ما بين البناء والهدم

18-9-2019 | 22:31

 

انقطع التيار الكهربائي أمس في منزلي لمدة دقائق لسبب ما، وعندما كنت على وشك مغادرة المنزل، عاد التيار الكهربائي مرة أخرى، فقال لي نجلى أفضل النزول على الدرج، خشية انقطاعه مرة أخرى.


وقتها تذكرت ما كنا نعانيه في صيف 2014، فقد كانت ساعات انقطاع التيار الكهربائي تصل في بعض الأماكن لما يجاوز الـ 10 ساعات يوميًا، وكانت فترة عصيبة على الناس، لم يسلم منها أحد، وأتذكر أن هناك كثيرًا من الورش وكذلك المصانع أغلقت أبوابها، فانقطاع التيار يعني وقف الحال لهؤلاء، كما أتذكر ما أصاب الناس من ضرر بالغ بسبب خسارة كثير من أجهزتهم الكهربائية، بالفعل كانت فترة عصيبة.

لكن الأهم في كل ما سبق، أن أفضل التوقعات لزوال تلك الأزمة، كانت تؤكد أن صلاحها لن يكون قبل 3 سنوات، وحدثت المفاجأة التي أذهلت الناس، فبعد عام واحد فقط، حدثت طفرة كبيرة جدًا، قضت تمامًا على أعطال الشبكات، بل وأضافت إليها قدرات جديدة، أدت لوجود فائض لدينا في إنتاج الطاقة الكهربية، من أكثر من مصدر، وإحقاقًا للحق، ما حدث في عام واحد، أصلح اهتراء سنوات كثيرة، أنَّت فيها شبكات الكهرباء في مصر من سوء حالها وضرورة تجديدها، حتى وصل حالها لما شاهدناه وعايشناه في 2014، وما كان لهذا الإعجاز أن يحدث إلا بتوافر إرادة سياسية فولاذية.

وما حدث في مجال الكهرباء، حدث في مجالات لا حصر لها، منها شبكة رائعة للطرق والكباري، تم تحديثها وإضافة آلاف الكيلو مترات جديدة للخدمة، كما تم تحويل العشوائيات لمجتمعات حضارية راقية، وتم التعامل مع هذه الفئة المهمشة بتقدير واهتمام افتقدوه طوال حياتهم، والشواهد على ذلك كثيرة في الأسمرات وواحة السيدة في القاهرة وفي بشائر الخير بالإسكندرية، بتكاليف تصل لـ 19 مليار جنيه لتنفيذ 215 ألف وحدة سكنية كاملة المرافق والتجهيزات لحياة سكنية كريمة.

وحتى نهاية 2018 تم تنفيذ 102 ألف وحدة لتسكين قاطني الوحدات ب المناطق العشوائية ذات الخطورة المهددة للحياة بتكلفة 12 مليار جنيه؛ للقضاء على العشوائيات غير الآمنة والخطرة، كما تم تطوير 52 منطقة غير مخططة، تضم 409 آلاف وحدة، بتكلفة 460 مليون جنيه، ومنذ يوليو 2014 ضخت الدولة ما يفوق الـ 800 مليار جنيه في قطاع الإسكان؛ لنشاهد عددًا كبيرًا من المدن الجيدة بإمكانات تناسب كافة المستويات، وما حدث في هذا المجال أيضًا يعتبر بكل المعايير إعجازًا كبيرًا جدًا.

أضف لما سبق ما أنجزته مصر في مجال الصوب الزراعية ، وهو إنجاز رائع ومبهر بكل المعايير.

ويجب ألا نفوت ما حدث في قطاع البتروكيماويات، فقد أصبحت مصر مركزًا لصناعة الغاز في الشرق الأوسط، كما أصبحنا موردين له بعد أن كنا من كبار مستورديه، وهذا أيضًا ما كان ليحدث إلا بعد ترسيم الحدود البحرية بيننا وبين قبرص واليونان، لتصنع مصر فارقًا تاريخيًا، سيشعر به المصريون قريبًا جدًا.

كل ذلك وأكثر بكثير جدًا جدًا، حدث ويحدث، في مجالات الصحة والتعليم والبنية الأساسية وغيرها الكثير والكثير، جهود ضخمة ومضنية، استغرقت لتنفيذها أيامًا وليالي وأصلها البناؤين بلا هوادة ولا صبر ولا راحة، هكذا البناء مرهق ومضن ومتعب ومجهد.

أما الهدم فهو لا يستغرق وقتًا على الإطلاق، كل ما يتطلبه الأمر بضعة أيام، فتخيل ما يستغرقه وقت بناء عمارة سكنية، وما يستغرقه هدمها، وهذا مثال بسيط، فما بالك ببناء دولة.

الفرق بين البناء والهدم لا يمكن تخيله، وأنت من تحدد الجهة التي تقف فيها، جهة البناء، أم الهدم، وتذكر أن اختيارك سيعود عليك وعلى أبنائك وعلى أحفادك، ففي أي فريق ترغب أن تكون؟

emadrohaim@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

ملائكة الرحمة.. يطلبون الرحمة

بعد سنوات كثيرة من الركود؛ بل قل الجمود؛ بلا مبالغة؛ تحركت مصر وبقوة وعزيمة من فولاذ صوب تحقيق إنجازات ملموسة في فترة زمنية قياسية؛ إنجازات ما كان لها أن تتحقق؛ إلا بوجود رئيس وطني مخلص محترم تولى قيادتنا؛ لتنتقل مصر في 5 سنوات لآفاق متميزة.

وبات وحيدا

لم يكن يدري أنه سيفقد الترابط الأُسري؛ بانفصال والده ووالدته؛ ثم يشاء القدر أن يرحل والده؛ وهو يتوسم في دنياه اللهو واللعب؛ فقد كان في مرحلة الطفولة؛ ليفقد وقتها سنداً قويا؛ فسخرت والدته نفسها له تماما؛ ووهبت حياته من أجله؛ ورفضت الارتباط مرة أخرى؛ حتى لا تنشغل بغيره.

الرحمة فوق العدل

جاء خبر مأساة القطار الخاص بمصرع شخص وإصابة آخر؛ صادمًا للناس؛ وكشف عن عدد من الملابسات؛ التي توجب وضعها في الحسبان؛ فقد بات هناك تباين واضح في سلوكياتنا؛ إلى نحو أفضى ببروز بعض التصرفات الغريبة على مجتمعنا المحافظ؛ ولا تقول لي إنها تصرفات فردية؛ لأن ما خفي كان أكثر.

مشاهد مؤلمة!

ما حدث يوم الثلاثاء الماضي صادم ومؤلم لكثير من المواطنين، ولا يمكن المرور عليه بهدوء، ولابد من وقفة حازمة، تعيد لنا الانضباط المفقود بسبب الرعونة والتسيب اللذين لمسهما المواطنون وعانوا منه بشكل لا يُحتمل.

الضمير!

الحديث عن الضمير شيق ومثير؛ ودائمًا ما يطرب الآذان؛ ولما لا وهو حديث ذو شجون؛ يأخذ من الأبعاد ما يجعله رنانًا؛ فدائما حينما ينجرف الحوار إلى الضمير؛ تجد ما يثير شهية النفس لتدلي بدلوها في مفهومه وأهميته.

ضريبة العمل العام

حكى لي صديقي المُقرب عن أزمة يعانيها؛ نتيجة توليه مسئولية إدارة شئون عمارته التي يقطن بها؛ بعدد سكانها الكبير للغاية؛ فمنذ تولي المسئولية هو وبعض من جيرانه؛ وهو يُواجه بسيل كبير من الانتقادات والإيحاءات غير اللطيفة؛ عن كيفية إدارته لأحوال العقار القاطن به.