يبني قصرا ويهدم مصر

1-9-2019 | 12:37

 

في عمارات وسط البلد في القاهرة، تتجلى القيمة الفعلية للجمال والذوق الفني والأصول المعمارية، وإذا كان المهندسون الأوروبيون هم من شيدوها بأوامر الحاكم، فإن هذه العمارات، لو سُمح لي، ذات صلة وثيقة بكل عمران أقيم على أرض مصر منذ عهود الفراعنة، ثم في فترات متفرقة من التاريخ القديم إلى أن جاء محمد علي وقرر بناء مصر الحديثة..


هي عمارة رائعة الشكل والبينان تؤدي وظيفتها التي شيدت من أجلها، وتنشر العمران حولها، بحيث يكون كل توسع قادم مقدر ومحسوب بالعلم والفكر، ثم أولا وأخيرا بقرارات كانت تسمى "فرمانات" لا تقبل الجدل والمساومة.. لأن المساومة هنا هي على مستقبل مصر، وأيضًا على سرعة تشويه العمران وتدميره..

وتظل إعادة إحياء وسط القاهرة ممكنة، فقد حافظت الحكومات المتعاقبة عليها، قدر الإمكان، بحيث إن التشوهات، لم تطل البنيان، إنما طالت بعض الأسطح كما قرأنا في رواية علاء الأسواني "عمارة يعقوبيان".. تشوهات وظلال قاتمة وصلت إلي أوراق أو مستندات تخص الملكية، التي انتقلت بين ملاك متنوعين لأسباب عدة.. لكن بقيت العمارات التي بني الكثير منها الخديو إسماعيل شاهدة علي المجد.. قاومت هي وغيرها في شوارع وسط البلد وفي ميدان الأوبرا، بحيث كانت عصية على الخراب لسنوات طويلة؛ ربما حاصرها أذيى كثير من مناطق مجاورة، وفي أيام الربيع العربي احتلها الباعة الجائلون، لكن لم تتمكن العشوائيات من اختراقها بالكامل.

وسط القاهرة بالتالي يمكن استعادتها، بعد كل هذا الصمود التاريخي، والآن الحكومة لها مشاريع عدة للحفاظ عليها، وهي المشاريع والخطط التي يمكن أن نصفها بالممكنة والسهلة نسبيًا.

لكن من يستطيع استعادة حلوان، والمقطم، وشارع الهرم، وفيصل، والأراضي المحيطة بهما، شرق وغرب الطريق الدائري؟ ومن يستطيع أن يوقف الزحف المقدس على الأرض الزراعية يمين وشمال طريق المحور؟.. والمارة على المحور يستطيعون رؤية التشوه البصري من كتائب البيوت الزاحفة من الجانبين حتى تكاد تلاصق سور المحور، ومن دون تخطيط، بيوت شكلها رديء، ولا جمال فيها، بناتُها اكتفوا ببنائها على أسوأ صورة، كما اكتفوا مسبقًا بتدمير كل قيراط من الأرض الزراعية..

هكذا نبني على الأرض الزراعية في كل أنحاء مصر، ونلف المدن المصرية بأحزمة من البيوت البائسة، بديلاً عما كنا نراه قديمًا، من الأحزمة الخضراء التي كانت تحيط بالمدن من كل جانب، سواء دخلتها بالقطار أو بالسيارة.. برغم ذلك فإن من اختار الخروج من جحيم الأحياء القديمة في القاهرة والجيزة وغيرهما إلي المدن الجديدة مثل 6 أكتوبر، فإن المخالفات الجسيمة في البناء، وفي من يضيف طابق أو اثنين، وفي من يفتح محالا تجارية، بنفس الأساليب، الدور الأرضي الذي يتحول فجأة إلى محل تجاري.. وذات يوم قريب ستتم المصالحة بعد أن يسود الخراب.. يخرج قانون بذلك ويطبق وتجمع الأحياء بضعة جنيهات، وتبدأ أجيال جديدة في الكفاح من أجل السكن في مناطق أخرى أكثر تنظيما وأكثر احترامًا للقانون..

أتخيل من مات من هؤلاء الذين خالفوا كل القوانين ورشوا موظفين وسرقوا الارتفاعات فوق عماراتهم، ودمروا الشارع إلي الأبد، ما الذي سيقولونه لله عز وجل.. هل تركوا بضعة آلاف زيادة في ميراث أبناء ربما لم يترحموا عليهم، في أي يوم.. وما الحوار المتخيل بينهم وبين المرتشين من موظفي الأحياء، وبعضهم ضرب نفسه بالرصاص عندما علم بوجود الرقابة الإدارية في مكتبه، وبعضهم في السجن حاليًا..

لقد وقفت وصديقيَ الصحفي محمد صلاح والخبير الاقتصادي شيرين نور الدين في شارع عادي في لندن قبل ست سنوات، من الشوارع الخلفية، وقال لي شيرين هذا الشارع عمره مائة عام، وهو علي هذا الشكل، وإذا جئت بعد مائة عام أخرى، وهو الأمر المستحيل قطعًا، سترى نفس الشارع بلا أدنى تغيير.. نفس الواجهات، الارتفاعات، والدهانات.. لقد كنا في حديث ذي شجون عما يحدث في مصر..

وبعيدا عن الأحلام وتجلياتها والأماني وشطحاتها، فإن واقع الحال يقول إنه لا يمكن الحفاظ على مصر من الخراب والعبث العمراني من دون قوانين رادعة قابلة للتطبيق. قوانين تمنع من يريد أن "يبني قصرًا ويهدم مصر"، كما يقول المثل الشعبي القديم، ربما يكون لذلك المثل مهمات أخرى أبدعه المصريون بسببها، لكنه ينطبق هنا بجدارة..

هو القانون الرادع الذي يوقف نهر الاستخفاف لدى البعض ممن يريد أن يهرب بغنيمته، وكما أشار الرئيس السيسي يوم افتتح مشروع الصوب الزراعية العملاق قبل أيام:"أنا مش ضد حد لا والله أنا ضد الفوضى والإهمال واللا دولة"، و"الناس بتعمل في الدولة اللي هي عايزاه وده لا يليق بينا، تاخد ليه حاجة مش بتاعتك وأنا أسيبك تاخدها ليه، أمال إحنا قاعدين نعمل إيه؟"..

ثم جاء قرار الرئيس بهدم مسجد الزرقاني وضريحه من أجل محور المحمودية الجديد، لأنه يعيق الحركة في المحور والكوبري، وعمل مسجد طبق الأصل أو أحسن في مكان مناسب.. وقال للناس: إن المساجد والكنائس لا تبنى على أرض حرام ولازم الدولة توافق عليها، أنت بتعمل حاجة غلط وده من منظور ديني..

يومان وتم التطبيق.. هذا الحسم هو الذي يعيد الاعتبار للدولة، وإلا فإننا سنعيش أزمات وانتكاسات اللا دولة.. وهي ليست جديدة علينا، فقد عشناها مرات وكانت أسوأ الأزمان.

مقالات اخري للكاتب

مصر لا تجمد أحلامها

من الضروري أن يفهم المصريون على اختلاف درجات وعيهم، أن التوقف عن العمل والإنجاز، ليس فقط تجميدًا للحظة الراهنة، وإبقاءً للحال كما هو عليه، ولكن التوقف هو تأخر وتخلف عن الآخرين، وإضاعة للفرص، خصوصًا فرص تحقيق الحلم بالوصول إلى بلد قوي متقدم مرفوع الرأس يتسع للمصريين جميعًا.

أردوغان يعيد استخدام فزاعة اللاجئين السوريين

هدد رئيس تركيا رجب طيب أردوغان أوروبا بفتح أبواب بلاده أمام اللاجئين السوريين نحو مدنهم "في حال لم يقدم الاتحاد الأوروبي المساعدة الضرورية لأنقرة".

العاصمة الجديدة

يحكى أنه بعد أن استقر جوهر الصقلي على موقع العاصمة الجديدة, قرر استدعاء علماء الفلك ليحددوا اللحظة المناسبة لبدء العمل, وبالتحديد حين يظهر في السماء كوكب ذو فأل حسن..

القاهرة التي عرفتها

القاهرة من العواصم القديمة في العالم، ليست الأقدم، سبقتها أثينا وروما ودمشق وغيرها، لكنها وبعد ألف سنة، وربما العام المقيل، ستتخلى عن كونها عاصمة، عن وظيفتها

رحيل العاشق المتيم بمصر وتونس

أكتب عن الباجي قايد السبسي، رجل الدولة التونسي العظيم، والذي أحزنني غيابه بقدر ما كان يفرحني وجوده وبهاءه رغم التسعينية التي عاشها.. الرجل لم يرحل شابًا

مفيد شهاب يتذكر

"أكثر ما تعلمته في الحياة أن أسعى وراء أي إنسان وقع عليه ظلم لأرفعه عنه؛ الإحساس بالظلم قاهر.." هذا ما تحدث به الدكتور مفيد شهاب في حفل تكريمه أخيرًا بمكتبة الإسكندرية، الذي حوله مدير المكتبة الدكتور مصطفى الفقي إلى حالة سحرية تضافرت فيها مشاعر الحاضرين ممن تحدثوا، وممن اكتفوا بالسمع والمتابعة.