أوغلو يرفع "شراع الاستقالة" ويقود "انتفاضة الرفاق" للقفز من مركب أردوغان الغارقة

15-9-2019 | 12:34

أردوغان

 

رسالة أنقرة- سيد عبد المجيد

برغم أن ما أقدم عليه رئيس وزراء تركيا الأسبق أحمد داود أوغلو من استقالة من حزب "العدالة والتنمية"، لم يكن مُفاجئا بل متوقعًا حدوثه بين لحظة وأخرى، إلا أن رئيسه السابق رجب طيب أردوغان، كان على قناعة لا ينازعها أدني شك، من أن داود أوغلو سيعود إلى صوابه سريعًا ويعتذر (لأستاذه ومعلمه) عما بدر منه كي يتجنب ويلات غضبه الشديد بشأن خروجه الأبدى من حزب العدالة والتنمية الذي يقوده. 

 لكن أوغلو المستشار السابق والساعد الأيمن لأردوغان يستقيل غير عابئ بما ينتظره، مًستبقا قرار طرده من " الجنة الأردوغانية " المزعومة بعد إحالته للتأديب، وهو إجراء اعتبره صاحب "نطرية صفر مشاكل" تعبيرا عن عجز الحزب الخاضع لسيطرة مجموعة صغيرة، والدليل على ذلك "أنه لم يعد قادرًا على حل مشكلات بلدنا"، هكذا قال المغادر مضيفًا "من الواضح أنه لا يوجد أي احتمال للتغيير" ، متوعدًا بكشف وثائق سوف " تسودّ لها وجوه"، وحتي يكتمل المشهد أفصح في مؤتمر صحفي عن نيته بتأسيس كيان سياسي جديد منافس انطلاقا من "مسؤوليتنا التاريخية وواجبنا تجاه الأمة" على حد تعبيره.

وبالتوازي كان الرأي العام بعموم البلاد على موعد مع المفاجآت الصادمة والتسريبات الساخنة التي انتقلت في التو واللحظة من مدينة كونيا وسط الأناضول ومسقط رأس أوغلو قبل أن يتم إقصائه من تمثيلها بالبرلمان، إلى أرجاء تركيا كلها.

فبعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في 7 يونيه 2015 والتي شهدت تراجع حزب العدالة والتنمية، وعدم حصوله على الاغلبية للمرة الاولى منذ صعوده للسلطة في العام 2002 ، صرح رئيس الحكومة آنذاك أحمد داود أوغلو قائلا: "إن التصويت أظهر عدم رغبة بالنظام الرئاسي هذا التصريح لم يرض بطبيعة الحال أردوغان وبدا الأخير يعُد العُدة للإطاحة به"، داود أوغلو لم يكتف بذلك بل أن أردوغان طلب منه في عام 2015 أن يلعب دور رئيس الوزراء من دون أن يمارس سلطاته وصلاحياته، لكنه رفض ذلك واستقال منصبه، نظرًا لأن طبعه لا يسمح له بأن يكون " رئيس وزراء دمية هزيل الأداء"، وأضاف قائلا: "كان يجب إبعادي من رئاسة الحكومة تمهيدا لتنفيذ سيناريوهات من قبيل انقلاب 15 يوليو 2016، والدفع بالبلاد إلى انتخابات متتالية، والانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي المغلوط والدفع بتركيا في نهاية المطاف إلى أحضان تحالفات علنية وسرية".

داود أوغلو أذن بدا وكأنه يترجم ما سبق وخطه رئيس تحرير موقع خبردار، الصحفي المخضرم سعيد صفا من تغريدات مثيرة بثها العام 2017، وفيها قال: "عندما نتمكن يومًا من الحديث عن خلفيات خطة انقلاب 15 تموز 2016 بحرية، ونكشف عن أنه كان انقلابًا مدبرًا، فإننا سنعتبر تاريخ إقالة أحمد داود أوغلو من منصب رئاسة الوزراء ميلادًا لهذا الانقلاب"، وتابع صفا المٌطلع على كواليس حزب العدالة والتنمية مستطردا " لو كان داود أوغلو ظل رئيس الوزراء لاطّلع بشكل أو بآخر على خطة "الانقلاب المدبر"، ومنع تنفيذها مهما كلف الأمر، من هنا كان على أردوغان التخلص منه ليحل محله "بن علي يلدريم " حتى يتحقق ما خطط له بعناية وكان له ما أراد.

لم يكن داود أوغلو الشخصية الأولي البارزة التي لفظت الحزب وقائدة غير نادمة، فمعه استقال خمسة نواب ومنذ أيام قدم وزيري العدل والداخلية السابقين سعدالدين أرجين وبشير أطالاي، استقالتيهما بالتزامن مع استقالة خمسة جنرالات من الجيش الشهر الحالي، وقبل هذا وذاك كانت الاستقالة المدوية التي فجرها علي باباجان نائب رئيس الوزراء الأسبق والمدعوم من الرئيس السابق عبد الله جول، وقصمت ظهر الحزب، بيد أنها عكست عمق التصدع ليس داخل الحزب الحاكم فحسب بل في كافة مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسة العسكرية كاشفة عن أزمة حكم كبرى باتت تحاصر الرئيس ونظامه.

وها هي الأنشقاقات تتوالي مسببة تأكل هياكل الحزب بمدن مثل كونيا وقيصري ودنيزلي وغازي عنتاب الحدودية مع سوريا حيث القاعدة الصناعية قوية، ولكنها أصبحت على شفا الانهيار بسبب الفساد، ومشكلات الجيران والسياسات الاقتصادية المتردية كل هذا كان من شأنه أن يصيب أردوغان بحالة من الهلع مما دفعه إلى اتهام داود أوغلو وباباجان وجول بالخيانة، مهددا بأنهم "سيدفعون ثمن ذلك باهظاط، في محاولة ــ تبدو الآن يائسة ــ لترهيب وتهديد الذين يفكرون في القفز من سفينة الحزب الغارقة.

عزز ذلك ما ذكرته مصادر بأن اتصالات تجري أيضا لإقناع وزراء سابقين بالاستقالة والانضمام إلى حزب باباجان الجديد أو الحزب الذي سيطلقه داود أوغلو.

أن هذا الوضع المأزوم لا يمكن أن يستمر على هذا المنوال، هكذا ذهب الكاتب إرجون باباهان في أحد تحليلاته على موقع أحوال مؤكدا أن نهاية هذا النظام ستكون كتلك التي حدثت لحزب "جمعية الاتحاد والترقي" في العقد الثاني من القرن الماضي، بشرط إذا توحّدت المعارضة وأعادت نظاما برلمانيا قويا ومتوازنا، والظروف الراهنة مواتية بعد أن أدى النظام الرئاسي إلى تعرض تركيا لحالة من الإفلاس في جميع جوانب الحياة؛ الاقتصاد والقانون وحقوق الإنسان والبيئة ووضع المرأة.

باباهان حث المعارضة بالوقوف صفًا واحدًا في وجه حزب العدالة والتنمية وقال:"نعلم جميعا أن أحزابًا مثل الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطة الكردي والخير القومي وسعادات الإسلامي تعتبر جزءا لا يتجزأ من النظام البرلماني، ومن المحتمل أن تقوّي حركات باباجان وداود أوغلو هذه المجموعة مما يساعد على إنهاء حكم أردوغان في أقرب وقت".

صحيح سيحاول أردوغان أن يفك الحصار السياسي من حوله بالرهان على تمتين العلاقة مع زعيم حزب الحركة القومية دولت باهتشلي لكن مراقبين يقولون إن العلاقة بين الحزبين متوترة، وإن خسارة إسطنبول في الانتخابات الأخيرة هزت الثقة ليس فقط بينهما؛ بل بين أردوغان وباهتشلي اللذين التقيا الأربعاء قبل الماضي لفترة لم تتجاوز نصف الساعة دون أي إعلان عن فحوى اللقاء.

الأكثر قراءة