حقوق العلماء حق مجتمعي

7-9-2019 | 18:19

 

هناك حقوق شخصية وحقوق فئوية وحقوق مجتمعية، وبالطبع لكل فرد في المجتمع حقوقه وواجباته نحو مجتمعه، ولكن هناك أولويات بمعنى أن هناك حقوقًا أساسية لها الأولوية؛ لأنه تنبثق عنها وترتبط بها حقوق أخرى أساسية لجميع أفراد المجتمع، ووجود أي خلل أو نقص في هذه الحقوق ينعكس سلبيًا على جميع أفراد المجتمع؛ ولذلك يعتبر التعليم وحقوق العلماء بمثابة منبع الحقوق المجتمعية؛ لأنها ترتبط بكافة المجالات الصحية والتعليمية والتشريعية والإعلامية وخلافه.

وهنا نتذكر حديث رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن سلَكَ طريقًا يلتَمِسُ فيهِ علمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طريقًا إلى الجنَّةِ، وإنَّ الملائِكَةَ لتَضعُ أجنحتَها لطالِبِ العلمِ رضًا بما يصنعُ، وإنَّ العالم ليستغفِرُ لَهُ مَن في السَّمواتِ ومن في الأرضِ، حتَّى الحيتانِ في الماءِ، وفضلَ العالمِ على العابدِ كفَضلِ القمرِ على سائرِ الكواكبِ، وإنَّ العُلَماءَ ورثةُ الأنبياءِ وإنَّ الأنبياءَ لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا إنَّما ورَّثوا العلمَ فمَن أخذَهُ أخذَ بحظٍّ وافرٍ" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذه مكانة العلماء في الإسلام، وهذا ما توصلت إليه كافة الحضارات والبلدان والنظم السياسية المختلفة، وللأسف الوضع الحالي لعلماء مصر مسئولية عقود سابقة، ولكنه ليس له مثيل في التدهور في التاريخ القديم أو الحديث، وليس هناك مبرر لاستمراره.

يقول غاندي: يجب أن ننفق كثيرًا على التعليم لأننا فقراء، ويؤكد تقرير للبنك الدولي أن أفضل استثمار يكون في التعليم، وأن كل دولار ينفق في التعليم يكون عائده سبعة عشر دولارًا؛ فالتعليم هو الوسيلة الأساسية لحل مشكلة الفقر والجهل والحد من المرض، ومن ثم فالتعليم الجيد حق مجتمعي في المرتبة الأولى، وهو مسئولية العلماء؛ ولذلك فحقوق العلماء قبل أن تكون حقوق فئة معينة فهي حق لكل مصري؛ لأن العلماء والجامعة هي المسئولة عن توفير حق المواطن في الحصول على طبيب مميز ومعلم جيد ومهندس ومحام وإعلامي وخلافه.

ومن هنا فحقوق العلماء وهيئات التدريس بالجامعات تنبع منها كل الحقوق الأخرى، ولذلك قالت المستشارة ميركل عندما رفعت مرتبات أعضاء هيئة التدريس، وجاء القضاة وبعض أصحاب المهن الأخرى يطالبونها بزيادة مماثلة: هل تريدون المساواة بمن علموكم.

وبلاد العالم كله يكون كادر أعضاء هيئات التدريس الأول والأعلى، وللأسف كان هذا هو الوضع السائد في مصر الملكية.

وفى الستينيات طالب القضاة بالمساواة بأعضاء هيئة التدريس، وكان آخر كادر عام 1972 ولم يتغير للآن؛ مما أدى لوضع ليس له مثيل من التدهور؛ لدرجة أن مرتبات كثير من الهيئات الحكومية الأخرى عدة أضعاف المرتب الجامعي بوجه عام، بداية من راتب المعيد أول دفعته مجموع دخله الشهري ثلاثة آلاف جنيه؛ ولذلك يرفض معظمهم التعيين ويتجه للتعيين في أي شركة أوبنك بأضعاف راتب الجامعة، وهذه خسارة مجتمعية أن المتفوقين يرفضون العمل بالجامعة وهذه خسارة للجميع؛ لأن المعيد عليه إكمال دراسته للحصول على الماجستير، وعليه أن ينفق راتبه في الدراسة لنحو أربع سنوات؛ ليحصل على درجة مدرس مساعد، وراتب نحو أربعة آلاف، ثم يستكمل الدراسة وينفق من راتبه المحدود لنحو خمس سنوات للحصول على الدكتوراه؛ ليحصل على راتب ستة آلاف، ثم يكمل الأبحاث والدراسات وينفق عليها طوال عمره؛ ليحصل على الأستاذية بعد فترة لا تقل عن عشر سنوات؛ ليحصل على راتب نحو ثمانية آلاف، وأكبر راتب لا يتعدى عادة عشرة آلاف، ثم يكون معاشه نحو ألف ونصف فقط؛ ولذلك يهاجر كل من يجد فرصة للعمل بالخارج.

وتخسر مصر هجرة العقول وخير أبنائها، هل هذا يعقل؟ للأسف هذا هو واقع علماء مصر الغريب والمهين، وبالطبع هذه مسئولية العقود السابقة، ولكن على الجميع سرعة التحرك، وكفى ما ضاع؛ لأن الوقت ليس في صالحنا، الوضع الحالي نزيف لثروة مصر الحقيقية، يجب العمل على وقفه فورًا.

وعلينا أن نتذكر أن إسرائيل تنفق على البحث العلمي أكثر من الدول العربية مجتمعة، وإنتاجها العلمي أكبر فهي قضية أمن قومي بلا مبالغة.

ومن هنا أهمية عقد مؤتمر قومي لإصلاح منظومة البحث العلمي ومشكلات العلماء مع وضع خطة على ثلاث سنوات لرفع الأجور مثل القضاء على الأقل، وهنا يمكن دراسة عدة مقترحات للتمويل مثل التزام الحكومة بحصة التعليم في الدستور مع زيادتها 1% سنويًا لتصل إلى 7%، فرض ضريبة على التعليم الخاص بكافة مراحله بنحو10%،عودة الضرائب التصاعدية ورفعها 3% سنويًا، وعودة ضريبة البورصة، إلغاء التعليم المفتوح وعودة الانتساب الموجه بمصروفات كاملة، إلغاء الصناديق الخاصة والمكافآت، ترشيد المجانية من خلال إلزام الطالب الراسب بدفع تكاليف الإعادة، ربط الجامعة بالبحث العلمي بالمجتمع والجهات الإنتاجية من خلال خدمات مقابل أجور مناسبة؛ مثل دورات لإجادة اللغات وعلوم الحاسب والترجمة وخدمة الصناعة.. وغيرها.

ويبقى أخيرًا ربط حقوق العلماء بواجباتهم من خلال نظام علمي دقيق يفرق بين التفرغ التام للجامعة، ويحصل على راتب مميز وتفرغ نصف الوقت، ويمكن متابعة التفرغ التام من خلال عدة محاور مثل عدد ساعات معينة للتدريس، وعدد معين للإشراف على الرسائل العلمية، وشروط لحد أدنى من الإنتاج العلمي من خلال أبحاث أو كتب علمية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، والأهم جذب والقيام بأبحاث ممولة لخدمة القطاعات الإنتاجية والخدمية في المجتمع وبشروط عدم العمل خارج الجامعة في مكاتب أو غيرها.

هذه مجرد مقترحات للمناقشة، وعلينا سرعة البحث عن حلول؛ لأن الوضع الحالي خطير على مصر ومستقبلها قبل علمائها الأبرار، اللهم قد بلغت اللهم فاشهد.

مقالات اخري للكاتب

روابط الطبيعة والتاريخ في وادي النيل (7)

هناك أسس طبيعية وتاريخية تربط وادي النيل، ولذلك فالوحدة في وادي النيل أمر طبيعي قضت به ظروف البيئة منذ أن بدأ الإنسان يستقر على جوانب النيل، ولذلك سارت

الفيضان وأثره في حضارة مصر (6)

للفيضان أثره في حياة المصريين بداية من تربة مصر فهي هبة الفيضان، والزراعة المصرية بوجه عام تعتمد على مياه الفيضان، وبالطبع كان للمصريين دور كبير في تهذيب

دراجة لكل مواطن

يمثل مشروع دراجة لكل مواطن ضرورة شعبية لكثير من المواطنين وفكرة مثالية لحل كثير من المشكلات وتحقيق العديد من المزايا بأقل تكلفة مقارنة بالعائد الكبير المتوقع منه؛ حيث من المتوقع أن يحقق هذا المشروع العديد من المزايا التي يمكن تلخيصها في الآتي:

مصر أرض الزاوية وحلقة الوصل بين دول العالم (5)

موقع مصر مجمع لقارات إفريقيا وآسيا وأوربا، ومفرق بحرين داخليًا يمتد أحدهما إلى المحيط الهندي ومناطقه الحارة، ويمتد الآخر إلى المحيط الأطلسي ومناطقه الباردة،

حضارة مصر استمرارية (4)

موقع مصر يعرضها دائمًا لأطماع القوى الخارجية؛ ولذلك تعرضت مصر لغزوات كثيرة عبر تاريخها، ومع ذلك استطاعت مصر دائمًا أن تدمج الغزاة فيها، وتحتفظ بطباعها الخاص، وخاصة في الجانب المادي والمدني في الحضارة، فالزراعة لم تتغير كثيرًا إلى أن جاء الري الدائم حديثًا وعمل الفلاح ومعيشته.

حضارة مصر البيئية وأثرها في تاريخ مصر (3)

لقد قامت في وادي النيل حضارة عريقة تفاعلت فيها العوامل البيئية والبشرية معًا، وإن كان هناك اختلاف حول أهمية دور كل منهما؛ حيث يرى أنصار الحتمية البيئية