"صلاح جلال".. الصحفي الإنسان

9-9-2019 | 19:17

 

منذ أول يوم لي في مؤسسة الأهرام تعرفت على الصحفي الكبير قولًا وعملًا صلاح جلال، تعلمت منه فعل الخير، والتواضع وحب الناس وخدمتهم والتفاني في العمل والموضوعية والوقوف إلى جانب الحق وعدم التنازل عن المهنية مهما كانت الضغوط، فقد ظل مرفوع الرأس منذ أن عرفته عام 1976، حتى وفاته في فبراير1991.


عملت معه سكرتيرًا لتحرير مجلة "الشباب وعلوم المستقبل"، كان دقيقًا مرتبًا، كل شيء عنده بتوقيت، لا يترك شيئًا للصدفة، وبرغم سفره الدائم وراء الأحداث العلمية إينما كانت، إلا أنه كان يشرف على كل أمر من أمور المجلة والقسم العلمي بنفسه، يتصل بنا أنا والزميلين أسامة فرج، ومحمود مخالي من كل أرجاء الدنيا يتابع العمل في المجلة، وهو من القلائل الذين شجعوني على الكتابة والجمع بين الإخراج والتحرير.

تعلمت منه كيف أكسب ود واحترام الآخرين، ذهبت معه يومًا إلى وزارة الصحة، فوجدت الجميع هناك يحبونه ويحترمونه ويحتفلون به؛ بداية من بوابه الوزارة حتى مكتب الوزير، يداعب كل من يقابله ويسلم عليه.

كان الجميع في مؤسسة الأهرام يحبون هذا الرجل، الذى كان باب مكتبه مفتوحًا لكل صغير وكبير، كان مؤسسة اجتماعية وخدمية متكاملة، فقد كانت لديه شبكة اتصالات واسعة مع كافة وزاراء مصر والمسئولين فيها مبنية على الاحترام المتبادل وتقدير مكانته الصحفية والمهنية وسمعته في الأوساط العلمية.

كان كل من لديه مريض أو صاحب حاجه يلجأ إلى مكتبه، ويأخذ خطاب توصية، وكان اسمه كفيلًا بفتح أبواب الأطباء المغلقة أمام من يحمل الخطاب الممهور بتوقيع "صلاح جلال"، وكانت هذه هي النواة التي أكمل "عبدالوهاب مطاوع" تطويرها؛ لتصبح مؤسسة حقيقية تحت إشرافه تخدم قراء بريد الأهرام.

كان صبوح الوجه مبتسمًا دائمًا، كان متواضعًا برغم كونه رائد الصحافة العلمية والبيئية في مصر والعالم العربي،‏ وكان من أوائل الصحفيين أصحاب الأعمدة اليومية في الأهرام وفي الصحافة المصرية كلها، حيث كان يحرر يوميًا باب بعنوان "علوم"، يكتبه بأسلوب سهل مبسط.

وعلى مدار أربعة عقود قضاها في بلاط “صاحبة الجلالة”، أدرك صلاح جلال أن عبور الفجوة العلمية والتكنولوجية هي الطريق الوحيد للتقدم بالعلم والتكنولوجيا وليس بالشعارات، وكانت متابعته لسباق الفضاء بين أمريكا والاتحاد السوفيتي‏‏ هي بداية تخصصه في الكتابة العلمية‏، وتفوق في تبسيط العلوم والمصطلحات العلمية للجماهير العريضة‏.‏

وكان الصحفي المصري - بل والعربي - الوحيد الذي تابع إطلاق سفينة الفضاء أبوللو إلى القمر حاملة نيل أرمسترونج وزميليه في يوليو ‏1969‏ ـ وكانت هذه التغطية الصحفية المتميزة لهذا الحدث الجلل تحتل صفحات الأهرام الرئيسية لأيام عديدة ـ وكان يؤمن بأن مصر يجب أن تدخل القرن الحادي والعشرين بالعلم والتكنولوجيا ـ وكان يدعو دائمًا إلى انتهاج الأسلوب العلمي في التفكير‏.‏

تعلمت من صلاح جلال الكرامة ورفعة الرأس: سافر "صلاح جلال" في الستينيات من القرن الماضي إلى إحدى الدول الخليجية "قطر" لتغطية مؤتمر علمي يعقد على أراضيها، دعت لحضوره العلماء من دول العالم المتقدم، لتدلل على أنها تهتم بالعلم والعلماء، ولذلك وجهت الدعوة إلى الصحف المصرية لتغطية المؤتمر، وكان "جلال" من أبرز الصحفيين الذين قاموا بالتغطية لخلفيته العلمية ولمتابعته للعلماء الاجانب الذين شاركوا في المؤتمر.. وانفردت الأهرام بحوارات معهم والإعلان عن بحوث علمية حققت نتائج رائعة.

فوجئ "صلاح" بالمسئول الإعلامي عن المؤتمر يبلغه تحيات الأمير ويوجه له الشكر على التغطية الرائعة التي قامت بها الأهرام ونقلت عنها الصحافة العالمية، لم يكتف الرجل بعبارات الشكر إنما قدم له مظروفًا يحتوي على أوراق مالية، وأوضح له أنها مقدمة من الأمير شخصيًا، رفض "صلاح" أن يتسلم المظروف، واعتبر هذا التصرف إهانة لا تغتفر، وأعلن على الملأ أن عطية الأمير يجب أن تقدم لشعبه وليس للإعلاميين المصريين الذين ليسوا بحاجة إلى عطايا الأمير، فرد المسئول الإعلامي على الفور قائلًا: إن عطايا الأمير لا ترد، فقال صلاح: وأنا أرفضها بشدة.

قبل أن يعود "صلاح" إلى القاهرة سبقه من أبلغ "محمد حسنين هيكل" رئيس التحرير.. أن مندوب الأهرام تسبب في "أزمة دبلوماسية" بين البلدين، وأنه ما كان ينبغي أن يتصرف بهذه الرعونة ويرد عطايا الامير.
استدعى "هيكل" "صلاح" وسأله عما جرى، فأطلعه على حقيقة ما تعرض له من إهانة، وأضاف أنه كان يدافع عن كرامة الصحفيين المصريين جميعًا، لا عن صحفي "الأهرام" وحدهم، وان الزملاء الذين شاركوا في تغطية المؤتمر رفضوًا عطايا الأمير، وأعادوا المظاريف "المسممة".

في الاجتماع اليومى لمجلس تحرير الأهرام، الذي يضم مدير التحرير ورؤساء الاقسام، حرص "هيكل" على الحضور مبكرًا، وأعلن أنه منح "صلاح" مكافأة على موقفه الشجاع، وحفاظًا على "الأهرام" أولا والصحافة المصرية بوجه عام.

وأضاف هيكل أنه لو كان "صلاح" قبل تلك "العطية" لكان لي موقف مختلف معه، اما عما يتردد عن "أزمة دبلوماسية" فهي لن تحدث ولو حدثت ليست بسبب تصرف "صلاح".

عمله الدائب وحبه للعلم والعلماء ونهجه للموضوعية جعلته قائدًا محنكًا يعرف كيف يقود فريق عمله، ولهذا تبوأ العديد من المناصب منذ بدأ ممارسة عمله الصحفي في أخبار اليوم ثم الأهرام، حيث رأس نوادي العلوم في مصر عام‏ 1967، ثم رئيسًا للاتحاد العربي لنوادي العلوم، ثم سكرتيرًا عامًا لجمعية أصدقاء العلميين بالخارج، ثم رئيسًا لتحرير مجلة الشباب وعلوم المستقبل‏.‏

وكان نقيبًا للصحفيين لدورتين‏،‏ وفي عام 1981 كان وكيلًا للمجلس الأعلى للصحافة‏،‏ وتولى رئاسة اتحاد الصحفيين الأفارقة لدورتين‏،‏ ومستشارًا لليونسكو لشئون تبسيط العلوم في العالم العربي منذ عام 1972 وحتى رحيله ـ وأيضًا رأس الجمعية الدولية للأبحاث الشمسية، ورئيسًا لجمعية المحررين والكتاب العلميين المصريين‏.

ولأنه قدم العديد من الإسهامات العلمية والبيئية لمصر، فاستحق التكريم على أعلى المستويات؛ حيث حصل على “وسام الجمهورية”، أثناء الاحتفال بـ”يوم العلميين”، في أبريل‏1981، كما حصل على “وسام العلوم والفنون” من الطبقة الأولى، في فبراير‏1986، ثم حصل على “وسام الاستحقاق” عام‏ 1988.

Dr.ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

الرجل "الدهبي"

في مهنة الصحافة، التي تأكل أصحابها بأيدي أهلها، إلا قليلأ منهم، الذين يعرفون للأساتذة أقدارهم، هناك جنود مجهولون، يعملون من خلف الستار، برغم أن ما يقومون

"صلاح هلال".. عاشق الصحافة وقلم لا يموت!!

كثير من الرجال في هذا الزمان قد يصبح بقاؤهم رحيلا، وقليل من الرجال يصبح رحيلهم بقاءً وخلودًا.

"ممدوح طه"... الخبر الصادق

​في مدرسة "الأهرام العريقة" أُرسيت قيم وقواعد صحفية أصيلة، كانت ولا تزال وراء تميز تلك الصحيفة وضع أسسها أساتذة نذروا أنفسهم لمهنة الصحافة، عشقوها، وأعطوها عمرهم، وبادلتهم هي عشقًا بعشق ومنحتهم الخلود في سماء مهنة البحث عن المتاعب.

عبد الحميد سرايا.. وعفريت الدسوقي

في دنيا الصحافة حيث العمل اليومي الدقيق والسريع المتلاحق، قليلون هم من كانوا رمانة الميزان، الذين يضبطون إيقاع العمل ويوازنون بين أجنحته المختلفة، ويوجهون كافة الجهود نحو هدف واحد هو التميز وخدمة القارئ، وكان "عبد الحميد سرايا" هو رمانة ميزان "الأهرام" في عهد "هيكل".

"عبد العظيم درويش".. ورحلة عشق القلم!!

أحلى أيام العمر تلك التي نلتقي فيها بلا موعد، وأغلاها تلك التي لا تقوم العلاقات خلالها على المصلحة المتبادلة، تحكمها الصداقة، وتوجه دفتها بوصلة القلب، البساطة والمحبة مجدافيها، لا تكدر صفوها أمواج التنافس، ولا تحول دون الوصول إلي شواطئ الأمان فيها غيرة أو حقد أو حسد.

بلدنا "فيها حاجة حلوة"

أحيانًا لا يطاوعني قلمي في الكتابة، خاصة وأننا قد تعاهدنا منذ أن تصاحبنا، وتآلفنا أن يصدقني التعبير، وأن يكون ضميري فيما أكتبه؛ لأنني من الذين يؤمنون بأهمية