روابط الطبيعة والتاريخ في وادي النيل (7)

14-9-2019 | 18:28

 

هناك أسس طبيعية وتاريخية تربط وادي النيل ؛ ولذلك فالوحدة في وادي النيل أمر طبيعي قضت به ظروف البيئة منذ أن بدأ الإنسان يستقر على جوانب النيل؛ ولذلك سارت مع الزمن وخلدت روحها خلود التاريخ؛ لأن الظروف البيئية فرضت على شعوبها أن تعيش متحدة على ضفاف النيل، وأن تعمل متكاتفة متساندة متكاملة عل

ى نحو لا نظير أو مثيل له في أي إقليم آخر من أقاليم الأرض.

وبداية يجب التفرقة بين وادي النيل و حوض النيل ؛ فالحوض أشمل؛ ويضم الأراضي التي تغذي النهر بمياه الأمطار والأراضي التي يغذيها النهر بمياهه الجارية، وهو بذلك يشمل الحبشة وهضبة البحيرات ومصر والسودان، ولكن وادي النيل يضم مصر والسودان، وكلاهما يعتمد على نهر النيل في حياتهما - الآن ومستقبلا.

ومن هنا كانت العلاقات التجارية والثقافية والروحية عميقة وقديمة قدم التاريخ؛ ولذلك فمصر والسودان ما هما إلا شطران متكاملان ترتبط الحياة في كلا البلدين بمصدر واحد هو نهر النيل؛ ولذلك فالوحدة بينهما وحدة طبيعية بين شطري الوادي في الشمال والجنوب، وهي وحدة تاريخ ومصير بحكم البيئة الطبيعية، وكلاهما في حاجة لتنسيق الجهود والعمل المشترك للاستفادة من النهر وتجنب مخاطره، ويشهد التاريخ تبادل العطاء والمنافع بين مصر والسودان للاستفادة من هذا النهر؛ ففي بعض الأحيان تعمل مصر وتستفيد السودان، وفي أحيان أخرى تعمل السودان وتستفيد مصر - هذا من آلاف السنوات، وكثيرًا ما توحد القطران في العهود القديمة، وكان الحاكم يأتي من أي إقليم منهما تتركز فيه القوة أحيانًا من مصر وأحيانًا من السودان، ولم يعتبر ذلك فتحًا أو غزوًا من أي طرف، وإذا انتقلنا إلى العهد المسيحي تلقت مصر ديانة المسيح - عليه السلام - من الشرق، ولكنها عادت ونشرتها نحو الجنوب.

وانتقلت المسيحية مع ماء النهر حتى استقرت في إقليم دنقلا ومروي، وانتشرت من النوبة في اتجاه إريتريا ، ثم مع النيل الأزرق في اتجاه سنار، واستمرت المسيحية هناك إلى أن جاء الإسلام، وهنا نلاحظ أن العرب لم يعبروا البحر الأحمر مباشرة إلى السودان إلا بقدر محدود للغاية، والإسلام لم يبلغ السودان من الجزيرة العربية رأسًا - كما حدث في كثير من البلدان الأخرى - وإنما كان عن طريق مصر، فمصر كانت لحد كبير مصدر الثقافة والعمران إلى السودان، وأن هؤلاء العرب الذين صبغوا السودان بصبغتهم العربية الحاضرة، إنما أتوا عن طريق مصر - وهذا ليس غريبًا، فالسودان يشارك مصر بحكم الطبيعة في كل شيء، ومصر عبر التاريخ لم تحبس أو تمنع عن السودان أي شيء تملكه، فهو منها وهي منه، وهما معًا أبناء وادي النيل العظيم.

وهنا يبرز تساؤل: لماذا لم ينتشر الإسلام ليغمر الجنوب السوداني ولو عن طريق الاحتكاك الثقافي؟ والجواب: أن هذا الانتشار لا يكون سريعًا عن طريق الغزو، فهذا يحتاج إلى قرون، كما أن انتشار الثقافة يحتاج إلى قرون ومثابرة ومداومة وتغذية دائمة، كما أن موجة التوسع العربي وانتشار الإسلام عن طريق الاتصال الثقافي والتجارة أصيبت بصدمة عنيفة في الشرق بوجه عام ومصر بوجه خاص، عند الدخول تحت سيطرة الدولة العثمانية، فحل الأتراك محل العرب، ودخل الشرق كله في عهود من الظلام، وخبا نور المدنية؛ بل كاد مشعل الثقافة أن ينطفئ؛ فانقطعت حركة العرب من أساسها وتوقف تمددها، وتوقف تقدم الإسلام في هذه المنطقة، ودخلت السودان ومصر في نفق مظلم.

وجاء محمد علي فبعث الوحدة والنهضة في أرض مصر وامتد إلى السودان، وبعد أن وصل أبناء النيل إلى مشارف خط الاستواء امتدت يد الاستعمار إلى الشرق من جديد، وسقطت مصر والسودان في يد الاستعمار مرة أخرى، وانقطع حبل الحياة بين الشمال والجنوب، وتراجعت الحضارة والثقافة، فكانت القطيعة بين مصر والسودان، ودخل الجنوب في حالة من الفوضى بالرغم من الربط المظهري بين مصر والسودان، الذي يخلو من الروابط الحقيقية والتاريخية.

مقالات اخري للكاتب

الإصلاح الاجتماعي والبيئي الشامل لمواجهة الفوضى الخلاقة (5)

انتهت المقالات السابقة إلى أن الفوضى الخلاقة ظاهرة موجودة منذ خلق البشرية، وفي العصر الحديث تعود جذورها إلى الفكر الماسوني، وهى تعتمد في نجاحها على نقاط ضعف داخلية.

الفوضى الخلاقة ومصر (4)

مصر تحديدًا هدف للفوضى الخلاقة عبر تاريخها إلى الآن، لعدة أسباب متكاملة، بداية نهضة مصر وتقدمها؛ يعني نهضة عربية وإسلامية كبرى تهدد مصالح القوى العظمى في أي عصر، ثم إن لمصر- تحديدًا - تاريخًا كبيرًا في الحضارة وموقعًا متميزًا، فهي حجر الزاوية في خريطة العالم.

التغيرات المناخية وأمطار القاهرة المشكلة والحلول

تزايد الأنشطة الصناعية الملوثة للبيئة وتزايد استخدامات الطاقة بصورها المختلفة من بترول إلى غاز إلى فحم وخلاف ذلك من ملوثات صناعية عديدة وبشكل متزايد وخطير

الفوضى الخلاقة والوطن العربي (3)

يمثل الوطن العربي موقعًا إستراتيجيًا مهما للعالم أجمع؛ سواء من حيث الموقع أو الموضع، فمن حيث الموقع وما يمثله للعالم نجد أن الوطن العربي يقع في قلب آسيا

خطوات الفوضى الخلاقة ومجالات استخداماتها (2)

إرساءعرضنا في المقال السابق جذور فكرة الفوضى الخلاقة، والتي ترجع للماسونية العالمية، وهي منظمة سرية تتبع الصهيونية العالمية ويتفرع من هذه المنظمة أو يتبعها

مفهوم الفوضى الخلاقة

يعتبر مفهوم الفوضى الخلاقة من المفاهيم القديمة والحديثة معًا؛ بل وأتوقع استمراره في المستقبل؛ لأنه يرتبط بطبيعة النفس البشرية لدى بعض البشر، ويرتبط بالأطماع البشرية منذ بدء الخليقة، وقتل قابيل لأخيه هابيل؛ فالمؤامرة موجودة وسوف تظل في حياة البشرية.

مادة إعلانية