الإحسان.. والروعة بحق

29-8-2019 | 22:42

 

من أعظم أخلاق ديننا الإسلامي الحنيف - وكله عظيم - خلق الإحسان، هذا الخلق الذى أمرنا به ربنا العظيم مقررًا في كتابنا المقدس: "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"، وقوله سبحانه: "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ"، ومن جزيل عطاء الله لأهل الإحسان أن جعل رحمته قريبة منهم وملازمة لهم، كما أكد سبحانه: "إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ"، بل أوجب الإحسان حب الله لعباده المتلمسين خطاه في الكثير من مواضع قرآننا الكريم في قوله تعالى: "والله

يحب المحسنين"، فكان الجزاء من جنس العمل.

وكم كان ديننا الإسلامي بنبيه صلى الله عليه وسلم، ورجاله، وبشرائعه المتكاملة، محسنًا أيما إحسان، ليس على معتنقيه فقط، بل على البشرية جمعاء، بما جاد به من أخلاق وتشريعات، وأوامر ونواهي، وضعت العالم أجمع على شط وبر الأمان، حافظة له إنسانيته وموارده من المهالك التي وضعها وصنعها الإنسان تخريبًا لنفسه ومجتمعاته؛ لذا لا غرو أن نجد الإحسان هو وسيلة رقي وتقدم مجتمعاتنا الإسلامية فيما مضى.

بل تعدى إحسان ديننا إلى الحيوان ذاته، رأفة ورحمة به، كما جاء في قول معلمنا الحبيب صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله كتب الإحْسَان على كلِّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذَّبح، وليُحِدَّ أحدكم شَفْرَتَه، فليُرح ذبيحته".

ويعرفه ابن القيم في "حادي الأرواح" قائلًا: "مفتاح حصول الرحمة الإحسان في عبادة الخالق، والسعي في نفع عبيده"، ويقول أيضًا عنه فى"طريق الهجرتين": "فإنَّ الإحسان يفرح القلب، ويشرح الصدر، ويجلب النعم، ويدفع النِّقم، وتركه يوجب الضَّيم والضيق، ويمنع وصول النعم إليه، فالجبن: ترك الإحسان بالبدن، والبخل: ترك الإحسان بالمال".

وأشهد أنه من أجمل وأروع الرسائل الدعوية التي أرسلت لي تلك الرسالة القيمة النفع، العظيمة الهدف، الثرية المغزى والمنطوى، التي تقول: "قد تكون أنت الرائع وأنت لا تدري، ليست الروعة بالإنجازات فحسب، بل الروعة بروحك الصافية وإلهامك للآخرين أن ينجحوا، وأن يستمروا، الروعة أن تعطيهم الأمل كل يوم وأنت لا تدري، الروعة أن تصحبهم في حياتهم، وأن ترسم الابتسامة على شفاههم حتى، وإن كنت غائبًا عنهم، الروعة أن تكون بذلًا وعطاءً وملاذًا آمنًا، تلك هي الروعة بحق، فالفراشات لا تعرف ألوان أجنحتها، ولكن أعين البشر، تعرف مدى روعتها، أنت لا تعرف مدى روعتك، ولكن هناك من البشر من يعرف مدى أهميتك ومدى روعتك".

وأضيف لهذه الرسالة الرائعة فأقول: أليس هذا إحسانًا وضعه الله تعالى في قلوب وعقول الكثير منا، توفيقًا وفضلًا وإكرامًا منه سبحانه عليهم؟، وأليس هناك الكثير من تلك النماذج الوضّاءة النافعة لغيرهم، إحسانًا منهم، وشكرًا لربهم على هذه النعمة التي آثرهم بها دون غيرهم من بني جلدتهم ودينهم؟ وفى هؤلاء يقول حبيبنا: "إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه"، وطوبى، ثم طوبى لمن وفقه الله من علامات الإحسان فجعله سبحانه ملجئًا للناس، فيفرّج الهموم، ويغيث الملهوف، وينفس الكروب، ويقضي الديون، وينصر المظلوم، وينصح الحائرين، وينقذ المتعثرين.

وصدق نبينا صلى الله عليه وسلم مقررًا لنا: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ - يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ - شَهْرًا، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَتَمَ غَيْظَهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ، مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِضًا، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يُثْبِتَهَا، أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامُ، وَإِنَّ سُوءَ الْخُلُقِ يُفْسِدُ الْعَمَلَ، كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ"، وتأكيده صلى الله عليه وسلم: "صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة"، وبهذا ندرك أساس سعادة المحسنين، إخلاص التوحيد للخالق سبحانه، والإحسان لخلقه.

ولكم جادت أمتنا بالكثير من أهل الإحسان علينا وعلى البشرية جمعاء، وعلى رأسهم نبينا الحبيب وخلفائه الراشدين، وناشرو الإسلام الفاتحون، وعلماؤنا الذين أضاءوا البشرية بمشاعل علمهم وحضارتنا الإسلامية، وغيرهم الكثير الآن مما تجود بهم قريحتهم.

ليعمل كل منا لأن نكون ممن قال فيهم ابن القيم: "ربما تنام، وعشرات الدعوات ترفع لك من فقير أعنته، أو جائع أطعمته، أو حزين أسعدته، أو مكروب نفست عنه، فلا تستهن بفعل الخير، وتذكر أن الأخلاق لا تموت بعد الرحيل"، ولنعي أن من أحسن إلى عباد الله، كان الله إليه بكل خير أسرع، وفتح له تعالى من أبواب فضله وجوده وإنعامه، ما لا يدركه عقل، ولا خطر له على بال.. جعلنا الله جميعًا من عباده المحسنين.

amnt4@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

حضارة نبينا.. نموذج عملي لحياتنا

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وقلم الظفر، ونتف الآباط

متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟

عطفًا على حديثي بمقالي السابق "هذا هو الإسلام"، الذي تحدثت فيه عن حملة وزارة الأوقاف العالمية الدعوية "هذا هو الإسلام"، التي أطلقتها لهذا العام بأكثر من

هذا هو الإسلام

جميل، وبديع، ومثمن، صنيع وزارة الأوقاف حين أطلقت حملتها العالمية الدعوية لهذا العام "هذا هو الإسلام" بأكثر من عشرين لغة، بيانا لصحيح الإسلام للدنيا بأسرها،

نعم.. تستطيع الدراما

بحكم طبيعة عملي الصحفي، وركضي الحثيث للبحث عن المعلومة الموثقة الهادفة التي أقدمها لقارئي الحبيب، أجدني مقلا في متابعة الأعمال الدرامية على مختلف أنواعها،

الممر.. تحية إجلال وتقدير

توثيق، وطني، عالمي، عظيم، كنا في أمسِّ وأعظم الحاجة إليه في الوقت الراهن، يأخذ بأيدينا الى شاطئ وبر أمان الوطنية المتجذرة في قلوبنا نحو وطننا وجيشنا وأرضنا،

ديننا الحنيف.. واليوم العالمي للسلام (1)

في عام 1981 أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها 36/67 تعيين الاحتفال باليوم العالمي للسلام، يومًا مكرسًا لتعزيز مُثل وقيم السلام في أوساط الأمم