في ذكرى اسدال "الستار" وانهيار "الجدار" .. ماذا تبقى من إرث الحرب العالمية الثانية؟

16-8-2019 | 15:10

آثار الحرب العالمية الثانية

 

أ ف ب

"الستار الحديدي" يعني الانفصال العقائدي ثم المادي الذي فرض في أوروبا غداة الحرب العالمية الثانية بين منطقة نفوذ سوفياتية في الشرق وبلدان الغرب، سقط هذا الحاجز في يوم 16 أغسطس  عام 1989 مع جدار برلين.

- من أين جاءت العبارة؟

هذا التعبير المجازي نشره البريطاني ونستون تشرشل في خطاب ألقاه في 5 مارس 1946 في الولايات المتحدة "من شتيتشين على البلطيق إلى تريستي على الأدرياتيكي، سقط ستار حديد على القارة".

لكن أصل العبارة ينسب إلى الكاتب الروسي فاسيلي روزانوف الذي استخدمها في 1918 في حديث عن الثورة البلشفية في كتابه "قيامة عصرنا"، وكتب "ينزل ستار حديد على تاريخ روسيا بنقر وطحن وصرير".

هذه الحدود بين أوروبا الشيوعية والغرب التي وضعها القادة السوفيات لوقف انتشار المبادىء الغربية، تحققت ماديا بشكل تدريجي لوقف فرار المواطنين باتجاه الغرب.

وتمثل "الستار الحديدي" الذي بدأت المجر بناءه في 1949 ثم تبعتها دول أخرى، من أسلاك شائكة وخنادق وجدران أسمنتية وأجهزة إنذار كهربائية ومنشآت للرماية أو ألغام وامتدت على آلاف الكيلومترات.

في ألمانيا الشرقية، أعلن القادة الشيوعيون في 1952 منطقة حظر عرضها عشرة أمتار على طول الحدود مع جمهورية ألمانيا الاتحادية (أو ألمانيا الغربية)، تشمل أسيجة من الأسلاك الشائكة ونقاط مراقبة.

لكن مع كل هذا، بقيت ثغرة في الإجراءات هي برلين التي قسمت إلى شطرين -- سوفياتي وغربي -- كان يمكن التنقل بينهما بدون صعوبات كبيرة، وتمكن نحو ثلاثة ملايين شخص من اللجوء إلى ألمانيا الاتحادية عبر برلين الغربية بين 1952 و1961، ما أخلى جمهورية ألمانيا الديموقراطية من قواها الحية.

وحصلت سلطات ألمانيا الشرقية على موافقة موسكو لبناء جدار برلين في 1961، الذي قدم على أنه "سد في وجه الفاشية".

امتد الجدار الذي توازيه على الجانب الشرقي منطقة عازلة، على طول 155 كيلومترا -- 43 كيلومترا تقسم برلين إلى شطرين من الشمال إلى الجنوب و112 كيلومترا تعزل جيب برلين الغربية عن أراضي جمهورية ألمانيا الديموقراطية. وقد بني من أسمنت مسلح وتخللته في بعض الأماكن أسيجة معدنية.

لم يكن يسمح لمواطني أوروبا الشرقية بالتوجه إلى الغرب إلا بشروط قاسية.

كان الساعون للرحيل يجازفون بكل شيء. ويقول المؤرخون إن ما بين 600 و700 شخص لقوا حتفهم خلال محاولتهم الفرار من ألمانيا الشرقية.

وسبب جدار برلين وحده موت 136 شخصًا على الأقل، لكن نحو خمسة آلاف آخرين نجحوا في عبوره مستخدمين حيلاً مبتكرة، فقد هربت عائلة عن طريق سطح مبنى بفضل حبل بكرات مربوط بأقرباء كانوا ينتظرون على الجانب الآخر من الجدار. وفر آخرون سباحة في نهر سبري الذي يعبر برلين، أو في أنفاق أو مختبئين في عربات.

في مايو 1989، قررت المجر فتح حدودها مع النمسا، فيما شكل أول ثغرة في الستار الحديدي. في 19 أغسطس انتهز أكثر من 600 ألماني شرقي فرصة فتح مركز حدودي مع النمسا بمناسبة نزهة أوروبية، للهرب إلى الغرب في أول نزوح جماعي منذ 1961.

بدأت الأنظمة الشيوعية في أوروبا تتهاوى بينما لم يتدخل الاتحاد السوفيتي الذي كان يقوده ميخائيل جورباتشيوف. وهزت ألمانيا الديموقراطية تظاهرات غير مسبوقة.

في التاسع من نوفمبر بوغت مسئول كبير في ألمانيا الديموقراطية بسؤال عن موعد دخول حقوق التنقل الجديدة للألمان حيز التنفيذ، ورد "على حد علمي فورا"، تسبب رده في تدفق الآلاف من سكان برلين الشرقية إلى المراكز الحدودية التي اضطر حراسها وهم في حالة التباس، لفتح الحواجز.

في الليل، احتفل سكان برلين الفرحين بالحدث وهم يتسلقون الجدار ثم جلبوا معاول وقاموا بهدمه.

وفي السنتين التاليتين تفكك الاتحاد السوفيتي.

واليوم تتوجه الأنظار إلى رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان بمناسبة الاحتفالات بالذكرى الثلاثين لتفكيك الستار الحديدي التي تتناقض مع الحماس الذي يبديه اليوم لبناء جدران جديدة على حدود بلاده.

وسينظم الاحتفال الرسمي في 19أغسطس في سوبرون بذكرى "النزهة الأوروبية" التي جرت في 1989 في هذه المدينة الصغيرة المحاذية للنمسا،وكان هذا الحدث شكل أول ثغرة في خط انقسام أوروبا إلى كتلتين بعد الحرب العالمية الثانية، وسمح بفرار جماعي لنحو 600 ألماني شرقي عن طريق المجر.

في تلك السنة وبينما كانت الأنظمة الشيوعية تنهار في أوروبا الشرقية، اكتسب فيكتور أوربان المعارض السياسي الشاب شهرة كبيرة بعدما ألقى خطابا مدويا أمام حشد كبير في بودابست طالب فيه برحيل القوات السوفيتية.

ويرى معارضوه أن دوره في أحداث تلك السنة تم تضخيمه منذ ذلك الحين، لكن دعوته إلى إحلال "المواطنة الديموقراطية" كان لها صدى كبير.

وبلغت عملية فتح الحدود التي بدأت حينذاك ذروتها في 2004 مع انضمام المجر والعديد من جاراتها إلى الاتحاد الأوروبي.

وكان المجريون من أكثر الشعوب حماسة لممارسة حقهم الذي اكتسبوه حديثا في التنقل بحرية.

وتقول الوكالة الأوروبية للإحصاء (يوروستات) أن نحو 350 ألفا من هؤلاء في سن العمل يعملون في بلدان أوروبية أخرى من أصل نحو 500 ألف مجري يقيمون خارج هذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه أقل من عشرة ملايين نسمة.

في السنوات التي تلت سقوط الشيوعية، كانت قضية الهجرة في المجر ثانوية في مواجهة ظاهرة الهجرة باتجاه غرب القارة. وكانت السياسة المتبعة لدخول الأجانب إلى المجر وخصوصا منح حق اللجوء، منفتحة بالكامل.

وفي نهاية ثمانينيات القرن الماضي وخلال التسعينيات، تم استقبال آلاف المتحدرين من أصل مجري الفارين من رومانيا بترحيب كبير إلى جانب خمسين ألف شخص على الأقل نزحوا بسبب الحروب في يوغوسلافيا السابقة وبينهم عدد كبير من مسلمي البوسنة.

ويشير بولديجار نادجي من جامعة أوروبا الوسطى إلى أنه لا أحد في تلك الفترة كان يشكك في صحة منح حق اللجوء لهؤلاء، خلافا لما يحدث اليوم في إطار الخوف من الإسلام الذي يهيمن على الخطاب في المجر.

ويوضح نادجي أن "الحرب كانت تجري في يوغوسلافيا وهي بلد مجاور. في مدن جنوب المجر كان يسمع دوي القصف" الذي يحدث على الجانب الآخر من الحدود. ويتابع "كنا نعرف في المجر أنه يجب تأمين الحماية (...) لهؤلاء القادمين".

وفي هذا الإطار وعندما كان الأمر يتعلق بمنح إقامة دائمة في المجر، أعطت كل الحكومات التي تعاقبت منذ 1989 في هذا البلد الأولوية للمتحدرين من أصل مجري في الدول المجاورة.

لكن هذا الموقف أصبح أكثر وضوحا عندما تولى فيكتور أوربان رئاسة الحكومة من 1998 إلى 2002 وعودته إليه في 2010. وفي هذا الإطار وحتى قبل أزمة تدفق المهاجرين إلى أوروبا في 2015، تشدد أوربان في خطابه ضد الهجرة القادمة من مناطق أخرى في العالم.

سمحت المجر في البداية لآلاف المهاجرين بعبور أراضيها للتوجه إلى غرب أوروبا، لكن الحكومة أقامت بعد ذلك حواجز من الأسلاك الشائكة على طول حدودها الجنوبية، ما سمح للشرطة "بصد" المهاجرين باتجاه صربيا.

ويقول زولتان كيجيلي الذي يعمل في مركز "معهد القرن الحادي عشر" الفكري المحافظ إن الذين يرون تناقضًا بين المواقف التي عبر عنها أوربان في 1989 وفي 2015 أساؤوا فهم دوافعه.

ويشير إلى أن ما يشغله قبل ثلاثين عاما كان "سيادة المجر" أكثر من فتح الحدود.

وفيكتور أوربان نفسه أوضح ذلك في خطاب أمام برلمان مقاطعة بافاريا الألمانية في أكتوبر 2016. وقال في تلك المناسبة إن "فتح الحدود في 1989 وحماية الحدود اليوم هما وجهان لعملة واحدة".

وأضاف أوربان أنه في 1989 "كنا نكافح من أجل حرية أوروبا والآن نقوم بحماية هذه الحرية".