التساهل بداية.. والخسارة نهاية

28-8-2019 | 16:50

 

لا أعرف من أين أبدأ؛ ولكن لابد من الاعتراف والتأكيد على أن البدايات دومًا تؤدي للنهايات؛ لذلك الحرص على غرس القيم والمعايير المنضبطة في الصغر؛ هو كالنقش على الحجر تمامًا؛ ومآله نمو الأبناء على هذه القيم و التعود عليها؛ بما يعني وضعها نصب أعينهم كآلية للتعامل مع الناس.

منذ عدة أيام وأنا في مترو الأنفاق؛ صعد رجل كبير في السن؛ يبدو عليه الإرهاق الشديد بخلاف كبر سنه؛ وكان المترو مزدحمًا؛ حاول الرجل الاتكاء على أحد الجوانب ليستطيع الوقوف؛ وحينما شاهده الناس؛ نادى أحدهم في الجالسين؛ ليقوم أي منهم ويجلسه مكانه؛ فقام أحد الكبار مثله عندما شاهد حاله؛ وكان بجانبه شاب صغير في السن؛ يلهو بمحموله.

وعندما جلس الرجل المُجهد الطاعن في السن؛ نظر أحد الواقفين إلى الشاب؛ وقال له؛ لماذا لم تقم للرجل الكبير ليجلس مكانك؛ فكان رده صادمًا للجميع بلا استثناء؛ حينما قال؛ أنا مثله أملك تذكرة للركوب؛ وهو ليس أفضل مني ليجلس وأقف أنا!

وقتها اشتعل الموقف بشكل كبير؛ وانبرى الجميع في مهاجمة الشاب بعنف واضح؛ مستهجنين رده المستفز؛ حتى قال له واحد منهم؛ العيب ليس عليك؛ ولكنه على من قام بتربيتك؛ لأنه لم يحسنها؛ ويعلمك كيفية احترام الكبير؛ لأن هذه تقاليدنا التي تربينا عليها؛ وقتها لم يجد الشاب مفرًا من هذه المعضلة التي أوقع نفسه فيها إلا النزول من المترو مع أول محطة توقف فيها.

وبدأ الناس يتندرون على الماضي الجميل وقيمه وسلوكيات الناس فيه؛ وعما أصابنا اليوم من وجود جيل لا يعي أو يدرك القيم السامية التي نشأنا عليها جميعًا؛ وإذا كان هذا سلوكه الفظ العلني؛ فما سلوكه العام في التعامل مع من حوله؟

هذا الموقف أعادني لتذكر مشاهد كثيرة مشابهة؛ مغايرة تمامًا لما كنا نسلكه في الماضي؛ فقد كان احترام الكبير فرضًا لا يمكن تركه؛ سواء بالفعل أو اللفظ؛ فكان العيب معروفًا ومفهومًا لنا؛ في احترامنا للآباء والأمهات ومن في منزلتهم؛ وكذلك للجيران والمدرسين و للكبار جميعًا؛ كانت هناك قدسية للقيم؛ نعليها ونحافظ عليها.

فما الذي حدث؟

بدأنا في التساهل مع الأبناء؛ وشاهدنا من ينادي والده باسمه مجردًا؛ كأنه زميل له في مرحلته العمرية؛ دون اكتراث لقيمنا المعهودة؛ وخرج علينا من يؤكد أن السماح بهذا هو نوع من توغل الصداقة مع الأبناء؛ وهذا باطل يراد به حق؛ فعندما يسمح للأبناء بتجاوز الحد المسموح في العلاقة مع الآباء؛ علينا أن نتوقع تجاوزها مع الغير بدرجات متفاوتة.

ويمكن تعميم هذا القياس في معايير أخرى؛ لنصل لمحصلة واضحة؛ أن التساهل هو بداية التراجع عن قيمنا؛ ومن ثم تغيير المفاهيم التي تربينا عليها.
الصواب سيظل صوابًا ولو أخطأ كل الناس؛ والخطأ سيظل خطأ ما حيينا؛ هذه قاعدة لا يمكن تغييرها في يوم من الأيام؛ قد يعلل البعض هذا الانفلات؛ بالسير وراء الحداثة والتطور؛ ولكنه مبرر مردود عليه؛ بأن كسر المعايير ينسفها؛ ولا يعدلها؛ ثم نبدأ بالندم على ما أصابنا من خلل مجتمعي؛ موجهين اللوم لأطراف كثيرة؛ منها النماذج السلبية لبعض النجوم التي تستأثر بمتابعة جزء من الشباب؛ أو على المدرسة؛ التي سمح فيها المدرس لطالبه بنزع الحواجز بينهما؛ وبات يناديه باسمه دون ألقاب؛ وأمور أخرى نعلمها جميعًا؛ ولكن منا من يعشق وضع رأسه في الرمال مثل النعام.

لابد لنا جميعًا من إدراك هذه الكوارث التي تصيبنا قبل أن تصل لدرجة اللا عودة؛ وقتها سنبكي بكاءً شديدا؛ ولكنه سيكون بكاءً على اللبن المسكوب؛ وهنا أتمني أن تجد دعوتي اهتمامًا من أحد صناع الدراما؛ ليقدم لنا عملًا يرسخ لقيمنا المهدرة؛ لتصويب مسار يسير فيه كثيرون - للأسف - غير عابئين بما يرتكبونه من أخطاء فادحة.

وليعلم كل أولياء الأمور أن ما تزرعونه اليوم؛ أنتم أول من يحصدونه في الغد؛ فلنعمل سويًا على استعادة ما نضيعه برعونة غريبة؛ برغم أهميته الشديدة؛ قبل فوات الأوان؛ فالندم لن يكون كفيلًا بالعلاج.

emadrohaim@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

بيروقراطية إدارية لا مبرر لها!!

بيروقراطية إدارية لا مبرر لها!!

مات أبي

مات أبي؛ ورحل عن الحياة وتركني؛ هي إرادة الله وسنة الحياة؛ ولكن الفراق صعب؛ والموقف جلل؛ ففي لحظة فارقة؛ تكتشف أنك أمسيت وحيدًا بلا سند ولا عزوة؛ مكسورًا؛ فقد رحل الداعم والوتد الذي ترتكز عليه.

كيف تُعرف الرجال؟!

كيف تُعرف الرجال؟!

ليت الشباب يعود يوما!

ليت الشباب يعود يوما!

هل تتواصل الأجيال .. أم تتصارع؟!

ما بين الطفولة والكهولة سنوات كثيرة، وطويلة، وبرغم ذلك قد تكتشف في وقت ما أنها مرت كلمح البصر، فعلى مر مراحل الحياة، تمر بمواقف تتعلم منها، ومنا من يجعلها سبيلًا للتراكم، مستخلصًا منها الدروس والعبر، لتكون زاده المعين له في حياته.

وماذا عن باقي الأحياء؟!

لم يعتد الناس على سماع أخبار إقالة المسئولين؛ لذلك جاء قرار إقالة رئيسي حيي حلوان والمرج مفاجأة لهم، لاسيما أن سبب الإقالة المعلن، هو تدني مستوى الخدمات المقدمة للناس، وسوء مستوى النظافة.