الإسلام.. ومصر.. والعلم

22-8-2019 | 18:26

 

العلم أساس في نهضة الأمم، وقيام حضاراتها، وبه تبنى أمجادها، وتسود شعوبها، وقد حفل ديننا الإسلامي الحنيف بتعظيمه وإجلاله وأهله، فقد كرمهم ربنا سبحانه في قوله: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات"، وفى قوله تعالى: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ"، والآيات في هذا كثيرة.

كما حفلت أقوال نبينا الحبيب بكثير من بيان فضل العلم والعلماء، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا؛ إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر".

ويكفى علماؤنا شرفًا وفخرًا قول نبينا فيهم: "إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في البحر، ليصلون على معلم الناس الخير"، ولأهمية العلم للأمة قرر رسول الله أن يكون: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، مطالبنا بأن نسأل الله العلم النافع، وأن نبتعد ونتعوذ من العلم الضار، قال رسول الله: "سلوا الله علمًا نافعًا، وتعوّذوا بالله من علم لا ينفع".

وها هي ذي مصرنا الحبيبة بريادتها المتفردة دومًا، تحتفي بالعلم والعلماء سنويًا، وكل عام، في يوم عيد العلم؛ حيث يعود الاحتفال به وتخصيص يوم له إلى السابع عشر من أغسطس من العام 1944، تحت رعاية وحضور رئيس الجمهورية؛ حيث كرَّم خلال الاحتفالية التي نظمتها وزارة التعليم العالي، عددًا من العلماء النابغين الحاصلين على جوائز الدولة التقديرية والتشجيعية والنيل، من أساتذة الجامعات والمراكز البحثية، الذين ساهموا بأبحاثهم في خدمة وتنمية المجتمع، ومازالوا وغيرهم، سعيهم مشكورًا وجهدهم متفردًا طيبًا في كل بقاع دول العالم، نشرًا للعلم، وخدمة للبشرية وتقدمها التكنولوجي في شتى المجالات.

ولله دره عالمنا الجليل ابن القيّم حين وصف العلم وفضله وأهله قائلًا: "العلم هاد، وهو تركة الأنبياء وتراثهم، وأهله عصبتهم وورّاثهم، وهو حياة القلوب، ونور البصائر، وشفاء الصدور، ورياض العقول، ولذة الأرواح، وأنس المستوحشين، ودليل المتحيرين، وهو الميزان الذي به توزن الأقوال والأعمال والأحوال.....".

والآن وبحسرة ودمع القلب أرى أنه على حين كان المسلمون متمسكين بدينهم، ملتزمين بشرائعه، سادوا وسبقوا العالم أجمع، وأبدعوا حضارة فريدة علمت أوروبا كلها، حين كانت تتخبط في دياجير الجهل والظلام، ويكفينا ما ردده علماؤهم المنصفون عن فضل حضارتنا الإسلامية، وكانوا شهودًا على مآثرها، وصف المؤرخ "جوليفيهكستلو" حركة التقدم الإسلامي ونهضة المسلمين في مؤلفه "قانون التاريخ"وأسفه على خفوت نجمها واضمحلاله سريعًا بقوله: "إن التقدم العربي بعد وفاة الرسول كان عظيمًا جرى على أسرع ما يكون، وكان الزمان مستعدًا لانتشار الإسلام، فنشأت المدنية الإسلامية نشأة باهرة، قامت في كل مكان مع الفتوحات بذكاء غريب ظهر أثره في الفنون والآداب والشعر والعلوم، وقبض العرب بأيديهم - خلال عدة قرون - على مشعل النور العقلي، وتمثلوا جميع المعارف البشرية فأصبحوا سادة الفكر، مبدعين ومخترعين ولا بالمعنى المعروف، بل بما أحرزوه من أساليب العلم التي استخدموها بقريحة وقادة للغاية، وكانت المدنية العربية قصيرة العمر، إلا أنها باهرة الأثر، وليس لنا إلا إبداء الأسف على اضمحلالها".

وإذا كان هذا حال سلفنا، من تقدم علمي وتقني في شتى المجالات شهد به الآن علماء الغرب المنصفون، فلنا أن نعرف أن خفوت ضوء هذا التقدم وجفاف مائه، إنما يرجع إلى بعدنا -نحن المسلمين- عن ديننا وشرائعه، ولننظر إلى هذه المفارقة بيننا وبين أوروبا، فعلى حين كان تقدمها مرهونا بتخلصها من دينها، بفصله عن شئون حياتها كلها، وانتشار العلمانية لديها، كان تخلفنا ببعدنا عن ديننا، ولن تعود لنا الريادة إلا إذا عدنا إليه مرة أخرى مستمسكين به على بينة وبصيرة ويقين.

خلاصة قولي: إنه يجب الاهتمام والاعتناء بالعلم والعلماء أكثر وأكثر، وإعطاؤهم الأولوية القصوى في الاهتمام لحاضر عربي إسلامي متقدم، مزدهر، متفرد بين الأمم الأخرى ننشده؛ لأن العلم مدخل رئيس وأساس تحقيق أي تنمية حضارية شاملة نرجوها ونلتمسها، وخلاصًا من واقع التراجع الحضاري المزري الذي أرخى سدوله على أمتنا العربية والإسلامية ونحياه منذ أمد بعيد.

 

amnt4@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

تعلموا الحب الحقيقي

لا حديث الأمس واليوم وغدًا، يسيطر على عقول الكثير منا، إلا الحديث عن "عيد الحب"، "الفلانتين" والترتيب لإحياء ذكراه، لينعم فيه كل محب بحبيبه - حالمًا وواهمًا - وكأن هذا الحب الماسخ، المشوه، الفلانتيني التافه، هو رمز الحب وأيقونته، ليس فحسب عند من صدروه لنا، بل لدى الكثير منا للأسف الشديد.

القاهرة عاصمة للثقافة الإسلامية

في خبر سار يضاهي واقع ومكانة قاهرتنا وتاريخها الإسلامي التليد، أعلن في التاسع عشر من الشهر الماضي - وعبر المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو"-

الطيب.. والخشت.. وأهل الفتن

الطيب.. والخشت.. وأهل الفتن

الليبرالية .. التخلص من قيود السلطات الثلاث

الليبرالية .. التخلص من قيود السلطات الثلاث

حضارة نبينا.. نموذج عملي لحياتنا

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وقلم الظفر، ونتف الآباط

متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟

عطفًا على حديثي بمقالي السابق "هذا هو الإسلام"، الذي تحدثت فيه عن حملة وزارة الأوقاف العالمية الدعوية "هذا هو الإسلام"، التي أطلقتها لهذا العام بأكثر من

مادة إعلانية

[x]