مهندس البهجة وصاحب "صندوق الدنيا"

7-9-2019 | 16:47

 

أسعدني الحظ بلقاء الفنان الكبير الراحل فؤاد المهندس عدة مرات، في منزل صاحب البهجة والكرم والقلم الحر والفكر المستنير أستاذنا وعمنا وحبيبنا الأستاذ أحمد بهجت صاحب عمود "صندوق الدنيا".

ومن خلال "صندوق الدنيا" اطلعت أنا وأجيال سابقة ولاحقة على الفكر المستنير والأدب العالمي، وعلى قصص القرآن الكريم، وعلى شتى التيارات الفكرية..
وكانت تجمع الراحلين فؤاد المهندس وأحمد بهجت جلسات سمر وعمل كثيرة؛ لتحضير حلقات كلمتين وبس، وأسعدني الحظ بحضور عدد منها..

ولن أستطيع أن أوفي أيًا منهما حقه فيما كانا يتميزان به من خلق وكرم وتواضع وجدعنة وكرم ومحبة لمن حولهما ألف رحمة ونور على الأستاذ أحمد بهجت، والفنان الكبير فؤاد المهندس وأسكنهما الله فسيح جناته..

في ٦ سبتمبر تحل ذكرى ميلاد الفنان الكبير الراحل جسدًا والباقي فنا وبهجة.. فؤاد المهندس جاء بعد جيل من مؤسسي الفن المصري، والذين انشقوا عن أسرهم وعائلاتهم من أجل بدء مشوارهم الفني.

ولد فؤاد المهندس ولد في 1924، ووقت نشأته كان ينظر للفنان والممثل نظرة دونية، وبرغم كونه ابن عالم اللغة زكي المهندس، استمر فؤاد المهندس في مشواره الفني، وشهد عقدي الأربعينيات والخمسينيات جيل الممثلين الجامعيين خريجي الكليات والجامعيين مختلفًا عن الجيل المؤسس الذي شق طريقه بصعوبة.

بزوغ نجم فؤاد المهندس الحقيقي كان عام 1952، مع انطلاق عرض «ساعة لقلبك» في الخمسينيات، والذي كان بدايات ما يعرف بـ«ستاند أب كوميدي» من خلال اسكتشات يقدمها أشخاص خرج منهم «كاركترات» تم استخدامها بعد ذلك في السينما، وهذا ما جعل صناع الأفلام يقدمون أدوار البطولة لفؤاد المهندس، والذي فشل في أولى محاولاته كبطل سينمائي، وهبط مرة أخرى إلى الأدوار الثانية.

فؤاد المهندس نجح في الأدوار الثانية حتى الستينيات مع أولى بطولاته المطلقة الناجحة، ثم جاءت مرحلة تحول المهندس من الممثل الجميل الناجح اللطيف الذي يقوم بدور المساعد للبطل إلى البطل والنجم، وتبدأ بفيلم (اعترافات زوج) سنة 64، وهو الفيلم الوهج الذي يبدأ مرحلة مهمة جدًا نجم الطبقة الوسطى يزيح إسماعيل ياسين الذي صنع أفلامًا كثيرة باسمه وكان متصدرًا المشهد، ويبدأ منحنى ياسين ينخفض ويصعد منحنى المهندس، الذي هو النموذج والشكل القريب من المجتمع الذي يتشكل في خمسينياته ويتضح في ستينياته، لتجده هو النجم، ويعمل أفلامًا جميلة تستحق الاهتمام طوال الوقت، وجاء فؤاد المهندس..

انفصل عن زوجته، وتزوج شويكار، وكان الكل سعيدًا بهذه الزيجة، والمهندس كان للناس مثل الجار والمدير في الشغل، وكونا الثنائي الرائع، وتجد لأول مرة الكوميديانة النجمة، وكان يعشقها ويترك لها مساحات كبيرة في أفلامه للتوهج، وكان يمتلك التواصل الصادق بينه وبين الجمهور.

ثم جاءت النكسة، وأحدثت تحولًا كبيرًا في المصريين، وكنا في حلم وأصبحنا في كابوس، هزيمة مدوية، وانتهت إلى أن الناس قررت في ظل إحباطها أن تلجأ للسخرية والهزل.

واستجاب فؤاد لهذا وبدأنا نرى أعمالًا للتسلية وتتحول لأفلام، ونجد أنفسنا أمام "شنبو في المصيدة"، قمة الهزل والهرتلة، وكلام فارغ من تأليف أحمد رجب، وينجح الفيلم نجاحًا منقطع النظير، كانت حالة استجابة لأزمة مجتمع وأزمة سياسة وواقع، ويعمل جو عصابات شيكاغو و(فيفا زلاطا).

وبعدها شارك في مساحات محمد عوض وأبوبكر عزت، وهو نفسه يأخذ عوض معه في أفلام، وبعد 67 بدأ المجتمع يتغير، ولما وجد المساحة تبعد قرر يعمل (عودة أخطر رجل في العالم) لكي يستثمر النجاح قليلا، وكما قدم عادل إمام في مسرحية "أنا وهو وهي"، بدأ عادل في أوائل السبعينيات مع روائح الانفتاح الصنايعية والتجار والموظف ومشاكله تزيد، وأصبح هناك تكدس وظيفي، طبقة الموظفين بدأت تتقلص وتتراجع وقدرتها المالية في مواجهة طبقة جديدة الحرفيين والتجار وأصحاب العمل الخاص، كانوا محتاجين نجومهم كان أبرزهم محمد رضا، وعمل فيلم اسمه (عماشة في الأدغال) وهو شخصية (اللمبي المبكر)، ثم (مدرسة المشاغبين)، ومرحلة التمرد الكبيرة، وكل هذا جعل فؤاد المهندس صاحب الروح التربوية والمعلم والمثقف يتراجع لصالح نجوم جدد يريدون النجم الصعلوك.

وعاد إمام يرتدي الجينز في كل أفلامه والروح الشابة والمتمردة والعابسة والرافضة، وهناك اثنان في تاريخ مصر حولا الفنان الهزلي إلى قيمة الأستاذ، ويطلق عليهم هذا اللقب، هما "نجيب الريحاني" و"فؤاد المهندس".

ومع فترة انحصار نجوميته ذهب فؤاد المهندس ناحية المسلسلات والمسرحيات عن طريق الإنتاج الخاص وقطاع الإنتاج؛ وهي كانت قليلة جدًا ولا نجد مسلسلات ذات علامات إلا مسلسل بديع هو (عيون) مع "سناء جميل" و"يونس شلبي" في شخصية “حيرم”، ثم يبدأ يعمل "فوازير عمو فؤاد"، وتستمر سنين طويلة.

ويظل معنا حتى 1997 قرابة 14 سنة "فوازير عمو فؤاد" مستمرة، وكيف تربى أطفالنا على "عمو فؤاد"، وهناك نجمان أثرا في طفولة مصر كلها على مدى حياتهم، "محمد فوزي" الموسيقار والملحن الفذ العبقري، والأستاذ "فؤاد المهندس" رحم الله مهندس البهجة وصاحب "صندوق الدنيا" والله المستعان..

مقالات اخري للكاتب

"مؤتمر برلين" .. ما أشبه الليلة بالبارحة

"مؤتمر برلين" وما أشبه الليلة بالبارحة

يوميات نيويورك 5.. حرب "لم يٌقتل فيها أحد"

المشهد الإعلامي والسياسي الأمريكي خلال الأسبوع الماضي صدق عليه القول الشهير "أسمعُ ضجيجًا ولا أرى طحنًا" وكان أيضًا مليئًا بالصواريخ الفارغة من الرؤوس الحربية وأيضًا مليئًا بصواريخ التغريدات والتويتات على تويتر..

يوميات نيويورك 4 .. ترامب يغرد بالعلم والنار

ترامب المُغرد دائما على تويتر .. نشر تغريدة تحتوي على العَلم الأمريكي فقط، دون أيّ تعليق؛ وذلك بعد إعلان الحشد الشعبي في العراق مقتل اللواء الإيراني قاسم سليماني قائد فيلق القدس، وأبومهدي المهندس نائب رئيس الحشد الشعبي.

يوميات نيويورك 3 .. تويتر أفضل ما حدث لترامب

قد يكون أفضل ماحدث لترامب هو تويتر .. وأفضل ما حدث لتويتر خلال السنوات الأخيرة هو ترامب نفسه .. وهو ما تأكد للقاصي والداني منذ تولي دونالد ترامب منصبه

يوميات نيويورك (2) ترامب .. وتمثيلية عزله

يوميات نيويورك رصدت أعلى نسبة مشاهدة للشاشات في العالم، وحصلت عليها تمثيلية عزل ترامب، وذروتها تصويت مجلس النواب الأمريكي بالموافقة على لائحة الاتهام ضد الرئيس دونالد ترامب، وإحالتها إلى مجلس الشيوخ لاستكمال الإجراءات الدستورية المتعلقة بمحاكمته وعزله من الرئاسة..

يوميات نيويورك (1) .. سيدة الصحافة الرمادية

من أهم الطقوس التي أحرص عليها عندما أصل إلى نيويورك وبعد الاطمئنان على "التايم اسكوير" و"الوول ستريت" وتريليوناته وملياراته، وعلى مانهاتن وتقاطعاته وبلوكاته