كيف انتهى فن حساب الجمل المصري بتاريخ العام الهجري على أعتاب منازل الصعيد؟| صور

31-8-2019 | 21:43

أعتاب الصعيد القديمة

 

قنا- محمود الدسوقي

لا تستطيع أن تعرف قراءة ماتضمه أعتاب الصعيد القديمة في المنازل والمساجد وكذلك الأضرحة والوكالات التجارية، إلا بمعرفة بسيطة لفن حساب الجمل الذي يعني أن كل حرف من حروف الأبجدية العربية يساوى عددًا من الأعداد الحسابية بعينه يؤدي إلي تاريخ البناء المرتبط غالبًا بالعام الهجري


ظهر شغف المصريين بالكتابة علي الأبواب في عهد محمد علي باشا حيث يظهر ديوان قديم تنشر مقتطفات منه بوابة الأهرام حنكة الشاعر علي الدرويش في كتابة حساب الجمل، ووضع الأرقام علي أبيات شعرية فقد سأله صديقه حضرة علي بيك حسيب أن يكتب علي باب له فأهداه "حرم آمن بساكنه... در كنزلة ضيانات".

والشاعر علي الدرويش هو علي بن حسن بن إبراهيم الأنكوري المصري الشهير بالدرويش، ولد بالقاهرة عام 1211 هـ ـ 1796م ونشأ بها، ويظهر ديوانه، أنه عاش في عصر محمد علي باشا ونجله إبراهيم وعاصر عباس باشا الأول وسعيد باشا، وقد تجول في الكثير من مدن وأقاليم مصر مثل قوص بقنا وأسيوط والشرقية والفيوم وغيرها، وقد وصفه جرجي زيدان أنه كان من خيرة شعراء عصره، وكانت له منزلة رفيعة بين الأمراء والوجهاء، وقد مدحهم وعرف على الخصوص بشاعر عباس باشا الأول، واهتم تلميذه الشيخ مصطفى سلامة النجاري بجمع ديوانه وطبع على الحجر بمصر عام 1284 هـ واسمه "الإشعار بحميد الأشعار".

أرخ علي الدرويش في أشعاره ابتكار الساقية البخارية عام 1252 هجرية فيما أرخ علي الدرويش لفتح عكا علي يد إبراهيم باشا قائلا "هذا الوزير لفضله.. ورق التهاني صدحت.. والعز قال أرجو . أسوار عكا فتحت" حيث تم جمع أسوار عكا فكانت 268 وعكا رقم 91 وفتحت رقم 888 ليكون المجموع 1247 هجرية، كما يظهر الديوان النادر.

ويؤكد الأثري الدكتور محمود مدني أن فن حساب الجمل هو فن مصري مختلف ارتبط بالترتيب الأبجدي للحروف العربية المختلف عن الترتيب الهجائي وهو: أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ، مؤكدا أن فن حساب الجمل المصري استمر يتم نقشه علي أعتاب المنازل والأضرحة والمساجد حتي نهاية ستينيات القرن الماضي، حيث انتهى بسبب التطورات الحديثة في البناء بالأسمنت وغيرها.

ويضيف مدني أن النقش على الأعتاب يتم بأبيات شعرية وأدعية للمبنى ومنشئه، ثم تاريخ البناء أو التجديد بطريقة حساب الجمل أو بطريقة حساب الجمل والأعداد الرقمية معًا، وأحيانًا كان يتم تدوين أسفل كل كلمة من كلمات النص التاريخي الرقم الحسابي لها، لنصل في النهاية إلي  التاريخ الهجري.

كان يتم نقش العتب وكتابة حساب الجمل بعدة طرق فهناك النحات الذي يقوم بنحت الخشب ووضع الكلمات عليه، وهناك الخطاط ثم البناء الذي يقوم بوضعها علي المبني، فكل شخص له حرفته الذي يقوم بها، وهذا مايظهر جليا في مسجد همام شيخ العرب بمدينة فرشوط شمالي قنا، حيث يقول النص الشعري "عليه علامات القبول لوائح 000 وقد طاب من أرجائه كل بقعة" وبعمل حساب الجمل علي المقطع الشعري نصل إلي تاريخ البناء 1172هجرية

ويوضح الأثري محمود مدني، أن على الجهة الرئيسية من مسجد همام شيخ العرب توجد كتابة المنشأ حيث خط الخطاط الذى زين اسمه على الواجهة، واسمه عبد الهادى النص الباقى (أنشأ الشيخ بن الشيخ يوسف لله تعالى هذا المسجد)، ثم دون تاريخ المنشأ، أما فى الجهة الغربية من المسجد وعلى واجهتها الرئيسية، فقد تم تدوين أبياتا من الشعر ثم دون الخطاط اسمه، وقد كان اسمه على تابع شيخ العرب همام، ثم دون بعد كتابة اسم همام تاريخا يوازى تاريخ الخطاط عبد الهادى الذى كتبه تحت المئذنة وهو عام 1172هجريًا.

من أشهر من قام بعمل حساب الجمل في الصعيد هو النحاس كما يؤكد الأثري محمود مدني الذي قدم عنه دراسة عن فنونه، مؤكدا أن النحاس هو ناظم حساب الجمل بمدينة فرشوط وهو الشيخ محمد عبدالقادر عبدالرحيم عبدالظاهر النحاس من قبيلة العريان بمركز أبوتيج محافظة أسيوط، ولقد قدم إلى فرشوط ليعمل في صب أحواض عصارات القصب بالنحاس، لذلك لقب بالنحاس وقد ولد بمدينة فرشوط وتربى بها وتعلم تعليما أزهريا وحصل على الشهادة العالمية (الإجازة) وكان متفقها في علوم الدين من فقه وسنة وتفسير وحديث، كما كان يجيد الشعر والتأريخ بحساب الجمل من أعمال النحاس بمدينة فرشوط كتابات عتب جامع الشاورى1192هـ / 1778م وكتابات عتب المجموعة المعمارية للشيخ الضمرانى 1284هـ /1867م وكتابات عتب مدخل مسجد السحالوة وكتابات عتب منزل صادق وعتب منزل أبوخالد مدينة فرشوط.

أما في مدينة دشنا وقفط وقوص فتوجد الكثير من الأعتاب المنقوشة، ويقول الباحث التاريخي أحمد الجارد لــ"بوابة الأهرام" إن الفنان المسلم خشي أن يقوم الزمان بمحو التاريخ الزمني فابتكر "حساب الجمل"، الذي يعنى أن المقطع الشعري إذا أعيد حسابه يعطي التاريخ الذي بني فيه المنزل مثل مقطع "يسد الله شر المنية"، حيث بعملية حسابية متخذة الطريقة التقليدية "أبجد" "هوز" "حط " "الكلمن" يعطي لنا التاريخ الهجري.
وأكد الجارد المنازل كانت تسجل الأحداث بالتاريخ الهجري مثل واجهات المعابد القديمة، لذلك احتفظت بالتاريخ، مشيرًا إلى أن منازل أقباط الصعيد تضم أيضًا العام القبطي، بجانب التاريخ الميلادي دون حساب الجمل الذي اختصت به منازل المسلمين.

وأكد أن النجار عيسي تاريخ بنايته لأحد المنازل محفور عليها تاريخ عام 1860م، فهو عاش في عهد الخديو إسماعيل لافتا إلى أن النجار القديم كان يمتاز بالخيال، بالإضافة لثقافة تجعله مستعدا لكتابة الأشعار على المنازل التي صار معظمها مهجورا، وباقية على حالها.


أعتاب الصعيد القديمة


أعتاب الصعيد القديمة


أعتاب الصعيد القديمة


أعتاب الصعيد القديمة

الأكثر قراءة