الرجل "الدهبي"

16-9-2019 | 18:24

 

في مهنة الصحافة، التي تأكل أصحابها بأيدي أهلها، إلا قليلأ منهم، الذين يعرفون للأساتذة أقدارهم، هناك جنود مجهولون، يعملون من خلف الستار، برغم أن ما يقومون به مهـم وضروري في مهنتنا، وبدونهم لا يكون للجريدة شكلها وشخصيتها المتميزة، ومن هؤلاء سكرتير التحرير الفني، الذي يسميه البعض بالمخرج الصحفي، ومن أشهر هؤلاء في صحافتنا المصرية في الخمسين سنة الأخيرة الأستاذ " ماهر الدهبي "، سكرتير تحرير الأهرام الفني لسنوات طويلة، ومدير التحرير الفني للأهرام الدولي، ومدير التحرير الأول لمجلة "

rch/نص الدنيا.aspx'> نص الدنيا "، هذا الرجل كان له من اسمه نصيب كبير.

هو بالفعل كان رجل "دهبي"، كان قدوة صحفية ندر وجودها، وأستاذًا تعلم على يديه الكثيرون، من كبار سكرتيري التحرير والصحفيين الكبار في الأهرام وغيرها، حيث كان يدرّس الإخراج الصحفي ، في كلية الإعلام جامعة القاهرة، وفي جامعة اليرموك بالأردن،  كما كان يحاضر في دورات الإخراج الصحفي في المجلس الأعلى للصحافة .

ولي مع الأستاذ ماهر الدهبي حكايات كثيرة، فإلي هذا الرجل يعود فضل التحاقي بالأهرام، عرفني به الأستاذ صابرعيد، مدير أقسام الجمع والتوضيب ب مطبعة الأهرام ، في السبعينيات وحتى أوائل التسعينيات، الذي علم أنني حضرت إلي القاهرة للعمل بجريدة الجمهورية، فغضب مني؛ لأنني لم أطلب منه أن يتوسط لي في الأهرام، المهم قابلت " ماهر الدهبي "، وكان وقتها مدير تحرير الأهرام الفني، ورئيس قسم سكرتارية التحرير الفنية بها، رحب بي بحفاوة، فقد كان دائمًا في قمة التهذيب، وهو يحدثني سألني: هل تعرف أين أنت الآن؟ فقلت له في جريدة الأهرام، فقال: لا أنت في أكبر مؤسسة في الشرق الأوسط، فقد كان رحمه الله معتزًا إلى درجة كبيرة بالأهرام، وأكمل حواره معي، قائلا: نحن في الأهرام مثل حمام السباحة لا يسبح معنا إلا من يجيد السباحة، ومن يغرق لا يلتفت إليه أحد.

وأذكر يومها، برغم أنني لم أفكر يومـًا أن أعمل بسكرتارية التحرير الفنية، إلا أنني قلت له: "وستجدني بإذن الله سباحًا ماهرًا"، كانت هذه بدايتي مع الأستاذ ماهر الدهبي ، بداية كلها تقدير، وافتخار بقيمة وقامة الأهرام، ومن يعملون فيها، وقد علمني " ماهر الدهبي " الثقة بالنفس والكرامة المهنية، ووقف هو بجانبي؛ حتى أصبحت أصغر سكرتير تحرير مسئول عن عدد الجمعة، بعد عام واحد من تعييني في الأهرام.

هذا الرجل الدهبي، كان هو الشخصية الثانية في الأهرام بعد رئيس التحرير، فهو "دينمو" العمل الصحفي، وبرغم أن الجميع كان يهابه مهابة رئيس التحرير، إلا أنه كان حريصًا على فرض شخصية سكرتير التحريـر؛ سواء في صالة التحرير بين المحررين، أو في المطبعة، مع جميع الأقسام المعاونة، أذكر أنني في الشهور الأولى، اختلفت في وجهة النظر مع إمبراطور التوضيب في الأهرام في ذلك الوقت "عم ربيع"، وحضر هو بالمصادفة، واستمع لخلافي معه، فإذا به يطلب من هذا الرجل الصارم "عم ربيع" أن ينفذ وجهة نظري، وسألني أن أمر عليه في مكتبه، يومها قال لي: "أنا وقفت معك في وجهة نظرك ضد ربيع، ولكنني أنصحك أن تُحسن علاقتك بهذا الرجل، فهو الرجل الأول في المطبعة، وهو صمام الأمان فيها، وهو أحرص منا على دورة العمل وسرعتها، كما أنه مثل والدك، ولابد أن تكون علاقتك مع الجميع علاقة حب واحترام في نفس الوقت، وليس معنى ذلك أن تتخلي عن ثوابت وقواعد المهنة، وأرجو ألا تذهب إلى بيتك قبل أن تتصافى معه، وبالفعل، انصرفت من عنده إلى "عم ربيع"، الذي أصبح من أقرب الأصدقاء في العمل حتى خروجه إلى المعاش، وكم استفدت منه ومن نصائحه هو الآخر.

هكذا كان ماهر الدهبي ، لا يقبل أبدًا أن يُقلل من شأن العاملين معه، كان حريصًا أن يكون كبيرًا وسط مجموعة من الأقوياء من سكرتيري التحرير، أصحاب الخبرة والكفاءة والكرامة، الذين يفرضون احترامهم على الجميع، ويحترمون الجميع أيضًا، وكان عهده من أفضل عهود الأهرام، التي كانت علاقة الزملاء فيها مبنية على الاحترام المتبادل، وعلى احترام أصحاب الكفاءات والمهارات.

كان يعلمنا دائمًا أن سكرتير التحرير هو الأمين على الجريدة، هو حارسها الأول، وهو المسئول عن كل الخطوات التي تليه، وكان يكره سكرتير التحرير، الذي لا يقرأ، ويوصي بأن يكون المخرج الصحفي كاتبًا ومحررًا ومشاركًا في المادة التحريرية، وكان يرى أن سكرتير التحرير صحفي متميز، فهو يجمع إلى التحرير مهاراته الفنية، التي لا تتوافر للكثيرين، وبفضل هذه التوجيهات، جمعت أنا وعدد من الزملاء بين الكتابة والتحرير والسكرتارية، حتى صرت مديرًا لتحرير مجلة زهرة الخليج في الإمارات، ثم مديرًا لتحرير جريدة الأهرام المسائي ثماني سنوات، وأصبح الزميل أسامة فرج مديرًا لتحرير مجلة علاء الدين، وأحد مؤسسيها، بالإضافة إلى الزميل أنور عبداللطيف، مدير تحرير الأهرام الفني صاحب القلم الرشيق، والزميل فاروق هاشم مدير تحرير الأهرام صاحب الكتابات الدينية المتميزة، وغيرهم، جزاه الله خير الجزاء عنا جميعًا وأسكنه فسيح جناته، حقا إنه "الرجل الدهبي".

Dr.ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

صابر عيد.. جواهرجي الصحافة

قليلون هم من يضعهم الله في طريقنا، ويكون وجودهم نعيمًا وبشرة خير وطاقة نور وجرعة تفاؤل، ومن هؤلاء الأستاذ "صابر عيد"؛ هذا الرجل صاحب أسلوب أدبي لا يقل

"صبري سويلم".. الصحفي والإنسان الطيب الخلوق

الطيبون يرحلون في صمت وبلا ضجيج، يأخذون قلوبنا معهم في رحلة أبدية، يتركون لنا الذكريات الحلوة الجميلة، التي تبقى أملاً في الحياة، ونورًا يضيء لنا الطريق، ومهما شغلتنا الدنيا بالسعي من أجل الرزق ومشاق الحياة، يبقى في الذاكرة رائحة هؤلاء الطيبين، الذين عطروا الأجواء برحيق أحاديثهم وأفعالهم الطيبة.

"حسين فتح الله".. الصحفي الكبير الذي لم يأخذ حقه

في زحمة الحياة، وفي مصر بالذات تذوب رفقة العمر، وتضيع معالم أيام الشباب، تغيب تلك الذكريات الجميلة خلف غيوم وضباب مشكلات المعيشة اليومية، التي لا تسمح باستعادة لحظات الصداقة البريئة، وشقاوة أيام الدراسة والزمالة، إلا كشريط سينمائي عابر، حتى بين الزملاء والأصدقاء الذين جمعهم مكان واحد،

سامي دياب.. ودروس في مهنة القلم

في زمننا كان هناك أساتذة يحبون تلامذتهم، ويعاملونهم معاملة الأبناء، يتعهدونهم بالرعاية والتوجيه، ولا يبخلون عليهم أو يضنون بما تعلّـموه، لأنهم كانوا يرون

"كمال الملاخ" .. فرعون الصحافة الأخير

من حُسن حظي أننى تعلمت وعملت مع اثنين من كبار الإعلاميين فى مصر والعالم العربي، ولا أكون مبالغاً إن قلت والعالم، ومن باب الصدفة أن كليهما يدعى "كمال"،

كمال نجيب .. عاشق "الأهرام" حتى آخر أيامه

كانت حياته كلها في الأهرام، يأتي إليها حوالي الثامنة صباحًا، ويظل يعمل بجد واجتهاد، حتى الثانية بعد الظهر؛ حيث يذهب إلى بيته في الزمالك، ليعود مرة أخرى

الأكثر قراءة