ لأنها تكونت من طمي النيل عبر آلاف السنين، وأفضل بكثير من أي أراض جديدة مستصلحة، ولابد من وقف هذا النزيف فورًا مع مواجهة الأسباب الحقيقية التي تدفع الفلاح للبناء على أرضه، وتتلخص في الآتي:

1- تدني أسعار المحاصيل؛ وبالتالي العائد المادي من الزراعة لم يعد مجديًا للفلاح الذي يضطر لشراء الأسمدة والمبيدات بأسعار عالمية؛ ثم يبيع المحصول بأسعار محلية في سوق يحتكره مجموعة من التجار؛ ولذا من الضروري أن تتولى الدولة - من خلال وزارة الزراعة والتموين - توفير مستلزمات الفلاح، ثم شراء المحصول بسعره العالمي، وتسويقه؛ سواء للداخل من خلال المجمعات الاستهلاكية ومنافذ الدولة أو التصدير، وجميع النظم السياسية تساند المزارع؛ ففي أمريكا لو انخفض سعر محصول القمح عالميًا تقوم الدولة بشراء المحصول بسعر أعلى من السوق، ثم تعطيه كمعونات أو ترميه في المحيط حتى لا ينخفض سعره، وللأسف في السنوات الأخيرة كان ثمن طن القمح للفلاح المصري أقل مما نستورده من روسيا، وهذا يعني دعم الفلاح الروسي.

2- عودة دور الدولة بشكل رئيسي في الزراعة؛ سواء في شراء وتوفير الأسمدة والمبيدات؛ حتى لا نترك فرصة للمبالغة في السعر، أو جلب أسمدة أو مبيدات خطرة وخلافه؛ فهذا أمن قومي، كما على الدولة وضع خطة زراعية للمحاصيل؛ فمثلا الأرز قد يكون مناسبًا في بعض الأراضي عن الأخرى، ثم من المهم أن تقوم الدولة بشراء المحاصيل بسعر عادل، وهذا سيترتب عليه انخفاض أسعار معظم المحاصيل للمواطن لو توافرت في المجمعات والمنافذ الحكومية؛ حيث تشير بعض الدراسات إلى أن الفلاح يبيع المحصول بثمن أقل من خمس ثمن بيعه في الأسواق، والمستفيد تاجر الجملة، ومصر دولة مركزيه بالجغرافيا والتاريخ؛ خاصة في الزراعة، وعلى الدولة التوسع في زراعة القطن المصري الذي انخفض إنتاجه 90% بلا سبب مفهوم، وهو ثروة قومية.

3- تبقى مشكلة حاجة الفلاح لمسكن لأولاده؛ وهو نتيجة لتزايد السكان، وهنا مشروع الدكتور الباز؛ الطريق الموازي ليكون سكنًا مقابلًا للقرى القديمة وأهمية دراسته؛ لتنفيذه على الأرض، وبعد ذلك تجريم الاعتداء على الأراضي الزراعية بشدة، وتبقى أهمية توفير ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الريف، وخاصة ما يناسب الريف؛ مثل مشروعات تربية الطيور والحيوانات وعسل النحل ومشروع البتلو والصناعات الغذائية البسيطة والأعمال اليدوية والحرفية؛ حتى لتعود القرية المصرية منتجة ومصدرة؛ فالصين30% من صادراتها صناعات صغيرة.. والله الموفق.

مقالات اخري للكاتب

الإصلاح الاجتماعي والبيئي الشامل لمواجهة الفوضى الخلاقة (5)

انتهت المقالات السابقة إلى أن الفوضى الخلاقة ظاهرة موجودة منذ خلق البشرية، وفي العصر الحديث تعود جذورها إلى الفكر الماسوني، وهى تعتمد في نجاحها على نقاط ضعف داخلية.

الفوضى الخلاقة ومصر (4)

مصر تحديدًا هدف للفوضى الخلاقة عبر تاريخها إلى الآن، لعدة أسباب متكاملة، بداية نهضة مصر وتقدمها؛ يعني نهضة عربية وإسلامية كبرى تهدد مصالح القوى العظمى في أي عصر، ثم إن لمصر- تحديدًا - تاريخًا كبيرًا في الحضارة وموقعًا متميزًا، فهي حجر الزاوية في خريطة العالم.

التغيرات المناخية وأمطار القاهرة المشكلة والحلول

تزايد الأنشطة الصناعية الملوثة للبيئة وتزايد استخدامات الطاقة بصورها المختلفة من بترول إلى غاز إلى فحم وخلاف ذلك من ملوثات صناعية عديدة وبشكل متزايد وخطير

الفوضى الخلاقة والوطن العربي (3)

يمثل الوطن العربي موقعًا إستراتيجيًا مهما للعالم أجمع؛ سواء من حيث الموقع أو الموضع، فمن حيث الموقع وما يمثله للعالم نجد أن الوطن العربي يقع في قلب آسيا

خطوات الفوضى الخلاقة ومجالات استخداماتها (2)

إرساءعرضنا في المقال السابق جذور فكرة الفوضى الخلاقة، والتي ترجع للماسونية العالمية، وهي منظمة سرية تتبع الصهيونية العالمية ويتفرع من هذه المنظمة أو يتبعها

مفهوم الفوضى الخلاقة

يعتبر مفهوم الفوضى الخلاقة من المفاهيم القديمة والحديثة معًا؛ بل وأتوقع استمراره في المستقبل؛ لأنه يرتبط بطبيعة النفس البشرية لدى بعض البشر، ويرتبط بالأطماع البشرية منذ بدء الخليقة، وقتل قابيل لأخيه هابيل؛ فالمؤامرة موجودة وسوف تظل في حياة البشرية.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية