كيف أنشأ حسن فتحي قرية القرنة الجديدة في الأقصر | صور

13-8-2019 | 19:15

قرية القرنة

 

قنا- محمود الدسوقي

في شهر أغسطس عام 1945، بدأ المهندس حسن فتحي العمل في العمل على فكرته من أجل تصميم قرية القرنة الجديدة، والتي بدأ العمل فيها فعليًا عام 1946م بعد مرور عام على وضعها على الأوراق، لتكون القرية التي تعاني من الاندثار وسط مطالب بترميمها وإنقاذها، شاهدة على عبقرية المهندس المعماري حسن فتحي الذي حاز على الكثير من الجوائز العالمية.

 صنع حسن فتحي من خامات محلية لأهالي الصعيد مسرحًا، ومسجداً يشبه في عمارته مسجد أحمد بن طولون، ومنازل صحية ومحمية من السرقة فيكفي أن يذهب السارق لخلف المنزل كي يرى صدى أقدامه يصدر صوتًا كبيرًا فيوقظ الأهالي فيفر هاربًا، كما صنع لهم القباب القديمة بشكل عصري ومنازل يتوزع فيها الضوء والحرارة والرطوبة بشكل هندسي مذهل.

كيف بدأ إنشاء قرية القرنة؟

يقول المؤرخ والأثري فرنسيس أمين لــ"بوابة الأهرام" إن المستندات الحكومية الرسمية تؤكد أن مصلحة الآثار قامت بالصرف علي إنشاء قرية نموذجية لسكان القرنة ونقل الأهالي من القرنة القديمة بعد شيوع سرقة الآثار في المنطقة؛ حيث قامت مصلحة الآثار آنذاك بصرف مبلغ 100 ألف جنيه من عام 1945 لعام 1951م؛ حيث تم بناء 83 منزلا في القرية من ضمنها مسجد ومدرسة أولية ومدرسة صناعية ومدرسة بنات وسوق ودوار للعمدية.

يؤكد المؤرخون والمعماريون أن قرية القرنة حازت شهرة عالمية بسبب كتابة المهندس حين فتحي كتابه الشهير عمارة الفقراء، الذي يسرد فيه قصة بنائها، وأنشئت القرية لاستيعاب حوالي 7000 من المهجرين من مناطق المقابر الفرعونية بالبر الغربي لإنقاذها من السرقات والتعديات عليها، وخصوصًا بعد أن اكتشف المختصون وعلماء الآثار سرقة نقش صخري بالكامل من أحد القبور الملكية، فصدر قرار بتهجيرهم من المقابر وإقامة مساكن بديلة لهم، وخصّصت الدولة ميزانية محدودة لبناء القرية الجديدة، تم اختيار الموقع ليكون بعيدًا عن المناطق الأثرية وقريبًا من السكك الحديدية والأراضي الزراعية علي مساحة 50 فدانًا تم شراء الفدان بمبلغ 300 جنية مصري.

يضيف فرنسيس أمين أن في عام 1951م انتقل مشروع قرية القرنة من مصلحة الآثار إلي مصلحة الفلاح التي كانت تتبع وزارة الشئون الاجتماعية وفي المدة من عام 1951م حتى عام 1954م تم بناء 30 منزلا إضافيا في القرية بتكلفة وصلت لحوالي 50 ألف جنيه، وعام 1956م انتقل المشروع لوزارة الشئون البلدية، وتم وضع ميزانية لها تقدر بـ50 ألف جنيه، ولكن لم يتم صرف سوى 6 آلاف جنيه من الميزانية وهي تكاليف الحراسة فقط.

عام 1959م طلبت مصلحة الآثار من الشئون البلدية نقل سكان منطقة الطارف والقرنة القديمة للقرنة الجديدة، ويوضح فرنسيس أمين أن البلدية قامت بالرد على طلب مصلحة الآثار بعدم الموافقة وعدم كفاية المنازل، وعام 1963م عقد اجتماع ضم ممثلين من الآثار والمحليات لبحث مشروع القرنة وذلك بعد بناء 90 منزلا فقط من المشروع الذي كان يطمح في بناء 1400 منزل

واجه المشروع عقبات كثيرة حتى من الأهالي الذين كانوا يرفضون النقل لقرية القرنة الجديدة، كما تم توزيع الاختصاصات في المشروع بين مجلس محلي ووزارة الثقافة وغيرها من المؤسسات إلا إن وزارة الإسكان طلبت دراسة مشروع القرنة، وقامت بتشكيل لجنة من الإسكان والسياحة وممثلين عن محافظة قنا التي كانت تتبعها الأقصر أداريا آنذاك وقد قامت اللجنة المشكلة من وزارة الإسكان بعمل عدة توصيات.

وأضاف فرنسيس أمين أن من ضمن التوصيات الاكتفاء بإنشاء مقدار 1000 مسكن نموذجي علي نمط مساكن الإصلاح الزراعي المكونة من عدد 2 غرفة وحوش ومنافع، واعتمدت اللجنة خطة المهندس حسن فتحي باستخدام المواد المحلية وقامت بإجراء مسح شامل لسكان القرنة كما نصحت اللجنة باستخدام مشروع تهجير أهل النوبة لبناء السد العالي مع أهالي القرنة ودفع تعويضات عن المباني والأراضي كي يرحلوا من منازلهم.

وأوضح فرنسيس أمين أن قرية القرنة الجديدة التي انشأها المعماري حسن فتحي تحولت لقرية عالمية تجتذب السائحين من كل مكان في العالم، مطالبا بإعادة ترميم القرية التي تم هدم 80% من منازلها لغياب الترميم لها لما تمثله من أهمية كبيرة ولما يمثله المعماري حسن فتحي الذي تدرس نظرياته في جميع كليات العالم، حيث هو من أهم الرموز المصرية والعالمية.

لم يكتف المهندس حسن فتحي ببناء قرية القرنة الجديدة فقط بخامات محلية فقد شرع في بناء مصنع خزف جراجوس بمركز قوص جنوبي قنا وهو المصنع الذي مازال يعمل حتي الآن وحين شرع المهندس حسن فتحي في بناء قرية القرنة عمل معه الكثيرون من صانعي القباب في محافظات الصعيد من بينهم "الحاج سيف الدين" شيخ الطريقة الرفاعية والذي يعيش بقرية الخربة ناحية الأشراف القبلية بقنا وأحد المشاركين في صنع قباب قرية القرنة بالأقصر.

وقال الحاج سيف في تصريحات خاصة لــ"بوابة الأهرام" إنه يتذكر بدقة كيف قام بتنفيذ الأشكال الهندسية الصعبة وهي "المخموس والمثلث والمسبع"، وهي الأشكال التي يفشل المهندسون المحدثون في تنفيذها على الواقع، ويكون منوطا بالبنائين المحترفين تنفيذها دون أن تنهار.

ويضيف سيف الدين لــ"بوابة الأهرام" أن الأجر الذي تقاضاه في بناية القباب مع المهندس حسن فتحي كانت يومية تقدر بـ10 جنيهات، لافتا إلى أنه كان أعلى أجر تقاضاه في حياته منذ امتهن مهنة البناء في الصعيد، حيث كانت تقدر يوميته بـ2 جنيه فقط.

وأوضح سيف أن القباب فن لا يستطيع أي بناء أن يصل للإتقان فيه إلا بعد فترة طويلة من العمل لما تمتلك من أشكال هندسية متنوعة وبسبب الارتكازات التي لابد أن ترتكز عليها القبة فأي خطأ غير مقصود يعرضها للانهيار قبل أن يفرغ البناء منها.


حسن فتحي


قرية القرنة


قرية القرنة