مصر لا تجمد أحلامها

15-9-2019 | 19:32

 

من الضروري أن يفهم المصريون على اختلاف درجات وعيهم، أن التوقف عن العمل والإنجاز، ليس فقط تجميدًا للحظة الراهنة، وإبقاءً للحال كما هو عليه، ولكن التوقف هو تأخر وتخلف عن الآخرين، وإضاعة للفرص، خصوصًا فرص تحقيق الحلم بالوصول إلى بلد قوي متقدم مرفوع الرأس يتسع للمصريين جميعًا.


وليسأل أحدهم عن التقدم بأي ثمن، بالطبع فإن التقدم الذي ينبغي بذل الغالي والنفيس لتحقيقه، ينبغي أيضًا الحرص في سبيله على أن يكون بأقل الخسائر، وتفادي الأضرار بكل الوسائل الممكنة، ورعاية الحقوق كافة..
القضية الآن فيمن يضعون العصا في العجلات، وهي الهواية التي كنا نمارسها ونحن أطفالا، ونغرق في الضحك عندما يتعثر راكب الدراجة، وفي وضع العربة أمام الحصان فهي مهنة الأغبياء بامتياز..

لقد كان تاريخ بناء قناة السويس متخمًا بالروايات عن دماء المصريين التي سالت واختلطت بالأحجار والرمال، وتاريخ بناء السد العالي الذي ارتبط بحكايات أجدادنا في النوبة عن التهجير وغرق القري.. لكن القناة والسد كانا إنجازين مبهرين في التاريخ المصري الحديث ، وأي تأجيل لإتمام المشروعين، هو خصم من بناء الدولة المصرية واقتصادها وحاضرها؛ لأن أجيالًا تالية كانت ستحاول تشييدهما بكلفة أعلى وفي ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية أكثر تعقيدًا..

كذلك الحال مع إعلان هدف الدولة في إزالة آثار عدوان عام 67، وقرارها بدخول معركة لاسترداد الأرض، ما لو تأخرنا فيه، الإسراع بمواجهة إسرائيل بحرب الاستنزاف، ثم قرار العبور، لكانت إسرائيل ما زالت تقف بأقدام جنودها على أرض سيناء حتى الآن.

وهناك دائما الحل السهل والمريح وهو إبقاء الأمور كما هي عليه، لا نغرق ولا نسبح، نستقر في حالة طفو على سطح الماء، حالة استقرار وهمي لا تقدم ولا تؤخر، انتظارًا لما لا يجيء، وتطبيقًا للحكمة البلهاء "تعمل كتير تغلط كتير"؛ وبالتالي نتوقف عن العمل فيقل الغلط.

أو أن نجمد أحلامنا لبعض الوقت، أيامًا أو سنوات، مثلما فعلت فتاة مصرية نشرت أخيرًا فيديو أعلنت فيه تجميد بويضاتها لحين العثور على الزوج المناسب، والذي لن تستقبله إلا بعد بلوغها سن الثلاثين، كما اشترط والدها، ولأن خصوبة المرأة تقل بعد الثلاثين، فإنها تحتفظ بفرصة "لتحقيق حلم الأمومة".

هو تجميد يبدو من على السطح أنه لا أحد سيكون خاسرًا، لأن الفتاة مقتنعة، والبويضات ستظل جاهزة، ورد الفعل كأي موضوع في مصر وفي العالم، جاءه مؤيدون ومعارضون، والدين ليس ضدها، فدار الافتاء قالت بإنه لا مانع شرعًا من ذلك، على أن يكون استعمالها فيما بعد حال قيام الزوجية بين نفس الزوجين، وأن يُراعى عدم الاختلاط.

هل هذا حل.. أن تجمد مصر أحلامها حتى لا تحدث أخطاء، انتظارًا لوقت مناسب، أو لحين نتفق جميعًا على كل شيء، وحتى نستجيب للشائعات والفوضى.

لا أرى اختلافًا كبيرًا بين شائعة في الستينيات - ونحن أطفالًا في المدرسة الابتدائية - عن أن تطعيم شلل الأطفال يؤدي إلى العقم؛ لأن الحكومة قررت تحديد النسل بهذه الطريقة، وشائعة العام الماضي الشهيرة عن طرح أرز مسرطن وأسماك صينية بلاستيكية في الأسواق، وشائعة أخيرة قبل أيام بأن الحكومة استوردت أو سمحت باستيراد أدوات مدرسية ضارة بالتلاميذ، وحسنا فعلت الحكومة بالرد على الشائعات أولاً بأول؛ خصوصًا في السنتين الأخيرتين، لأن التجاهل أكثر ضررًا من النفي والتوضيح.

أما محبو الفوضى فهم كثر؛ لأن انشغال الدولة بالرد على الشائعات وإصدار البيانات، واحتمالية التوقف أو إبطاء الأعمال، والاهتزاز مما يتم الترويج له من أكاذيب، مؤداه هو ارتعاش الأيدي، والأيدي المرتعشة لن تتخذ قرارًا، أو تقدم على تصرفات سليمة ولا على تحقيق خططها؛ وتكون النتيجة هي الثبات، حالة الطفو التي تحدثت عنها، لا سباحة ولا غرق، ومن ثم تردي الأوضاع، الأمر الذي يؤدي إلى الفوضى.

لقد رأينا جميعًا محلات الملابس تحت مكتب النائب العام في شارع رمسيس، وفرش الباعة الجائلين في وسط البلد في احتلال صريح للأرصفة والشوارع، سدوا الطرقات كافة، كما رأينا الملابس الداخلية على سور ضريح سعد في السيدة زينب، بعد ثورة يناير التي استغلها الإخوان والفوضويون خير استغلال..

والآن فإن الخطة - سواء المتفق عليها أو التي تتلاقى الإرادات فيها بالمصادفة - هي إنهاء حالة مصر الخارجة من عنق الربيع العربي بسلام، وإلغاء خططها للتنمية؛ لأن مصر من بعيد تبدو الحالة الوحيدة صاحبة المشروع في المنطقة.

فالمشروعات في المنطقة هي مشروعات اضطراب وحروب وليس مشروعات بناء، مشكلة مصر أن لديها مشروعات للطرق والجسور والزراعة والسياحة وعاصمة إدارية وسياسية جديدة، مع الاعتراف بأنه ينقصها الكثير، لكن مشروعات الدول المجاورة، هي مشروعات حرب وانتقام وتقسيم ومناطق آمنة وحصار وعقوبات.

الناس في كثير من دول المنطقة يشعرون بعجز حكوماتهم عن تحقيق الاستقرار والتنمية ووقف الهدر في القوى البشرية؛ لذلك فإن مصر يجب ألا تجمد أحلامها بأي حال، هي فقط ليس لديها سوى خيار الاستمرار في تحقيقها.

مقالات اخري للكاتب

سد النهضة والدبلوماسية المصرية

أدارت الدبلوماسية المصرية ملف أزمة سد النهضة بأسلوب هادئ ومرن، ربما لم يعجب البعض من أنصار استخدام القوى الصلبة في التعاطي مع الأزمة، والكشف من دون إبطاء عن أنياب وأظافر.. ونجحت هذه الدبلوماسية أخيرًا في إدخال طرف دولي، للمساهمة في التوصل إلى حل عادل للخلافات بين أطرافها الثلاثة..

المعلمون أولا

بدأت وزارة التربية والتعليم في مصر في إجراءات لسد العجز في المعلمين؛ حيث احتفت الوزارة قبل شهر تقريبًا بإطلاق البوابة الإلكترونية للوظائف، للتعاقد مع 120

فقر التعلم

ربما لم يلتفت كثيرون لما كتبته الخبيرة الدولية آنا بيردي قبل أيام، على صفحة البنك الدولي المتوافرة بلغات عدة منها العربية، عن "خطة جديدة لبناء رأس المال البشري بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"..

اتفاق على الأكراد

يعرف الرئيس أردوغان وأقطاب نظامه وحليفه الأمير تميم في قطر أن عودة السيادة التركية على الشرق أمر غير وارد في الزمن الراهن؛ لذلك فإن المسعى هو السيطرة السياسية

أكتوبر السادس والأربعون

الحرب كانت ومازالت تعبيرًا وطنيًا شديد التلاحم نحو تحقيق الهدف، وتزداد شرعيتها، خصوصا عندما يكون هذا الهدف مدعمًا بالحق ومُؤازرًا بالواجب. لذلك كانت أكثر

مصر تعيد اكتشاف قدراتها

اكتشفت مصر قوتها وقدراتها خلال الأيام الماضية، وعرفنا إلى أي مدى كانت انطلاقتنا في التنمية مطمئنة إلى وعي جمعي بضرورة هذه التنمية، وأن أزماتنا الواضحة

الأكثر قراءة