المصالحة مع النفس.. فريدة الشوباشي نموذجا!

12-9-2019 | 20:19

 

ما أجمل التصالح مع النفس بقناعة داخلية من الأعماق؛ فتلك المصالحة هي الباب الملكي للولوج إلى عالم هدوء السريرة ونقاء الوجدان؛ وهي البساط الأخضر الذي يمتد - تحت أقدامنا -على جسد دروب الحياة طولاً واتساعًـا وعمقًا؛ ليمنحنا الرضا الروحي والقلبي عن كل اختياراتنا في أساليب معاملاتنا الحياتيََّة مع البشر في المجتمع على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم السلوكية وتحقيق التواؤم مع قناعاتهم السياسيَّة ومعتقداتهم في مناحي الحياة كافة، دون التخلي أو التنازل عن الإيمان بالمباديء السامية والأساسات والأعمدة التي يقام عليها بنيان الشخصية برؤاها ورؤيتها الخاصة والمتفردة.


وقد ينظر بعض شركاء المجتمع إلى تلك الشخصية المُعتدَّة بآرائها واختياراتها بنظرة مغايرة إيجابَّا أو سلبََّا؛ وقد تصل بالبعض إلى حد الإشارة بإصبع الاتهام بجريمة التمرد والعقوق والخروج من عباءة الموروث والعُرف والتقاليد والتفكير خارج ما يسمى بفلسفة القطيع وسياسته.

لكن.. لأن الإنسان ــ في الأغلب الأعم ــ يتمتع بالكثير من انعكاس اسمه على معظم أو كل صفاته وتصرفاته وسلوكياته؛ كانت هذه الشخصية المتفردة ـ التي لفتت نظري وأنظار الكثيرين معي ـ وبرزت بين قريناتها من بنات جيلها منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي؛ وهي الصحفية والإذاعية والكاتبة الروائية: الأستاذة فريدة الشوباشي؛ فكانت ـ بحق ـ "فريدة" اسما وصفة وسلوكًا.

فهيٓا بنا نعيش في عالمها وأمواج بحرحياتها الذي أخذها إلى "المنفى الاختياري" في العالم الأوروبي والانخراط مع حياة الفرنجة؛ وبرغم طول الغربة التي امتدت إلى مايزيد على ربع قرن من الزمان؛ إلا أنها من خلال عملها في فرنسا بتليفزيون وإذاعة مونت كارلو؛ رفضت أن تتخلى عن مصريتها الأصيلة وعن الإيمان بعروبتها المتجذرة في أعماقها وبخاصة القضية الفلسطينية؛ وبرغم كل المغريات المادية والمعنوية التي تم عرضها عليها؛ إلا أنها رفضت أن تدير ظهرها للمبادئ السامية الراقية التي اعتنقتها؛ وفضلت الانتصار لنداء القلب والحب والضمير.. والعدل والحرية!

ومن المواقف الفارقة في مسيرة حياتها في بداية التهيؤ لوداع مرحلة الطفولة والدخول من بوابة عالم الأنوثة؛ كان لأهلها في صعيد مصر ـ حيث العادات والتقاليد الصارمة وسيادة أعراف وتقاليد وقوانين المجتمع الذكوري ـ رأيًا بضرورة الزواج ممَّن تم اختياره لها على غير إرادتها، وكانت هذه الرغبة من الأهل بمثابة نزع فتيل قنبلة روح التمرد الدفين في مكامن الشخصية؛ لإيمانها الشديد بضرورة عدم فرض القيود والأغلال حول رقبتها؛ ولأن ذلك يُعد شكلاً من أشكال العبودية وسلب الإرادة، وهي التي تريد الانطلاق بكامل الحرية المنضبطة ـــ لا الفوضوية ــ لاختيار الطريق والشريك الذي يشاركها رحلة الحياة حتى النهاية، فعندما شعرت أن الحلقة تضيق حول رقبتها ومصيرها؛ لم تتردد وحملت حقيبتها على كتفيها .. ورحلت إلى حيث الواحة الظليلة في كنف الشريك ( الأديب الراحل علي الشوباشي) الذي آمنت به وآمن بها وبأفكارها؛ ليبدآ معًا رحلة استكمال تحقيق الأماني والطموحات التي داعبت مخيلتها ـ أو مخيلتهما معًا ـ في مقتبل العمر! وقد اقترن اسمها باسم عائلته باختيارها إمعانا في إظهار ارتباطها الروحي به إلى حد الانصهار.

ومن المدهش أن يكون اطلاعها على سيرة أمير المؤمنين شهيد المحراب الفاروق "عمر بن الخطاب" والملقب بـ "الإمام االعادل"؛ سببًا في ترسيخ مفهوم "العدل" بداخلها كقيمة وفضيلة من الفضائل التي تبحث عنها النفس المتصالحة مع ذاتها؛ وكانت السبب الأساس في الكثير من التحولات الجذرية في سيرة ومسيرة حياتها المليئة بالمواقف التي تتطلب الحكمة في سرعة اتخاذ القرار الصحيح؛ تلك المواقف التي جعلت منها ناشطة ناجحة في مجال حقوق الإنسان؛ دون النظر إلى جنسه أو لونه أو عقيدته، فالإنسان ـ في نظرها ـ هو الإنسان وهو نفحة من روح الله خالق كل شيء، لتصل بتلك المفاهيم والقناعات لأن تتولى منصب رئيس جمعية حقوق المواطن في مصر، وساعدها على النجاح في هذا المجال إجادتها اللغة الفرنسية في المرحلة الابتدائية والدراسة الجامعية في كلية الحقوق.

لقد استطاعت هذه السيدة بقوة الإرادة والعزيمة الصلبة؛ أن تفسح لها مكانا بين صفوف القوة الناعمة المصرية المكونة من النخبة والصفوة من الأدباء والشعراء والفنانين والصحفيين الشرفاء المؤمنين بقضايا الوطن والإنسان؛ واستطاعت أن تقول كلمتها الواعية في أحلك الظروف التي مرت بها الساحة السياسية المصرية إبان حكم الجماعة التي تلفحت بعباءة الدين؛ والتي قفزت على سدة الحكم في عام الكآبة والأحزان ٢٠١٢؛ فكتبت مقالاً رائعًا بصحيفة "المصري اليوم" بعنوان "الحكم بشرع الله".. تقول فيه: "تاهت منا المعايير والضوابط بصدد ما يعتبره البعض "شرع الله"؛ وتتنقل بين المتحدثين باسم المولى عز وجل؛ وكأنهم مفوضون بذلك؛ ونرصد اختلاف التقييم بينهم لما يعتبره كل منهم "شرع الله"؛ وبما أنني لست فقيهة بل مواطنة بسيطة ترصد وتراقب ما يحدث في وطنها وله؛ ويلح علي سؤال بديهي: هل تتنافى العدالة الاجتماعية؛ التي نادت بها ثورة يناير مع شرع الله؟ هل من ينادي بتحقيق هذه العدالة بين المصريين وتقليل الفجوة الهائلة بينهم في الدخل والمعيشة والتعليم والسكن والرعاية الصحية؛ ينتمي إلى القوم الكافرين؟ هل تتنافى قيمة "الحرية" مع شرع الله؟ وهل المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات على أساس الانتماء إلى هذه الأرض؛ بغض النظر عن العقيدة الدينية أو الاختلاف في الفكر أو الجنس أو اللون يناهضان مبادئ الإسلام ويعتبر أنه من الكبائر؛ بينما اعتناق فكر السمع والطاعة؛ وعدم الاهتمام بأصل بلد الحاكم؛ كأن يكون ماليزيًا مثلا؛ لكي يحكم مصر بجلالة قدرها؛ والتركيز فقط على أنه مسلم؛ هل هذا هو "شرع الله" في نظر هؤلاء؟".

إنني أرى أننا بحاجةٍ ماسة إلى مثل هذه "الفريدة" في نسيجها وتكوينها وقناعاتها التي لم تتزعزع في حب الوطن والانتماء له؛ لنخرج به من النفق المظلم الذي يصر أعداء الوطن على أن نتوه بداخله ونعود القهقرى إلى عصر الجاهلية الأولى.

مقالات اخري للكاتب

"العظماء السبع" ودولاب الاقتصاد المصري

في خضم الصراع العالمي بين أباطرة السلاح والعتاد؛ ومالكي ترسانات أسلحة الدمار الشامل والأسلحة الكيميائية والبيولوجية التي تهدد كوكب الأرض والبشرية بالفناء؛ يصبح مصير الشعوب الصغيرة والفقيرة في مهب الرياح العاتية؛ أو الخضوع لسيطرة الأقوياء بلا أدنى حيلة في العيش الكريم أوالبقاء.

أخلاق الفنان .. في الميزان!

لم يكن الشاعر نرجسيًا حين قال عن نفسه: إنني أرى ما ترَون.. لكنكم لا ترَون ما أرى! ولم تدفعه "الأنا" أو النفس الأمارة بالسوء إلى هذا القول الصادق؛ إلا لأنه

قراصنة العقل.. والنشر.. والخيانة الوطنية!

بالتأكيد.. البون شاسع بين "الخطأ" و"الخطيئة"، فالخطأ أن تتعثر قدمك مصادفة وغصبًا بمن يسير إلى جانبك في الزحام.. وتعتذر، والخطيئة أن تتعمد الاصطدام بقدمه وتصيبه بالضرر، وتمضي بدمٍ بارد.. دون اعتذار!

قمة العشرين.. وأنياب "كسَّارة البندق"!

في مجموعة بلدان العالم الثالث ـ الفقراء إلى الله تعالى ـ لا تملك إلا الشفقة على علماء ورجال الاقتصاد؛ لأنهم في هذه البلدان كـ "البندقة" بين فكَّي "كسَّارة

دهشة الدهشة.. وكأس الأمم الإفريقية!

ليس من المستغرب أن أقول: لقد أدهشتني ـ بشدة ـ دهشة القائمين على وسائل الإعلام الرياضي وكتّاب الصحافة الرياضية؛ وما أدهشني.. هو مدى انبهارهم بحفل الافتتاح

الخنجر المسموم.. الخيانة

​يحتضنونك بقوة.. لا لأنهم يحبونك؛ وإنما ليتحسَّسُوا مواطن الضعف لتسديد الطعنة القاتلة: ماديًا أو معنويًا! عن الخيانة والخونة.. أتحدث!

الأكثر قراءة

مادة إعلانية