دراسة: التراث الثقافي غير المادي في حلايب وشلاتين له علاقته القوية بالهوية والانتماء لتراثه

19-8-2019 | 15:06

حلايب وشلاتين - ارشيفية

 

محمود الدسوقي

حولت الأمطار والسيول التي شهدتها أودية حلايب وشلاتين اليومين السابقين لبحيرات طبيعية وبحار، وسط سعادة من السكان، ونشرت الصفحة الرسمية " حلايب وشلاتين وأبورماد" على صفحاتها على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" الكثير من الصور المعبرة للبحيرات الطبيعية التي أخلفتها تلك السيول.


ويتعرض طقس جنوب الصعيد منذ عدة أيام لأمطار وغيوم وسط درجة حرارة مرتفعة تتعدى الـ40 درجة مئوية، وكشفت دراسة بعنوان "التراث الثقافي غير المادي في شلاتين و أبو رماد وحلايب.. هوية وانتماء رؤية سوسيو – ثقافية" للدكتور علي الدين عبد البديع القصبي بجامعة جنوب الوادي بقنا أن مثلث حلايب، يرزخ بالتنوع والتعدد القبلي حيث لكل قبيلة منطقتها الثقافية الخاصة، مؤكدا أن للماء وللشجر أهمية كبيرة لدى القضاء العرفي في المنطقة فمن يتلف شجرة ظليلة يغرم جملاً ،ومن يتلف حوض ماء يغرم شاتين، أما المتسبب في تلف زراعة أو حرق منزل للغير، يلزم بدفع قيمة الخسارة.

وقال القصبي إن مجتمعنا المصري ثرى بالتراث الشعبي الذي يضرب بجذوره إلى أقدم العصور، ويتفاعل مع الواقع الحي ويؤلف وحدة تكاملية تخلق أساسًا راسخًا ومتينًا لبناء ثقافي وصرح حضاري، حيث التراث الثقافي غير المادي في منطقة شلاتين و أبو رماد وحلايب له علاقته القوية بالهوية والانتماء لتراثه.

الباحث في دراسته قدم الكثير من الشواهد الميدانية التي استقاها بنفسه من مجتمع دراسته حيث أتيحت له فرصة المشاركة ضمن فريق من الباحثين في الرحلة العلمية الاستكشافية الأولى التي نظمتها جامعة جنوب الوادي، أو من خلال القوافل البشرية الطبية والبيطرية والاجتماعية التنموية المتعددة والتي استهدفت مجتمع الدراسة، كما تمت الاستعانة بأداة "المقابلات المفتوحة"، سواء المقابلات الجماعية، أو الفردية، كما اعتمد على عدد من الإخباريين من مشايخ القبائل كأداة أساسية لجمع المادة ، ولقد كان الاعتماد عليهم من خلال معرفتهم العميقة بجوانب الثقافة الشعبية السائدة.

ومن الأدوات الأخرى المساعدة أيضًا "الصور الفوتوغرافية، و"التسجيل الصوتي بالكاست"، و"كاميرا الفيديو"، كما استفادت الدراسة من الكتابات الأكاديمية والدراسات السابقة المتوفرة عن المنطقة وكذلك التقارير الرسمية الصادرة من الوحدات المحلية لمدينتي شلاتين وحلايب وقرية أبو رماد .

ورصدت الدراسة بعض الممارسات الشعبية التي درج عليها سكان مناطق شلاتين وحلايب و أبو رماد الهامشية والتي تحمل ثقافة شعبية تتسم بسمات إبداعية حيث يخلقون من الخامات التي تجود بها البيئة الطبيعية ما يسد حاجاتهم من متطلباتهم الأساسية للتكيف مع بيئتهم الصحراوية ومواجهة ظروف حياتهم القاسية، حيث تشكلت وتقولبت الثقافة الشعبية غير المادية في هذه المنطقة وتجذرت عبر التاريخ الموغل في القدم، والتي لا تزال باقية حتى وقتنا الراهن.

الدراسة رصدت الكثير من الظواهر الثقافية بمدينة حلايب ومن ضمنها الأغاني الشعبية وأغاني الرعاة وأغاني الشفاء التي تؤدي من الرعاة عند سقيهم الأغنام والمواشي من الآبار ومنها هذا النص: «هيبلادر / هيبلادية/ وا محمدية/ حلبوكي لي/ في روض حي/ أم العوادي/ لبنك دواي/ العتر الغر/ لبنهم مر/ لشيك لبنك مر/ يوجع في القمر».

وثمة أغنية تتردد في المنطقة وذلك للتغزل في الجمل «هركاك» والمشهور عنه بالسرعة والجمال:
زينة البادية
من طوكر ضحاوية
شد عصريه
إن شاء الله الخير يعود تاني
هركاك زينة البادية
لي أسوان عصيرية
هركاك شد عصرية
وإن شاء الله بلادنا مطراني

عن الطب الشعبي يقول الدكتور علي الدين القصبي إنه جزء من المعارف الشعبية التي تكونت عبر أزمنة طويلة في المنطقة حيث كانت التجربة والاستنساخ أساس تطويرها، وقد استمرت لارتباطها بالطبيعة وبظروف مجتمعية.

ويقصد بالطب والعلاج الشعبي الجمع بين أساليب التطبيب الوقائية والعلاجية التقليدية التي قاوم بها الإنسان البدوي المرض بغية الشفاء، سواء كان هذا العلاج بالمنزل، أي من خلال ممارسات علاجية تجرى بمعرفة أفراد العائلة العاديين، وهذه الممارسات قائمة على الخبرة المكتسبة من التجارب الموروثة، وساهمت التنشئة الاجتماعية في المحافظة على هذا التراث جيلاً بعد جيل، أو يتم ممارسته بواسطة معالجين محترفين، سواء شيوخ دين ، أو بعض المتخصصين المحترفين بتجهيز وإعداد وصفات وممارسات علاجية قوامها وعناصرها البيئية الطبيعية للبيئة البدوية الصحراوية، مثل الرمال، والأعشاب، والزيوت النباتية، ودهون الحيوان، والفحم، والسكر، والبيض، واللبن. وبالتالي عمل عمليات وقائية علاجية مثل: الفصد والكى بالنار وتجبير العظام المكسورة. أو استخدام العلاج بالرقى والتعاويذ.

وتشير معطيات دراسة ميدانية إلى تعدد العناصر الطبيعية المستمدة من البيئـة الصحراوية، التي مكنت قاطني مثلث حلايب من البشارية و العبابدة من اختبارها والاعتماد عليها كمصدر من مصادر العلاج الشعبي ، حيث لا يلجأ سكان منطقة حلايب الأصليون من العبابدة والبشارية إلى المدن والمناطق الحضرية إطلاقًا للعلاج، ويقوم الأشراف (وهم الذين ينتسبون إلى النبي محمد عليه الصلاة والسلام بعلاج جميع الحالات المرضية بوسائلهم الخاصة فيعالجون: الجروح الكبيرة: بوضع إطار من الطين حولها ثم يقومون بصب السمن المغلي فوق الجرح، وعرق النساء والروماتزم والعثة: بالكي في أجزاء مختلفة من الجسم، ولدغة الثعبان: إزالة الجزء الملدوغ من الجسم في الحال ثم يضعون على الجرح كمية من السمن المغلي، وبالنسبة الأسنان الفاسدة: يربط السن بخيط ثم يخلعه بالدق عليه بعصا رفيعة.

أما عن قضاة بالصحراء فقد وصفتهم الدراسة أنهم لابد أن يكونوا من الرجال العقلاء وكبار السن ينظرون في القضايا التي تحدث بين أفرادها ويعرضون عليهم المشاكل التي يتعرضون لها. والمحكوم عليه يمتثل للحكم الصادر وشيخ قبيلته ينفذه عليه وإذا كانت الغرامة كبيرة ولا يستطيع المحكوم عليه وأهله وفاءها فتقوم القبيلة أو بعضها بدفع تلك الغرامة، وكان أبرزها "من يقتل متعمدًا بهيمة (حيوان) للغير يغرم أربعة أمثالها وإذا كان غير متعمد يغرم المثل"، والكثير من القوانين العرفية التي حوتها الدراسة الثقافية بجنوب الوادي .

مادة إعلانية

[x]