أدونيس يكتب: ديوان "إنسان آلي".. أفق آخر للشعر العربي الراهن

22-8-2019 | 22:47

أدونيس

 

الأهرام

اختص الشاعر والكاتب السوري الكبير أدونيس ديوان "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" للشاعر المصري شريف الشافعي (47 عامًا)، بكتابة هذه الرسالة حوله، والتي نشرتها صحيفة الأهرام في عددها الصادر اليوم الجمعة 23-8-2019.

وصدرت مؤخرًا الترجمة الإنجليزية للديوان عن دار نشر "أنباوند كونتنت" في نيو جيرسي بالولايات المتحدة الأمريكية.

وينقسم الديوان إلى كتابين: "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية"، و"غازات ضاحكة"، وكلاهما مكتوب على لسان "إنسان آلي" يفتش عن إنسانيته المفقودة، متمردًا على قوانين الروبوتات. وقد اختير الديوان للتدريس لطلاب جامعة "آيوا" في الولايات المتحدة الأمريكية، وجامعة الكويت، باعتباره "نموذجًا متميزًا لقصيدة النثر العربية الحديثة".

وهذا نص الرسالة:

الكتابان الأوّلان من "الأعمال الكاملة لإنسانٍ آليّ"، للشاعر شريف الشافعي، مُنجَزٌ شعريّ، يفتح به أفقاً آخر للشعر العربيّ الرّاهن. له عليَّ باسم هذا الأفق، ثلاث تحيّات:
الأولى، تحيّة الابتداء،
الثّانية، تحيّة الاختلاف،
الثّالثة، تحيّة الخَرْق على مستوى العلاقات بين الكلمة والشّيء، وبين الإنسان وبينهما. هكذا أنتظر الخرْقَ على المستوى العموديّ، حيث الجَذرُ، والسّؤال، والمعنى، وما ينتهي وما لا ينتهي.

حول الأولى، أحبّ أن أسألَه:
كيف صحَّ له أن يكون على رأس مرحلةٍ من الكتابة الشّعريّة الرّاهِنة، في اللغة العربيّة الحديثة، لا أعرف لها سابقاً؟

وأسأله حول الثّانية: كيف استطَاع أن يكونَ مُفرَداً في هذا العالم العربيّ ـــ الجمع، الجماعة، الأمّة، ومُفرَداً في المُعجَم الشّعريّ العربيّ المُعاصِر، في لغةٍ تتضوّرُ جوعاً، على الرّغم من موائد التّخمة، وتنكسِرُ مُرْهَقَةً تحت حجُبِها التّقليديّة ـــ المؤسَّسِيّة، في الهباء المُشتَرَكِ العامّ؟

وحولَ الثّالثة أسأله: كيف صحَّ له أن يخرقَ الحواجِزَ التي تتراكمُ على صدرِ الحركة الكتابيّة منذ حَوالَى خمسة عشر قرناً، سياسِيّاً، واجتماعيّاً، ومؤسَّسِيّاً، وأن يتمّ خرقُها بحساسيَةٍ تتموَّجُ في محيط المستقبل؟

غير أنّني مع هذا كلّه، وبقوّة هذا كلّه، أُعِدّ هذا المُنْجَزَ الفريدَ بياناً.

وهو بيانٌ ـــ قطيعةٌ، وبيانٌ ـــ انفجارٌ، وبيانٌ ــــ تحوُّلٌ. والمسئوليّة، إذاً، مسئوليّةُ الكتابةِ الآتية ضخمةٌ وعالية.

وأشعر أنّ علَيَّ، بوصفي قارئاً صديقاً لهذا المُنجَز ومُعجَباً به، أن أطرحَ عليه سؤالاً اسْتباقِيّاً: ما العالَمُ الإنسانيّ ـــ الجماليّ والفكريّ الذي يسير صاحبُه نحوَه، ويعمل على خَلْقِه؟ وعليّ هنا أن أُشير، ولَوْ عَرَضيّاً للتّذكير، إلى أنّ الحروف الثلاثة: ألِف، لام، هاء، تشكّل، ويا للمصادَفة! كلمتين مُتَناقضتين، على نَحْوٍ جذريٍّ وشامِل، وعلى مختلف الصُّعُد، وهما: "إله" و"آلة"؟

هناك، إذاً، على مستوياتٍ أخرى، ما يهدّدُ الأفقَ الذي يسير فيه هذا المُنجَز، يتمثّلُ في خطر الجاذبيّة الهشّة، المُتنَوِّعة، الطّاغية، الموروثة، خطر الميل التّعبيريّ الذي أسمّيه المُعابَثَة ـــ لا في صورتها التي ترجّ القِيَم وتُزَلْزِلُ المُستَقِرّ، بل في صورتها البلاغيّة التي تحجب كلّ شيء إلاّ اللغة، أو تلك التي تكشف عن كلّ شيء إلاّ ما ينبغي الكشفُ عنه، قبل كلّ شيء. والصّورتان تنهضان على مُفارقة يبتكرُها فنٌّ خاصّ له "جمهوريّته" الخاصّة و"طُغاتُه" و"مسارحه"، وهو تحويل فنّ اللغة إلى فنٍّ في اللّغو.
اللغة كينونة وماهيّة.
واللغوُ مَحْوٌ، وفسادٌ و"هَيُّ بنُ بَيّ".

 

هكذا أسألُه:
ما شَمسُكَ، يا شريف؟
هكذا أقول لك بفرَح ومحبّة:
أهلاً بك.


----------------------------
أدونيس
باريس في 15 أغسطس 2019


غلاف الطبعة الأمريكية من ديوان "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" لشريف الشافعي

مادة إعلانية